Affichage des articles dont le libellé est PHILOSOPHIA. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est PHILOSOPHIA. Afficher tous les articles

jeudi 22 octobre 2020

النقد الفلسفي والنقد الايديولوجي

 


إن الاشتغال بمسائل الفكر، وسلك دروبه الوعرة، والتخصص في الافكار المجردة، يؤدي حتما الى ممارسة النقد، لأنه لا وجود لفكر دون نقد فالنقد بداية الفكر ومنتهاه. وقد عرف التاريخ الانساني انماطا متعددة من التفكير واكبت تطوره وتقدمه في التاريخ، منذ ان كان مجرد كائن حي، الى ان أصبح بفضل التطور البيولوجي كائنا عارفاhomo sapiens ثم بعدها كائنا يعرف انه يعرفhomo sapiens. وقد بدا التفكير الانساني بسيطا جدا، حيث كان يعتمد السحر والخرافة لتفسير ظواهر الكون. لكن شيئا فشيئا، سيتطور تفكير البشر خاصة حينما تم اختراع الرمز الذي شكل في نظر ارنست كاسيرر ماهية الكائن الإنساني، وذلك من خلال اختراع الكتابة، في الحضارة السومرية القديمة، وفور ذلك سيبدأ التاريخ، منذ 3500 ق،م. وسيعتبر ما قبله عصور ما قبل التاريخ، وباختراع الكتابة سيتقدم الانسان خطوة جد هامة في تاريخه، حيث سيتحول الخطاب الى خطاب مكتوب، يوفر بيئة حاضنة للفكر المركب والمجرد الذي يتم التعبير عنه بالرموز، وهو ما حدث مثلا في الحضارة اليونانية خلال القرن 6ق،م. حيث ستتشكل لأول مرة في التاريخ، نظرة مغايرة للنظرة الأسطورية، وسيقام فهم جديد للعالم مبني على اللوغوس، يتجاوز كل التفسيرات المافوقية التي كان البشر يفسرون بها الظواهر فكانت بداية الفلسفة العظيمة مع فلاسفة ملطية الكبار، الذين حاولوا الاجابة عن سؤال الوجود بطرق تعتمد العقل والتفسير المنطقي. ان هذه البداية شكلت مرحلة جديدة ستتطور بشكل مطرد، رغم بروز نمط فكري آخر، لا يوظف العقل بقدر توظيفه للعواطف والايمان، والمقصود هنا الخطاب الديني، الذي شكل نمطا تختلط فيه النظرة السحرية بالنظرة الاسطورية للعالم، ويتوخى حجب الأسئلة المؤرقة والاجابة عنها وطي الصفحة، وهي أسئلة المصير الإنساني. الدين سيدخل في صراع مع الفلسفة خلال القرون الوسطى لكنه لم يستطع القضاء عليها فوظفها لصالحه، من أجل نزع الطابع المنطقي على بعض منطوقاته، لكن في الأخير سيتوارى الدين عن الساحة العمومية، بعد المعركة الشرسة التي خاضتها الشعوب ضده، خلال عصور التنوير المجيدة، كما أن الخطاب الديني ستتهافت مقولاته أمام الخطاب العلمي، الذي انفصل عن الفلسفة خلال القرنين 16و 17م. اذ تم تخريب النظرة الأسطورية التي دافع عنها الدين، وقتل من أجلها ونكل، وهي القائمة على النظرة المغلقة للكون، المستندة لنظرية بطليموس الفلكية القائلة، بسطحية الأرض وبدوران الشمس حولها. هذا التصور سيزول في العصور الحديثة مع نظرية كوبرنيك. وسيصاب الانسان بجرج نرجسي غائر حيث أصبح مجرد نقطة تافهة في كون شاسع. والعلم هو نمط التفكير الذي يفسر العالم استنادا إلى النظرية والتجربة، كما يقوم بتكميم الطبيعة وتحويلها، ليوفر للإنسان التحكم فيها، والتحول من عبد لها الى سيد عليها، كما دعا إلى ذلك ديكارت خلال القرن السادس عشر. والمعروف ان وجود الانسان محكوم بمجموعة من المحددات، أهمها أنه كائن اجتماعي بطبعه، لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخرين، وبالتالي ظهرت أشكال متعددة من التضامن بين الأفراد، ويقسم عالم الاجتماع الفرنسي دوركهايم، أنواع التضامن بين الجماعة إلى تضامن آلي ميكانيمي وآخر تضامن عضوي. وهو الفارق بين المجتمعات البدائية والمجتمعات الحديثة. ومن أجل تنظيم الجماعة لابد من توزيع للسلطة بطريقة تضمن استمرارية الجماعة، وعدم تفتتها أو زوالها، لهذا كانت السياسة هي الطريق الأنجع لممارسة السلطة هذا الموضوع الذي شغل حيزا هاما من الفكر الفلسفي خلال القرن العشرين. فالسياسة لا يجب النظر إليها، كجهاز أو سلطة مادية، لكنها أقرب إلى ما يسميه مشيل فوكو بميكروفيزياء وماكوفيزياء السلطة، أي أنها تتخد مظهرين أساسيين، والمظهر الخفي أشمل من المظهر الجلي، لهذا كانت السلطة دائما في حاجة إلى خطاب يشرعن وجودها،وهو الخطاب الايديولوجي، الذي أسال الكثير من مداد المفكرين والفلاسفة منذ ماركس، الذي كتب كتابا سماه بالإيديولوجية الالمانية، والذي دعا فيه الى فضح المستغلين في البنى الاقتصادية الرأسمالية، التي تستغل الأفراد وتزيف وعيهم بأفكار لا صلة لها بالقوانين الاقتصادية المادية، التي تحرك التاريخ. لهذا كثر الخطاب في القرنين 19م و20م حول الايديولوجيا. ووقع سوء فهم كبير لها. لكن هي في أبسط تعريف لها نظرة للعالم. تستند الى الفكر وتمارس في السياسة. فالإيديولوجيا بهذا المعنى فكر يتوخى تغيير الواقع أو تشويهه أو تبريره وهي الوظائف التي حددها لها بول ريكور.إذن لا يجب في نظري اعتبار الايديولوجيا شيئا سلبيا يجب تجاوزه، لأن ذلك غير ممكن عمليا، مادامت العلاقات الاجتماعية مبنية على السلطة التي تعتبر الايديولوجيا، جزءا كبيرا من خطابها. لكن السؤال الذي يؤرق بالي هو حول علاقة الخطاب الفلسفي بالخطاب الايديولوجي، وهي الاشكالية التي شهدت نقاشا واسعا من طرف المفكرين لكن وجهة النظر التي اعتقدها هي أن الخطاب الفلسفي خطاب غاية في ذاته، لا يتوخى الوصول إلى غاية أخرى تجعلها وسيلة. لهذا كانت الفلسفة دائما حينما تريد أن تعرف ذاتها، تجد عدم سوء فهم كبير من لدن المتلقي، الذي يبحث دائما عن الغاية، وهو ما لا تستطيع الفلسفة الاجابة عنه بسطحية، لأن الفلسفة هي غاية ذاتها، وهي البحث عن الحقيقة المطلقة والاجابة عن الأصل الأكثر عمومية، لهذا نجد كثيرا من الفلاسفة الماركسيين يميزون بين « الفلسفة المادية » و »الفلسفة البورجوازية » فكل فلسفة في نظرهم لا تلبس لبوس الايديولوجيا المادية ولا تفضح الايديولوجيا البورجوازية ليست بفلسفة، وشعارهم في ذلك هو أن وظيفة الفلسفة هي « تغيير العالم وليس فهمه » وهي الجملة الشهيرة لماركس.لكن إن تم اعتبار الفلسفة بهذا المنطق ستظل مجرد وسيلة، من أجل غاية وهي تغيير العالم. لكن السؤال المطروح هو: كيف يمكن تغيير العالم بدون فهمه؟ فالفهم الشامل للعالم يمنح فرصة أكبر وأعظم من أجل تغييره. لهذا كان دائما هناك صراع بين الخطاب الايديولوجي والخطاب الفلسفي، ولا ينبغي أن نفهم هذا الصراع بالمعنى الذي نفهم به صراع الفلسفة والدين. فالدين يدعي لنفسه الحقيقة مادام يتجاوز عالم الانسان نحو عالم ماورائي هو عالم «الحقيقة المطلقة»، لكن الايديولوجيا، هي خطاب يستند الى فهم الواقع الموضوعي، لكن رغم ذلك لابد من الاشارة إلى أن الايديولوجيا تستند احيانا إلى الدين، فتكون بذلك ايديولوجيا دينية، كحركات الاسلام السياسي مثلا، التي ليست دينا، بل ايديولوجيا، لأنها تتوخى التأثير في الواقع وتمارس السياسة استنادا إلى الدين. كما أن الايديولوجيا قد تستند الى الفلسفة، خاصة في النزعات المذهبية، فالماركسية هي ايديولوجيا، تستند الى الفلسفة المادية. كما ان الايديولوجيا قد تستند الى العلم كما يتحدث عن ذلك يورغز هابرماس في كتابه، العلم والتقنية كإيديولوجيا.لكن المشتغل بالفلسفة لا يجب في نظري، أن يظل حبيس أفكاره المجردة، ولا أن يظل مكتوف الأيدي في علاقته بالواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي الذي يعيش فيه، لهذا كان لزاما أن ينخرط في حركة التاريخ، فكرا وممارسة، وهي الدعوة التي دعت اليها فلسفة البراكسيس الماركسية،اذ يجب الانخراط في التاريخ وفضح الاكاذيب ونزع السحر عن العالم، ووضع الفرد تجاه مصيره، ونشر الوعي وتشجيع الافق الرحب، ومواجهة كل نزعات الشر التي تملأ العالم، لكي يتحقق الدور التاريخي للمثقف بمفهومه الغرامشي. لهذا لابد من التأكيد في الاخير على أن انواع الخطابات لا تنفصل كلية، ولكن نجد امتدادات بعضها في البعض الاخر، لهذا فان الاشتغال بالفكر يظل مسؤولية جسيمة يجب على من يصنف نفسه داخلها، أن يتحملها وان يذهب بنفسه الى أقصاها وان اقتضى ذلك التضحية، كما فعل سقراط مثلا.

عقل لا يعرف الهدوء

 

لوحة الصرخة لإدفارد مانش 1893

إن الفكر، دودة تنخر العقول الأسئلة المحرقة والمحيرة، التي تدفع الذات نحو البحث والتساؤل، والرغبة المحمومة في القبض على الكلي، هذه ميزة ألمانية وحدهم النيتشويون،يعرفون معناها العميق، لأنهم يجدون تجسيدها الأسمى في مفهوم »إرادة القوة » التي دعا إليها نيتشه وبشر بها عقيدة للإنسان الأعلى، إنها « إرادة الحياة » الشوبنهاورية مقلوبة وهذه ميزة الفلسفة الألمانية، قلب للتصورات كساعة رملية. إن الذين يوسعون من آفاق عالمهم الضيق، وينزعون الحدود المبثوثة في العالم، حدود الجغرافيا، واللغة، والدين، والانتماء،والعقيدة.يعرفون معنى النزعة الإنسانية والمواطنة العالمية. لذلك تجد عقولهم ونظرا لشساعة ورحابة الآفاق الممتدة أمامها تعيش حالة من القلق الدائم هو سمة كل وجود أصيل، يتوخى البحث عن المبادئ الثابتة في العالم. إن هذا التحيز المفضوح نحو الكوني هو ما يجعل كل العظماء عبر التاريخ أدباء، فنانين، فلاسفة، أنبياء يتجهون نحو التأكيد على مبادئ تتجاوز كل الحدود الوهمية لتصل بمداها الى المطلق، متجسدا في فكرة خارقة وعظيمة، تحكم على من تبناها بالقلق، ليس بمفهومه المرضي، لكن القلق بمفهومه الوجودي، كحالة تجد الذات نفسها أمامها حائرة مندهشة باستمرار، ساعية للاكتمال، لكن واعية بذاتها، وبفنائها وتناهيها، وهي عملية زمانية بامتياز. وهذا هو جوهر الحياة بشكل عام، إنه نظام طبيعي مبتوت، لكن الثقافة صنعت عقاقير مخدرة لهذه الإنسانية الطافحة، عقاقير منومة »أوهام » قصفها نيتشه بقوة خلال القرن 19م.لكنها لم تنكسر،، رغم أنه أعمل طريقة خبيثة جدا لأنه قام بنقد جنيالوجي،سخر له كل طاقة جسده الواهن، وروحه العظيمة،لكن التلامذة الأوفياء لنيتشه أسسوا لمرحلة بكاملها هي مرحلة نيتشوية بالأساس،مرحلة ما بعد حداثية، مرحلة عدمية بامتياز، مرحلة قلقة وضجرة، لابد لكل ذات أن تأخد طابعها إن أرادت بعمق أن تجسد « روح العصر ».لكن مشكلنا نحن أبناء عقيدة الصحراء، أننا مازلنا نبحث عن الثوابت، أو لنقل أن بعضنا هو من يبحث عن الثوابت الجديدة، أما الغالبية العظمى فما زالت في مرحلة غيبوبة تاريخية، نوم أبدي، لن « يوقظنا » منه سوى نقد جنيالوجي راديكالي، يهز بنية وجودنا الحضاري من أساسها، ويبث فينا، عقيدة جديدة، تستوعب روح العصر وتندمج في « العالم الكلي »،ومن كان منا ينظر نظرة تتجاوز الآفاق المرسومة، وينظر بعيدا سيرى أن نزعة الأصالة الموبوءة، تندحر نحو هاوية التجاوز التاريخي التي لا تعرف المصادمة، لأنها عجلة ضخمة قدر »فوق إلهي »،مادام الإلهي، خارج دائرة التاريخ. لذلك فإن الإنسان الذي يوجد في هذا الوضع، سيصاب بفصام رهيب، لأنه يجمع المتناقضات، فيما يرتبط بوضعه التاريخي الخاص لابد أن يتبنى أفكار القرن الثامن عشر ويدافع عنها بقوة وصراحة، لكن في عمق كيانه هو مسكون بروح عدمية مرتبطة بالبنية العامة للتاريخ. لذلك فكل قلق في هذه اللحظة سيكون مفهوما،زد على ذلك أن هذه الذات،تعيش قمة جدلها الفكري، لأنه لأول مرة تربط إشكالاتها الذاتية الخاصة، بالروح العامة، وبالحضارة، والمصير المشترك.

samedi 3 octobre 2020

التراجيديا الإنسانية: الإنسان بين هم الوجود والبحث عن الخلاص

 



 في لحظة من لحظات وجود "الدازين" قد يتساءل هذا الأخير حائرا متوجسا ومنقبضا حول حاله ومآله وأفقه وحدوده. لكن الحقيقة التي لا غبار عليها بعد الآن والتي لا تتقبلها الجمال الحاملة لأثقال ماضيها هو أن ما يسمى في أعراف البشر بالوجود، ليس سوى صدفة لعينة وجميلة في الآن نفسه. إن هذه اللحظة التي أسميها بالتراجيديا الإنسانية ليست سوى ذلك الموقف الذي يؤطر هذه الكينونة المدركة والتي تنتظم وفق نظيمتين أساسيتين: أولاهما إدراك الوجود المتعين الذي تتشارك فيه مجموع الموجودات والذي يتميز فيه الإنسان العاقل بتبوء قمة الإدراك الوجودي، حيث إن باقي الأحياء والكائنات المتواجدة لم تستطع خلال مرحلة الصراعات التطورية أن تنتزع الحظوة التي كانت في الأخير للدازين الإنساني أو الهوموسابيانس إن استعملنا المصطلح الدارويني. إذن والحال هذه فالدازين الذي يسمى في لغة الميتافيزيقيين بالإنسان هو الذي تبوأ المكانة الأرفع ضمن هذه المعادلة وبالتالي وجب تسميته حسب مارتن هايدجر براعي الوجود. وثانيهما هو لحظة إدراك محدودية هذا الوجود من خلال الوعي بفنائه وبانتفاء الذات في الأخير، التي تعقبها حالة الاختفاء في الكون والتي لا يمكن للذازين الحضور Ausvesenheit بعدها. وإنما يمكن استمرار الكينونة المنتفية من خلال طريقتين حددتهما حنا آرندت في كتابها la crise de la culture: إما في الموجودات التي كان الدازين المختفي لتوه سببا في انكشافها في الوجود أو ما يصطلح ب "الذرية" أو نظام التكاثر الإنساني وهي الطريقة الأكثر انتشارا. ما الطريقة الثانية وهي استمرار الوجود في التجلي وذلك من خلال الخلود في التاريخ أو عن طريق الأعمال البطولية. إن المسألة لا تتوقف عند هذا الحد لأن المرحلة التي ينكشف فيها الوجود للدازين هي المرحلة المتسمة بالقلق وهي مرحلة الوجود الأصيل؛ وخلالها يكون الدازين على وعي تام بالمعادلة الأنفة الذكر وهنا تقع الذات بين خيارين: الخيار الأول: هو الوجود الزائف الذي ينسحب فيه الوجود تاركا الدازين لعالم الأشياء التي تؤثث حيزه الإدراكي. وتعتبر التقنية عنصرا مساعدا لذلك، وتنسيه بذلك لحظات الإدراك الوجودي المنتهية بالموت. أما الخيار الثاني: فهو وجود يكون فيه الدازين مواجها للحقيقة ومسلما وجهه نحو الموت مباشرة، وهي لحظة Kopfzerbrechen   كما يسميها هايدجر وهذه اللحظة يصفها سورين كيركجارد في المقولة التالية التي تصور تلك اللحظة بدقة كافية: " ما معنى أن توجد؟ أن توجد يعني أن تقف في طابور طويل للغاية ثم لا تشتري التذكرة عندما تصل إلى الشباك، لا، أن توجد يعني ان تتشبث باستماتة بشعر عنق الحصان وهو يجري في الوادي، لا، أن توجد أشبه بأن تكون في أشد استعجال ممكن وأنت راكب على ظهر مهر بطيء ". هذا المشهد سمته المميزة هي «القلق " الذي يميز كل وجود أصيل. إن هذه العلاقة الي حظيت باهتمام الفلسفة الأنطولوجية الهايدجرية بالخصوص لا تستمد مفاهيمها و نظرتها بالضرورة من «الفلسفات الاجتماعية» المفسرة للبنى والمشكلة للإيديولوجيا، والتي جعلت ماركس يقول: » إن الفلاسفة حاولوا دائما أن يفسروا العالم في حين أنه يجب تغييره ». إن الأنطولوجيا كمبحث فلسفي أول يبحث في علة الوجود، هو محض فلسفية ذاتية لا تدخل في إطار الطقوس الجماعية بل هي نسك ذاتي بالأساس تحدده العلاقة الثلاثية: الدازين – الوجود – العدم. فهي إذن فلسفة تحاول ردم الصدع الذي أحدثته التراجيديا الإنسانية الناتجة عن تأويلات فلسفات ما بعد الحداثة خاصة الماركسية والفرويدية والبنيوية وما بعدها والتي أعلنت موت الإنسان، وأغلبت مبدأ الحتمية الإنتاجية واللاوعية والتاريخية والأنساق الثقافية وغيرها من العوامل المتحكمة في الذات الفردية التي رُبطت هنا قسرا بالمجتمع. إن الخلاص الإنساني الأصيل الذي تقترحه الفلسفة الوجودية يمثل نيتشه قطبه الأقوى ورسوله المبشر فبعدما أعلن عن موت الإله وبالتالي موت الميتافيزيقيا وبروز الإنسان في عراء الوجود اقترح العقيدة الجديدة الخالية من كل وهم مصطنع وهي العود الأبدي وإرادة القوة التي من خلالها يصل الإنسان إلى مرحلة السوبرمان .الانطولوجيا هي الرسالة الخالدة في ظل موت الإله وانتهاء مرحلة الميتافيزيقا التي حاولت تبسيط الوجود وتحرير شيك على بياض للإنسان ، لكن هذا الأخير انكشف له الوجود الأصيل الذي اختار أن يواجهه بالحرية والالتزام وأن الأمل الوحيد هو أن ندرك أنه لا يوجد أمل مطلق كما يقول ألبير كامو.


أول المداد :في معنى الحياة

 

(Henri Matisse.1905.Oil on canvas.176.5 cm × 240.7 cm Barnes Foundation philadelphia Pensylvania)

لا يجب على الإنسان اليوم سوى أن يسلم وجهه للحقيقة الجميلة والحرة في آن واحد، حقيقة أن وجوده في هذا العالم هو وجود عرضي لم يكن مهندسا من قبل. وهذا ما أثبته العلم وفند بذلك كل الأوهام المظللة التي كانت تغطي على البعض الحقيقة. لماذا لا نعيش في سلام مع ذواتنا ومن ثمة في سلام مع الكون كله؟ لماذا لا يستجيب البشر لنداء الحقيقة ويكفوا عن تعظيم أوهامهم؟ لكن المشكلة تكمن في أن هذه الأوهام أخذت مكانها العميق في لاوعي البشر بحيث يصعب اقتلاعها واستبدالها بالحقيقة كما أن الأوهام تدعم بالإيديولوجيا المهيمنة وتسقط أثقالها على الواقع وفهمه. وإن كنا نحن الذين نؤمن بالحقائق الجديدة بعدما ثرنا على الأوهام نقدس حقائقنا الجديدة فإن باقي الجماهير لا يمكن أن تصل إلى قناعة هي ليست في صالحها. كيف لشخص وجد في هذا العالم أن يسلم أن الوجود جاء من عدم وبأن البشر تطور من سلف واحد مشترك مثله مثل باقي الكائنات وأن الشمس ثابتة وبأن الأرض تدور وبأن الكون شاسع جدا وعلماء الفلك لا يستبعدون وجود أشكال من الحياة خارج الكوكب الأزرق. هيهات أن يسلم الجميع بذلك. لكن التاريخ يتجه نحو الأمام ويتقدم وهو يفرض نفسه على الجميع. وأمام هذه الوضعية الإشكالية يجدر بنا المقارنة بين الوضعين. الوضع الأول حيث الحقيقة مشتركة بين الجماهير وهي حقيقة مزيفة والوضع الثاني الذي تأخذ فيه الحقيقة بعدا آخر وهو البعد الثوري والغير النافع وأنا أقول هذا الكلام لأن الحقيقة فظيعة جدا أن توجد بدون هدف وأن تكون محصلة لتطور أو طفرة معينة في كون كل الاحتمالات تتجه إلى أنه غير آمن وأن النهاية الحتمية التي يترجمها الموت والفناء هو وضع مريع وغير مريح بالضرورة لأنه يخلق القلق لأن هذه المرحلة يسميها مارتن هايدجر بوضعية الوجود الأصيل التي تتميز بالضرورة بالقلق لأنها تختلف عن الوجود الذي سماه بالوجود الزائف حيث أن الكينونة تتجه بنا نحو الكل الوجود يجذبنا نحو عالم الناس الذي تأثثه الأشياء Sachen والأدوات التي هي إفراز للتقنية إذن بهذا المعنى الهيدجري فإن الوجود الأصيل Authentic Being هو وضع متسم بالضرورة بالقلق.

.

الفلسفة والإنسان

 







تختلف الرؤى حول الإنسان، نجده في النص الديني عبدا، يحوله علم النفس إلى حالة وفي الجغرافيا يتحول إلى عدد ويدخل ضمن التصور الكلي، وفي علم الاجتماع لا يمكن فصله عن محيطه، وفي العلوم البيولوجية ندقق في مكوناته وجزيئاته، وفي الحرب نستعين بقوته، وفي السياسة نحاول مكره، وفي الاقتصاد نقدر قيمته ومقدار استهلاكه العلوم مفككة للإنسان ولوحدته. لكن الأديان مهتمة بمصيره وبكيفية سلوكه وتصرفه. لكن بعيدا عن كل هذه التجزيئات. فإن الفلسفة هي من يحمل همه ويبحث عن خلاصه ويتجاوز كل المقاربات والإبستميات التجزيئية، أو قل يجمع كل تلك المقاربات ليبحث عن الجوهر من وجود الإنسان وحياته وخلاصه إن الشخص الممارس لفعل التفلسف هو شخص محكوم عليه إلى النهاية بالقلق، وليس القلق بمفهومه النفسي الذي يحيل على اضطراب عصابي فقط، بل إنه قلق وجودي يمس فقدان المعنى ذاته، وقد فطن فرويد إلى هذه العلاقة مما جعله يربطه بفقدان الموضوع أو الشيء. ومادام القلق مرتبطا بالفقدان في التحليل النفسي فإن القلق في الفلسفة الوجودية مرتبط كذلك بفقدان الحياة وفقدان المعنى منها بالأساس. إن هذه الحالة أعني الحالة المتسمة بالقلق هي الحالة الأصيلة للوجود حسب هيدجر.حيث يعي "الدازين" وجوده بما هو موجود. لكن الأهم من ذلك ليس هذا الإدراك فقط المخالف للوجود الزائف المريح بل إن الأجدر هو البحث عن طريق للخلاص غير ذلك الذي تقترحه علينا الأديان، أو كما سماه كامو بالانتحار الفلسفي، البحث إذن عن طريق أصيل وذو معنى، وهنا تكمن قيمة الفلسفة التي تبحث عن الخلاص الأصيل للإنسان فالفيلسوف الأصيل لا تقنعه الأجوبة الجاهزة ونظام التراتب الإلهي الذي يقضي بأن إلها فوقيا خلق كل شيء وبدأ يراقب وسيحاسب مع العلم أن الإجابة معروفة من قبله سلفا. إن الفلسفة الوجودية التي تعطي القيمة للفرد كجوهر وتفتح له الباب أمام حرية مطلقة والتزام بالمقابل حسب سارتر. إن هذه الفلسفة هي الوحيدة فقط القادرة على تجاوز العذاب السيزيفي الدائم بدل الهرب من الوجود المتمثل في الانتحار وهو أقرب الحلول وأسهلها.

 

 

 

 

:تفاصيل الأشخاص في اللوحة

 

 


1 : Zénon de Kition ou Zénon d'Élée – 2 : Épicure – 3 : Frédéric II de Mantoue – 4 : Boèce ou Anaximandre ou Empédocle de Milet –5 : Averroès –6 : Pythagore – 7 : Alcibiade ou Alexandre le Grand – 8 : Antisthène ou Xénophon – 9 : Francesco Maria Ier della Rovere (?) – 10 : Eschine ou Xénophon – 11 : Parménide – 12 : Socrate – 13 : Héraclite (sous les traits de Michel-Ange) – 14 : Platon tenant le Timée (sous les traits de Léonard de Vinci, selon la plupart des sources ou ceux d'Aristote, selon Daniel Arasse) – 15 : Aristote tenant l’Éthique (sous les traits d'un homme d'une quarantaine d'années) – 16 : Diogène de Sinope – 17 : Plotin – 18 : Euclide ou Archimède entouré d'étudiants (sous les traits de Bramante) – 19 : Strabon ou Zoroastre – 20 : Ptolémée – R : Raphaël en Apelle – 21 : Le Sodoma Quentin Augustine (Le Protogène)








أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...