Affichage des articles dont le libellé est ARTICLES D'OPINION EN ARABE. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est ARTICLES D'OPINION EN ARABE. Afficher tous les articles

jeudi 28 avril 2022

المثقف العروبي أو عقدة اسمها الأمازيغية

 





كثيرون هم أعداء الثقافة الأمازيغية، على الخصوص اتجاهان إيديولوجيان، الاتجاه الإسلاموي، الذي يرفض الأمازيغية هوية وثقافة ولغة، لأنها تزاحم العربية والعروبة التي أرادو لها أن تكون ركنا سادسا من أركان الإسلام، وكذلك لأنها ثقافة تتضمن موروثا ورؤية للعالم تختلف أو تناقض ما جاء به الإسلام، كذا! نازعين بذلك صفة " الكوني" عن الإسلام. الاتجاه الثاني، هو الاتجاه القومي العروبي، التي يرفض الثقافة الأمازيغية، لأن أتباع هذا التيار يرون أن النهوض بالأمازيغية هو تهديد للعربية التي هي عماد القومية العربية. كلا هذين التيارين استئصاليين، لأنهما يرفضان الأمازيغية، والنهوض بها، وبالتالي تهميشها أو تواريها في الظل في أفق زوالها وبالتالي بناء دولة العروبة في خيال القوميين، أو أمة الإسلام في مخيال الإسلاميين. وبذلك العودة إلى الأزمنة الغابرة في الماضي السحيق، لأن الانخراط في العصر غير ممكن فمستقبل هؤلاء في ماض متخيل غابر. لذلك فكل دعوة للنهوض والتفكير في المستقبل تثير نوازعهم وأحقادهم. الكثير من هؤلاء ماتوا لأن الخطاب الذي ينادون به انقضى إلى الأبد في ظل انتصار قيم الديموقراطية والحداثة، التي تجعل من التنوع الثقافي عبر العالم، ركيزة أساسية في البناء الديموقراطي لكل دولة، لكن مازال هناك بعض الوجوه التي غزتها التجاعيد، والرؤوس التي بيضها الشيب والتي تفشل الصبغات في تغطيتها، واحد من هؤلاء، وفي ظل تقاعده السمين من تدبير لقطاع وزاري كانت حصيلته فيه صفرا، اختار أن يمارس هواية تدبيج مقالات صحافية ينفث فيها سمومه وأحقاده على هوية البلاد واختيارات قيادته، التي كان ينحني لها خضوعا وتذللا. هذه المقالات تدور حول فكرة واحدة وهي العداء للخطاب الأمازيغي وللثقافة الأمازيغية. في السابق اعتقدنا أن صاحبنا ربما أراد أن يدلو برأيه في قضية تشغل الرأي العام ومسلسل دمقرطة وتحديث المغرب، لكن مع الوقت تبين أن صاحبنا مصاب بمتلازمة اسمها " الأمازيغوفوبيا"، ربما لأن القضية جدلية لذلك أراد ربما أن يثير حولها الجدل، لكن للأسف ذلك لم ينجح لأن ما يقوم به يمر دو ن أن يلتف إليه أحد. هذه الحالة تعبر عن مأساة المثقف في منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، التي أصبح فيها الوضع الثقافي مزمنا فعوض أن ينشغل " مثقفونا" بالقضايا الرئيسية في البلد، ومنها الانتقال الديموقراطي، والوحدة الديموقراطية، والتحول الرقمي، والقضايا الاستراتيجية، ها هم يؤججون الأحقاد ويردون على اختيارات الدولة، فإن كانت الأمازيغية إذن بهذا السوء، فلماذا وجه صاحبنا كلامه للمثقفين والنشطاء الأمازيغ، ولا يوجهه بالمقابل إلى القائمين الفعليين على السياسة الاستراتيجية في البلد، ونحن نعلم أن النهوض بالأمازيغية، كان قرارا ملكيا في إطار الاختيار الحداثي للمغرب، وربما هي المسألة التي يعيها جيدا صاحبنا، فكما يقول القول المأثور " وحدها الأشجار المثمرة ترمى بالحجر"، فلماذا لم نجد صاحبنا يخصص أي مقال في السابق وهو الذي عاش تلك الخمسينيات والستينيات، لأنه رجل طاعن في السن، لماذا لم يكتب حول الأمازيغية، إلا في هذا التوقيت بالضبط، السبب واضح لأن هناك عملا عظيما أنجر فيما يتعلق بالأمازيغية في المغرب، وهو نضال منسجم مع الخطاب الحداثي والديموقراطي الذي يشهده المغرب، وهو ما يشكل عقدة نقص رهيبة لصاحبنا. خلاصة الأمر أن الخطاب الذي يدعو له صاحبنا خطاب موبوء وقد اصطدم بالحائط، سواء الخطاب الإسلاموي أو الخطاب القومي العربي. الخطاب السائد اليوم هو خطاب أساسه الدولة وليس الأمة، إن كانت هناك أمة أصلا فهي الأمة المغربية. ولكل أمة تاريخ وحضارة، المغاربة في السابق كانت تحكمهم إيديولوجية آتية من المشرق، ثم استعمرتهم إيديولوجية آتية من الغرب. اليوم المغاربة يؤسسون لهويتهم، والمحدد الأساسي لتلك الهوية هي الأرض التي تتأسس عليها حضارة البلد، على صاحبنا أن يقوم بجولة عبر المغرب من شماله إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه، ليرى سكانه كما هم في واقعهم، وليسمع أصواتهم ولغاتهم وهويتهم، ويشاهد توبونوميته  Toponomie البلد، أنذاك سيدرك أن هوية المغرب هي هوية واحدة في إطار التعدد، وهو الأمر المنصوص في دستور المملكة، وليدرك أن الأمازيغية هي هوية أصيلة غير مستوردة من الخارج. لكن للأسف صاحبنا يعيش في عالم منته وهو سجين خيالات منفصلة عن الواقع، وعليه أن يستيقظ ليدرك هذه الحقيقة.

mercredi 9 février 2022

الطفل ريان أو في وحدة الوجدان الإنساني

 


بغض النظر عن الأعراض الجانبية القبيحة التي رافقت حدث سقوط طفل في بئر عميقة في قرية تمروت بشفشاون، ومنها مثلا الاسترزاق ومحاولة بعض المؤدلجين تفسير الحدث بمقياسيهم وغيرها. كل ذلك لم يحجب المعنى العظيم للحدث وهو تأثيره على العاطفة الكونية للإنسانية ومما زاد من ملحمية هذا الحدث الصغير الذي تحول إلى إنجاز عظيم هو الرغبة الشديدة والتسابق من أجل إنقاذ حياة طفل صغير، حتى في الطبيعة الحيوانية يقع نفس الأمر خاصة حينما يتوحد القطيع الحيواني من أجل انقاد عضو ما في محنة. لكن في المجتمع الانساني يأخذ ذلك صورة أعمق وأجل. وإن كان ذلك يعبر على شيء فإنما يعبر على قوة الحياة وقدسيتها باعتبارها أسمى ما يوحد البشر. فرغم الشتات الثقافي والتباعد الجغرافي والسياسي، إلا أن الكل تعاطف مع تلك الحياة البشرية التي كانت في حالة خطر بين الحياة والموت. وكان الرجاء هو أن يتم إنقاذ الطفل، رغم أن ذلك لم يتحقق يا للأسف في النهاية. ومما زاد من وهج اللحظة الزمنية هو انتشار الخبر بفضل وسائل الإعلام خاصة الإلكترونية التي نقلت الحدث بالصوت والصورة فتابعه الملايين عبر ربوع العالم لحظة بلحظة، والكثير من المتابعين ربطوا الليل بالنهار متابعين تطورات عملية الإنقاذ، وكلما تأخر الأمر إلا وارتفعت الرغبة المحمومة في الوصول إلى جسم هذا الإنسان الصغير، حتى أن تخيل ريان الصغير ساقطا من على 32 متر، مجروحا ومحتضرا، في مكان مظلم وضيق وبارد جائعا وعطشانا ومقاوما الموت، كل ذلك حقق اللمسة الدرامية للحدث فتحول إلى بطولة. ولا ننسى بطبيعة الحال المتدخلين في عملية الإنقاذ، الأم والأب المصدومين واللذين ينتظران الفرج، ثم سائقو الجرافات الذين يحفرون الخندق المؤدي لأسفل الحفرة و" عمي الصحراوي" الذي حفر الأجزاء المتبقية من النفق. وأفراد الوقاية المدنية بزيهم ورجال الأمن والجماهير الغفيرة التي تجمعت حول مكان الواقعة. كل هذه العناصر وغيرها كَثفت اللحظة الزمنية ورفعت الطفل الصغير الى مرتبة أسمى من الإنساني ولعبت العاطفة دورا كبيرا في هذه العملية. في النهاية تم الوصول الطفل، ولكن يا للأسف توفي تم الإعلان عن الخبر عبر بلاغ من الديوان الملكي، واتصل الملك شخصيا بالوالدين وعزاهما. وتقاطرت رسائل التعزية للأمة المغربية وملكها ولوالدي الطفل من كل بقاع الدنيا. ومن أعلى سلاليم المسؤولية السياسية والرياضية والفنية وتحولت الشبكات الاجتماعية طيلة تلك الليلة وما والاها إلى لحظة عزاء جماعية خلفت التعاطف الكوني مع حياة بشرية بريئة في جبل منسي في بلد إفريقي.

ماذا نستفيد من هذه الواقعة؟ نستفيد أن المشاعر الإنسانية عظيمة ويمكنها أن تتحول إلى لحام للجسم الانساني ككل. الحياة مقدسة عند البشر خاصة لما تكون بريئة وفي لحظة ضعف وتطلب إنقاذها من خطر محذق.

البشر رغم اختلافاتهم وصراعاتهم تتنافى تلك الخلافات في اللحظات العصيبة وتختفي بذلك العواطف الحزينة وتحل محلها العواطف النبيلة.كل حدث يبدأ صغيرا ويتطور شيئا فشيئا وفق مبدأ تطور بطيء وكوني.

رغم صدق الكثير من المشاعر إلا أن مثل هذه الأحداث تبين كذلك النفوس الخبيثة وتجار الأزمات الذين ظهروا خلال هذا الحدث ومن جملتهم أصحاب الصفحات والنصابين والشحاذين والباحثين عن الشهرة والفضوليين.

وفي النهاية نقول صبرا جميلا لوفاة الطفل المسكين، لكن يا ليث الناس يتوحدون حول قضايا إنسانية مشتركة من هذا النوع وبهذا الحماس فمازال بيننا الكثير من أمثال رايان يعانون الفقر والهدر والجوع.

 


lundi 29 novembre 2021

الانتهاء من بناء نفق حسان في أربعين يوم: أي درس؟

 


تفاعل المغاربة مؤخرا مع حدث إكمال حفر نفق في مدينة الرباط، الشركة التي تولت المهمة كان عليها أن تضع أجَلا محددا لإنهاء الأشغال لأن هذه الأشغال نتج عنها عرقلة حركة السير خاصة حركة الترامواي وهي وسيلة نقل مهمة تربط ساكني العدوتين.  لما بدأت الأشغال حدث ارتباك في تنقل المسافرين عبر الترامواي سيما ضرورة تغيير القاطرة في محطة الحسن الثاني وقطع مسافة ليست بالقصيرة مشيا ثم الصعود على متن قاطرة جديدة في محطة 16 نونبر وهو ما خلف استياء كبيرا لدى مجموعة من المواطنين كما حدث ارتباك لدى أصحاب السيارات كذلك. لم تلتزم الشركة المعنية بالأشغال بالآجال المحددة فقط، بل انتهت قبل الأجل مسجلة بذلك رقما قياسيا في سجل تنفيذ المشاريع على المستوى الوطني. واستغرق الورش أربعين يوما فقط!

المستفاد من هذه الواقعة الصغيرة هو الدروس العظيمة التي يمكن استخلاصها، تمثل مثل هذه الوقائع نماذج فريدة في إطار صورة أعم تتميز كما يعلم الجميع، بالتماطل في تنفيذ المشاريع وكذلك عدم تنفيذها على الوجه المطلوب، سواء كانت هذه المشاريع متناهية في أهميتها كصباغة رصيف أو إصلاح عمود كهربائي أو تغيير مصباح إنارة عمومية. أو بناء مرحاض عمومي ... إلخ أو كانت من طبيعة المشاريع المتوسطة كإنجاز طريق وطنية، أو بناء سد، أو إنشاء مؤسسة، أو إصلاح خدمة النقل في مدينة من المدن أو تجاوزت كل ذلك وأصبحت من المشاريع الكبرى التي يتم في الغالب تدشينها وفق مخططات مهيكلة ومندمجة وتتميز بتعدد المتدخلين وتكون تكلفتها مرتفعة وتكون ذات بعد استراتيجي، مثل جل المخططات التي يدشنها الملك من حين لآخر مثل مشروع تهيئة المدن الكبرى كالرباط وتطوان، ومراكش، وأكادير، وغيرها. أو مشروع المغرب الأخضر والمخطط الأزرق ومشاريع منارة المتوسط وغيرها. لو تأملنا في كل هذه المشاريع مند انطلاقها بدءا من مكاتب الدراسات الأولية مرورا بالاتفاقيات المبرمة وصولا إلى الانطلاق الفعلي، نجد أن الغالية منها تشهد تعثرات، حتى ولو كانت في أحيان كثيرة " مشاريع ملكية" دشنها الملك شخصيا. والمفروض كما جرت العادة أن مثل هذه المشاريع تحظى بأولوية أكبر لأنها تحت إشراف الملك مباشرة. إذن نرى أن الكثير من التعثرات خاصة تلك المتعلقة بآجال التنفيذ والاستلام. دون الحديث عن جودة المشروع نفسه. هذه الصورة الكبيرة لا تعجب الكثير من المواطنين بطبيعة الحال، لكن من منطلق موضوعي فهناك في أسوا الظروف وأقبح السياقات بقع ضوء تحتاج منا اعتبارها كنماذج لما سماه جيل دولوز ثورات ميكروسكوبية. ويقصد بها بعض الظروف والمواقف التي يكون فيها المتدخلين من فصيلة الثوار والمغامرين ومن جملة أولئك الذين يحاولون تحدي البنية والظروف المحيطة التي يشهد الجميع على سلبيتها وعدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب. وهو ما يجعل المغرب كما هو الشأن في كل بلدان العالم الثالث يصنف في مؤخر التصنيفات على مستوى التنمية البشرية. هذه الثورات بمعناها الجزئي تختلف عن تلك الثورات التي نظر لها المنظرون والفلاسفة أي ثورة تأتي من فوق فتغير كل شيء. إذن مثل هذه المبادرات ونقط الضوء يجب أن نحتفل بها ونشجعها ونسلط عليها الكثير من الأضواء لتكون نموذجا لكل مواطن مهما قلت مرتبته الاجتماعية أو عظمت، ولحسن الحظ فمع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي من حين لآخر نرى نماذج مثل هذه، والتي تتفاعل معها الجماهير بشكل كبير. إنجاز نفق حسان في ظرف 40 يوم قد يكون حدثا بسيطا في الواقع لكنه من حيث الدلالة هو عظيم وكبير. وماذا لو تصورنا مثلا أن كل الفاعلين سواء كانوا سياسيين، أو نخب اقتصادية، أو ثقافية، أو مسؤولين، أو موظفين صغار، أو أي شخص يعيش في تربة هذا لوطن. ماذا لو تحولت بلادنا إلى ورش من مثل هذه الإنجازات البسيطة. بتلك الطريقة سيكون لدينا كمجتمع وكدولة وكأمة حلم جماعي، يساهم كل واحد منا في إنجازه. وبتلك الطريقة قد نستطيع أن نشتغل كل في مكانه ومن موقعه بحماس وصدق وستعود الثقة الى المواطن وقد يصدق فينا قول غاندي : أن يكون كل واحد منا التغيير الذي ير يد أن يراه في العالم , وقد نكف كذلك عن لعن الظلام ونشعل شمعة من الأمل ! ربما!

dimanche 10 octobre 2021

هل تنجح الحكومة الليبرالية فيما فشلت فيه الحكومة الإخوانية؟

 


انهزم الإخوان، انتخابيا، سياسيا كذلك، لكن هل انهزموا بالفعل إيديولوجيا ؟  لست متفائلا لأجيب بالإيجاب، مادام الوضع الاقتصادي للطبقات الاجتماعية، خاصة الطبقة الدنيا، والطبقة الوسطى، هو الشيء الذي يحدد مدى قدرة المجتمع بطبقاته الثلاث على تحقيق نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي، النخب التي أفرزتها انتخابات  8 شتنبر 2021، تنتمي في غالبها إلى الطبقة العليا على المستوى التنفيذي، كل الوزراء الذين استوزروا والمنتمين للأحرار هم نخب ذات تعليم فرنكفوني و أنجلسكسوني وهو الجديد في هذه التشكيلة الحكومة، لغة المصلحة والتنفيذ والتخطيط والعمل، تسبق لغة الإصلاح ومحاربة الاستبداد و "المبادئ والقيم"، التي كان الإخوان يحصنون بها رصيدهم الانتخابي، الطبقات السفلى والوسطى، كانت ساخطة في البداية لكن لوحظ شبه إجماع على أخنوش وحكومته، حتى القصر أكثر تفاهما مع هؤلاء خاصة في الرؤية السياسية، التي ترجح الاقتصادي على السياسي، فيما الإخوان يركزون على الإيديولوجي، لأن فاقد الشيء لا يعطي، ف"النخبة الاخوانية" منتمية اجتماعيا وطبقيا في الغالب إلى طبقة وسطى من القطاع العام، وليست لديها عقلية " استثمارية"  التي ستكون في حجم الرؤية الملكية، أخنوش هو نتاج عالم المال والأعمال، وما أكثر المنتقدين والمشيطنين لرجال الأعمال الذين يظهرون للعوام ك" مصاصي دماء متعطشين"، لكن ما يحسب للنخبة الاقتصادية هو قدرتها على العمل والتخطيط، وإعطاء الأولوية للواقعي والعملي، على السياسي الإيديولوجي، وهي نفس الملاحظة التي كان يوجهها خصوم أخنوش له باعتباره ليس " سياسيا حقيقيا"، فالسياسة عندهم هي اعتلاء المنابر والصراخ وتجييش العامة، تلك هي السياسة، ولا يدركون أن السياسة هي فن لتدبير الشأن العام، وهي كذلك قدرة على خلق الثروة ، دعك من توزيعها فتلك مسألة أخرى، إذن إشكالية حكومة أخنوش أنها عينت لتسيير شؤون مجتمع في قلب تحول استراتيجي كبير، الإخوان لم يكونوا في حجم ذلك التحول، اللهم أن أعظم ما تم تحقيقه في ولايتهم، تأكيد أن الدولة المغربية حققت خيارها المنطقي، لأنها سمحت لتيار إيديولوجي تقوى بفعل حركة الشارع في 2011 دون أن تكون له الإمكانيات اللازمة لممارسة الحكم، على التداول السلمي على السلطة سواء في المجاس المحلية أو الجهوية أو في البرلمان ثم في الحكومة، لمدة عشرة سنوات، كان المغاربة هم الضحية للقرارات التي اتخذوها، لكن رغم الخسائر، فأكبر  نجاح هو أن الإخوان صعدوا عبر الصناديق، جاءوا إلى الكراسي بصيحات النصر والتهليل، وبعد عُشْر قرن غادروا المسؤولية بصيحات الاستهجان والتحقير بل " البصق والشتم" كما حدث مع وزير الميزانية السابق " الأزمي". ما أعظمه من إنجاز، تلك رسالة المغرب للمنطقة وللعالم وقد حظي بإشادة الإعلام الدولي، لأن الإخوان لم يغادروا بالدبابات كما حدث في مصر التي لحقتها الاعتقالات والسجون والتصفيات الجسدية، لم يغادروا كذلك بالانقلابات الدستورية كما حدث في تونس، لقد غادروا بالصناديق وبالديموقراطية، كما جاؤوا بالصناديق والديموقراطية، دعونا إذن نحتفل بهذا الإنجاز في ظل طموحات أكبر للمغرب كدولة وحكومة وشعب. الحكومة الجديدة هي إفراز طبيعي لما يحدث في عمق المجتمع فرغم أن الشأن العام المحلي تولته بعض النخب المحلية التي صعدت بالوجاهة القبلية والمناطقية، لكن مستوى تدبير الشأن الوطني على المستوى الحكومي، أفرزت حكومة كفاءات من ثلاث أحزاب، وتم تجاوز الحكومات التي كانت تتألف من عدد لا حصر له من الأحزاب التي تبلقن القرار الحكومي، وتضعف الأداء التنفيذي. وفي ظل هذا التفاؤل نتساءل: هل ينجح الليبراليون الاقتصاديون  فيما فشل فيه الإسلاميون الإخوان ؟

jeudi 16 septembre 2021

!عطش الإسلاميين الذي لم يرتَوِ

 


عشر سنوات! عمر بكامله وهم في مركز القرار التنفيذي والتشريعي للدولة المغربية. يمارسون كافة الصلاحيات يدبرون الميزانيات، يعينون، ويمارسون الحكم بشكل كامل! دعك من المظالم التي مافتؤوا يصرخون بها لإسكات أفواه من صوت ومن لم يصوت عليهم ! دعك من التحكم والعفاريت والتماسيح!  لقد كانوا يمارسون السلطة الحقيقية. ورغم أنهم بقوا على كراسي الحكم عشر سنوات دون احتساب دخولهم البرلمان منذ سنة 1997 وكذا المجالس المحلية والجهوية. لكن رغم كل ما غنموه فإن عطشهم الشديد للسلطة لم يرتو رغم كل ذلك. لأنهم لم يقبلوا ان يتقاسموا هذه الأخيرة مع أي كان. سواء كان القصر كما يدعون أو الأحزاب السياسية الأخرى. إن القوة التي اكتسحوا بها السلطة هي قوة الايديولوجيا التي نظر لها حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي.إن الإسلاميين ملة واحدة رغم إختلاف سبلهم فإن الغاية واحدة وهي تأسيس "دولة الخلافة" أولا وفي المنتهى " أستاذية العالم " بالتعيير الظريف للشيخ المؤسس. لذلك فالمغرب بتاريخه وعاداته وتقاليده لا يتسع لطموحهم. لذلك غيروا التكتيكات لما اصطدموا بالدولة في السبعينات. في الثمانينات انقسموا شيعا، منهم  من بحث عن السلطة لاقناعها بأنهم يرغبون في المشاركة رفضتهم الأحزاب الوطنية فارتموا في حضن حزب صغير هو حزب الخطيب: هو له التنظيم وهم لهم الإيديولوجيا وبدأوا يستفيدون من هامش التحول الديموقراطي الذي فتح في نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. لكن الإستراتيجية ظلت هي هي ، لكن التنظير شيء والواقع شيء آخر، لما بدأوا يمارسون السلطة على الكراسي الوثيرة والمكاتب المكيفة والسيارات الفارهة والفيلات الفسيحة والسفريات الطويلة والماركات الغالية وملذات الدنيا الفانية. زاد عطشهم للسلطة كمن يشرب ماء البحر اللجاج! لما وجدوا أمامهم دولة حصينة هم يسمونها جورا " عميقة" لكن هي كذلك بالفعل فكل دولة بالطبع عميقة وإلا لم تكن كذلك. فأعتى الديموقراطيات فيها جانب عميق لا يتغير وهو المؤسسات، كذلك الأمر مع المغرب. لما وجدوا أن التنظير لا يستو مع الواقع لم يستسلموا، لقد حاولوا المواجهة مرحلة بنكيران كانت كلها مواجهة لكن لم تنجح. نهاية تلك المرحلة كانت كلها بكاء وعويل لأنه عملة رائجة في سوق الديماغوجية. مرحلة العثماني. انفصلت القواعد الملتزمة في البداية عن القيادة، هذه الأخيرة التي أدركت أن الأجل قريب فبدأوا يرفلون في نعيم السلطة قبل أن يغادر وها. ولم ينتبهوا مطلقا إلى الوعود التي أطلقوها والمبادئ التي رفعوها انهزموا. انهزموا في معركة تعريب التعليم العلمي. لأن العروبة كانت من بين أسس الأدلوجة الإخوانية. انهزموا في معركة التطبيع مع دولة إسرائيل. لأن البكاء على فلسطين عمود ثان في تلك الأدلوجة. كما إنهزموا أمام قانون تقنين القنب الهندي، لأنه كان بعبعا يلصقونه بحزب الأصالة والمعاصرة فيما مضى  انهزموا أخيرا أمام الأحزاب الوطنية لأن وطن الإخوان من البحر إلى البحر! لما انتهت عهدتا الإخوان، وجاء يوم 8 شتنبر 2021 حُسم الأمر لكن المفاجأة أن الهزيمة كانت كاسحة للتنظيم بطبيعة الحال أما الإيدلوجية الإخوانية فهي خالدة لا تموت. انهزم الحزب لكن بعد حين سيأتي حزب جديد تحت مسمى جديد لكن أهدافه ستظل هي نفس أهداف الإخوان وهي تأسيس دولة دينية تجمع المسلمين وتقود العالمين.

 

vendredi 10 septembre 2021

تحولات الإخوان في المشهد السياسي المغربي بين 2011 و2021: قراءة في انتخابات 8 شتنبر 2021

 


منذ 20 فبراير 2011 إلى غاية 8 شتنبر 2021، مرت عشر سنوات شهد فيها العالم ومنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط عموما، والمملكة المغربية على وجه الخصوص تحولات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية ثقافية. سنركز في هذه المقالة على تحولات المشهد السياسي بالخصوص، الذي يترجم بالضرورة التحولات الأخرى التي تؤثر في السياسي. في 2011 انطلقت مظاهرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، كانت ذات طابع سياسي محض طالب بإسقاط الأنظمة السياسية، وتحقيق مطالب ذات طابع اجتماعي. هذه الدول كانت محكومة في الغالب من طرف أنظمة سلطوية إما عسكرية، أو قومية، أو ملكيات مطلقة. في المغرب مرت حوالي عقدين على آخر دستور وضعه الحسن الثاني قبل وفاته، وتميزت كذلك بحكومة تناوب توافقي شارك فيها الاشتراكيون بعد سنين في المعارضة. لكن 2002 تم الانحراف عن " المنهجية الديموقراطية" بتعيين تكنوقراطي على رأس الحكومة. 2007 ترأس حزب الاستقلال الحكومة. في ظل الصعود التدريجي لحزب العدالة والتنمية الاخواني، كان صعوده مطردا ومكتسحا وذا طابع إيديولوجي قوي مكنه من رفع شعبيته لدى الجماهير الواسعة من المجتمع التي تسعى إلى تغيير أحوالها الاجتماعية، وقد حاولت الدولة كبح جماح الحزب الإسلامي ولم تستطع، فجاء الربيع الديموقراطي سنة 2011 ووقع خلاف في الحزب حول خيارات سياسية عدة.

الإخوان والمشهد السياسي المغربي بين 2011 و2016

 الذي وقع أن الإخوان استفادوا من حركة الشارع رغم معارضتها في البداية وتوظيفها لاحقا في ابتزاز الملكية، وفي ظل دستور جديد استطاعوا ترأس حكومة 2012. بتحالفهم مع أحزاب إدارية ووطنية، لكن خروج الاستقلال من الحكومة فرض عليهم التحالف مع حزب الأحرار الذي رموه بالفساد في السابق، استمرت تجربة الحكومة خمس سنوات لم يستطع فيها الحزب تحقيق أي مكتسب حقيقي من الوعود التي رفعوها وانصرفت قيادتهم  و بالخصوص رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى أسلوب الصدام والبلطجة السياسية زيادة على عدم تعودهم على قيادة دواليب الدولة ثم الحماس الزائد الذي تركه عندهم الخزان الانتخابي الذي ساندهم في البداية، ومع مرور الوقت بدأت الحكومة الإخوانية بتدبير ملفات اجتماعية حارقة لم تستطع الحكومات السابقة تدبيرها، وذلك في شكل تحد ومواجهة القواعد الشعبية من جهة ومن جهة أخرى الدولة العميقة التي سخرت كل آلتها لمواجهتهم، لأن السبب ليس عدم الرغبة في نجاحهم، ولكن الرغبة في تحدي المؤسسة الملكية وضرب قواعد اللعبة السياسية، التي آمن بها عبد الإله بنكيران عضو الشبيبة الإسلامية حينما قاد رفاقه المتعصبين أصحاب الخيار المسلح للبحث عن المشاركة من داخل المؤسسات، لكن لما وصلوا إلى الحكم نسوا الالتزامات التي دخلوا بها إلى اللعبة وبدأت مناوراتهم، ومن هنا وجاهة الملاحظة القائلة بأن تيارات الإسلام السياسي كلها مجتمعة على هدف وحيد أوحد هو الوصول إلى الدولة الدينية، لكن أخطر  هذه التيارات هي التيار الإخواني الذي يمارس التقية السياسية إذ يسلم بالديموقراطية كتقنيات ويرفضها كعمق وفلسفة ونظرية في السياسية وقيم في نهاية المطاف، وبالتالي وصولهم لترأس الحكومة لم يرو تعطشهم الشديد للسيطرة السياسية، وهذه الملاحظة تنطبق عليهم في كل التجارب التي شاركوا فيها خاصة في مصر وتونس، مصر لما بدأوا في محاولة تطبيق هذه المناورة تم اقتلاعهم بالحديد والنار ، تونس وجدوا تجدر للفكر المدني في مواجهتهم، في المغرب استطاعت الملكية أو ما يسمى في المغرب بالمخزن باستيعابهم، وبالتالي لم تتجه الدولة المغربية لاقتلاعهم بالحديد والنار و لكن تركت لهم المجال لفضحهم وتبيان فشل مشروعهم السياسي. وهكذا بدأوا في نهج سياسية الاقتراض وبالتالي رفع الدين العام واثقال كاهل الميزانية، ثم رفع سن التقاعد والاقتطاعات، ثم الرفع من ثمن المحروقات، ثم ضرب الوظيفة العمومية وسن التعاقد في أسلاك التعليم. ثم تصفية شركات الدولة، لما انتهت الشعارات وخفت الحماس بدأت الصورة الحقيقية للإخوان تنكشف، بطبيعة الحال للقواعد الشعبية وبالأخص الطبقات الوسطى في المدن، زيادة على كل ذلك تراجع الصورة الطهرانية التي نجحوا في تسويقها وهي " نظافة اليد" و " الأخلاق" و " المرجعية الإسلامية" و " الإصلاح" و " محاربة الفساد" وفي لحظة معينة انهارت هذه الشعارات وانكشفت الخديعة واكتملت هذه الحفلة التنكرية في الفضائح الأخلاقية والجنسية التي وقعوا فيها. زيادة على عامل آخر هو أسلوب قيادتهم وبالأخص الآمين العام بنكيران، الذي صرف الكثير من الجهد في مواجهة الطواحين الهوائية فكان بصدق دونكيشوت المشهد السياسي ما بين 2012 و2016. انتهت ولاية بنكيران واهتزت صورة الحزب لدى الجماهير الواسعة من المجتمع المغربي، لكن المفاجأة أن قواعدهم ملتزمة معهم تنظيميا، بالإضافة إلى المساندة في الخفاء لجماعة العدل والإحسان المتطرفة لهم. زيادة على عدم وجود بديل حقيقي لهم في الساحة، فتم تفسير صراع حزب الأصالة والمعاصرة معهم على أنه بالفعل محاصرة لنفسهم الإصلاحي ومما زاد الطن بلة المشاكل التنظيمية التي سقطت فيها الأحزاب السياسية التقليدية.  المفاجأة أن الحزب استطاع أن يحصل على المرتبة الأولى وبالتالي أن يقود الحكومة، لولاية ثانية طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور المغربي الذي ينص على أن يكون رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.

الإخوان والعدو الأبدي

في لا وعي الجماعات الدينية دائما هناك عدو أبدي قوي مختف يتآمر عليهم ويترصدهم ويريد القضاء عليهم، عبر التاريخ. هذا الوسواس لم يختف لوصولهم للسلطة لأنه لو كان هناك هذ العدو المفترض لما وضعوا أصلا أرجلهم حتى في جمعية في أفقر حي في مدينة هامشية، لكن وصولهم إلى الدولة وتسيير دواليبها، كأن جسما ما دخيلا لا ينسجم مع هذا الجهاز ، بالتالي لم يستطيعوا الاندماج و استيعاب الدولة بمفهومها الهيجلي، لأنهم أصلا لا يؤمنون بها، يكفي الرجوع إلى الأدبيات التي يستقون منها نظرتهم لفهم نمط تفكيرهم، لكن رغم ذلك استغلوا أبشع استغلال السلطة التي حصلوا عليها، وأغرقوا الدواوين الوزارية والإدارات المركزية ورئاسات الجامعات و عمادات الكليات، و المجالس المحلية المنتخبة وكل المنافذ التي استطاعوا الوصول إليها بأتباعهم، من جهة أخرى نشروا خطاب المظلومية في كل الاتجاهات ولم يتوانوا لحظة في الاستمتاع بما توفره المناصب من امتيازات من تتبع الصحافة لهم، وسفاريتهم إلى الخارج و المبيت في أرقى الفنادق واستقبال الشخصيات المهمة، وركوب السيارات وتغيير أوضاعهم الاجتماعية، لأن غالبية نخبهم منحدرة من أوساط فقيرة ومتوسطة، لما وصلوا للحكم تغيروا جذريا، وهو ما جعل القواعد الشعبية المحرومة التي صوتت عليهم تكشف هذه الحقيقة. هذه المظلومية كان النصيب الأكبر لحزب الأصالة والمعاصرة الذي اتهموه بأبشع النعوت ولا تمر مناسبة إلا وقياداتهم تكيل التهم والسب والقذف في مسؤولي الأصالة والمعاصرة.

الإخوان والمشهد السياسي المغربي بين 2016 و2021

لما انتهت الولاية الأولى، عاد بنكيران من جديد في كامل الثقة هذه المرة، واكتسحوا من جديد عموديات المدن الكبرى والبرلمان 125 ب مقعدا، وبدؤوا في تشكيل الحكومة، الأصالة والمعاصرة رفض المشاركة معهم، ففتحوا مفاوضات مع باقي الأحزاب كان من الممكن أن يحظى بنكيران بولاية أخرى لكن تعنته ورفضة لمشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة حال دون ذلك وعطل الزمن السياسي المغربي ستة أشهر، حتى أعاد الملك تعيين أضعف قيادي منهم في منصب رئيس الحكومة وهو سعد الدين العثماني، شخصية العثماني نقيض تماما لبنكيران قبل العثماني شروط الأحرار وتشكلت الحكومة وانقسموا بذلك تنظيميا بين أتباع بنكيران المتطرفين وأتباع الاستوزار. وتم التخلص في النهاية من بنكيران في مؤتمر الحزب وبدأت المواجهات الداخلية بينهم كالعقارب، وهكذا كانت ولايتهم الثانية ثقيلة عليهم خاصة في ضعف رئيس الحكومة وزيادة فضائحهم. لكن نسبيا تم التخلص من الازعاج الذي كان يحدثه بنكيران رغم أنه من الحين والآخر يقوم بخرجات للتشويش على الحكومة.

8 شتنبر 2021 ليلة السكاكين الطويلة

وصلت الانتخابات وبدأت الحملة، حملة العدالة والتنمية تتضمن نقطة فريدة ووحيدة هي مهاجمة عزيز أخنوش، الذي قاد حملة احترافية وسطر برنامجا واضحا، وتميز بأسلوب قيادي متميز، وهيكل الحزب ولم يسلم من شن حملات الكترونية على كتائب الاخوان الالكترونية لمقاطعة شركاته، لكن لم يستسلم وواصل العمل. حملة الإخوان بينت حجم السخط الشعبي عليهم، وصلت إلى الاعتداءات اللفظية على بعض قياداتهم، وتبين أن الأحرار هو صاحب المرتبة الأولى حتى قبل الاقتراع. وهو ما حدث لكن المفاجأة أن الإخوان حصلوا على 12 مقعدا فقط، مقابل 125 سنة 2016، واكتسحت موجة من الارتياح المجتمع، ورغم عودة الأحرار الذين رشحوا الأعيان وأصحاب النفوذ رغم ذلك حدث ارتياح بمغادرة الإخوان للأبد للمشهد السياسي المغربي، ولولا القاسم الانتخابي وهو تغيير تقني في الاقتراع لما حصلوا على أي مقعد، وهو الأمر الذي رفضوه جملا وتفصيلا في البداية.

المشهد السياسي ما بعد الإخوان: موت التنظيم وخلود الفكرة الإخوانية

حكم الإخوان في المغرب كانت له عدة سلبيات أهمها استنزاف عقد من الزمن السياسي المغربي وتعطيل المسار الديموقراطي، لكن من جهة وصول الإخوان إلى السلطة مكن من كشف حقيقتهم لمن لا يعرفها، ثم بين فشل الخطاب الدعوي الديماغوجي في عالم يغلي بالمنافسة على أعلى المستويات، ومن جهة أخرى تجاوز المغرب تمرينا ديموقراطيا حقيقيا لأنه مكن هذا التيار الذي يترجم جيدا آمال قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة في المغرب، مكنه من المشاركة في محك التدبير الواقعي لسير الشأن العام، فبين كما هو الشأن في كل الدول التي وصل فيها إلى السلطة على عدم قدرته خطابه الإيديولوجي على الانسجام مع الواقع الكوني. الإخوان انتهوا في شمال افريقيا والشرق الأوسط وانتهت معهم الإيديولوجيا التي نظروا لها في نهاية العشرينيات،  في مصر  اقتلعوا بالقوة في تونس كذلك، في المغرب، وصلوا بالصناديق إلى السلطة وغادوها بالصناديق وهذا أحسن ما في الديموقراطية رغم بعض عيوبها، لأن الديموقراطية أوصلت للسلطة من لا يؤمن بها أصلا.

لكن رغم كل ذلك فإن الفكرة الإخوانية ولتي تتقاسمها كل التيارات مازالت قائمة ونقصد الرغبة في " نظام إسلامي يوحد الأمة العربية الإسلامية". هذه الحنين الرومانسي للماضي متجذر في اللاوعي الجمعي للمسلمين أينما وجدوا، وليس من السهل تجاوزه، فكم من حركة دينية بدأت وانتهت بهذا الشكل، لكن لا تكاد تمر فترة حتى تعود الفكة الخلاصية من جديد، الوهابية مثلا والحركة الموحدية والمرابطية   في المغرب وتيارات الشيعة والأحزاب الدينية وغيرها. طوبى الدولة الدينية هوس يسكن النص الديني المؤسس، والعقل الإسلامي مسجون في هذا الإطار. لذلك نؤكد من جديد أن الثقافي يتجاوز السياسي. في ظل سقوط الإخوان في المغرب وصعود حزب جل أعضائه من عالم المال والنفوذ ربما يغير المعادلة، وذلك من خلال تنزيل الرؤية الملكية المتمثلة في فتح الاستثمار وتشجيع المبادرة والدفع بالمغرب نحو التنافس على المستوى القاري والإقليمي والدولي. أظن أن الوعود التي حملها برنامج الأحرار وهي كلها ذات طابع اجتماع مستنزف للميزانية لا تنسجم مع الرؤية الليبرالية.


jeudi 22 octobre 2020

النزعة الظلامية ورهان التنوير

 

الحرية تقود الشعب ليوجين دولاكروا 1830

يسود العالم اليوم سحابة ملبدة كثيفة من الظلام، تمطر بزمجرة على كل ربوع العالم، عنوانها العريض الارهاب المقيت، الذي يضرب بعنف كل بقعة يرى فيها هامشا من النور. هذه النزعة الظلامية يغديها فكر غارق بجدوره في التاريخ، ينهل من تراث يمتد الى مئات القرون، وفهم مغلوط لمجرى التاريخ، كما تغديه من جهة اخرى العواطف السوداء كما يسميها سبينوزا، من كراهية وبغض وغريزة متأصلة في نفس الانسان، الذي لا يمكن فصله عن طبيعته الحيوانية التي تغدي فيه العنف والقتل.وكم يصيبني القرف ورغبة جياشة في محو كل الظلام الذي يلف العالم، وينتصر انتصارات عنيفة تغديها هتافات العبيد والاتباع، لهذا أخذت القلم لأنثر به الحروف وهي سلاحي ورصاصي. فأفضل طريقة لقهر الظلام ليست الاشتغال بمنطقه، وهو منطق العنف الأسود، ولكن بالعكس هو منطق مواجهته بضده، وهو النور. فإن كانت النزعة الظلامية تتغدى من تراث فقهي يمتح من مرجعيات الجهاد والسبي والقصاص والقتل وجز الرؤوس، فإن مرجعية النزعة التنويرية تمتح من فكرة -لابد ذات يوم تسود هذا العالم- وهي فكرة الانسانية النبيلة، التي يعتبر الانتصار لها مفتاح كل شعوب الأرض نحو التحرر من ربقة التخلف والعنف والظلامية. لكن دائما ما ينتصر الشر على الخير لأن هذا الأخير يركز على جوهر الإنسان الذي لا يمكن التغاضي عنه استنادا إلى مرجعية طوباوية وفكرة مثالية، تعتبر الانسان ابن الالهة او مخلوقا ملائكيا، أنني هنا أستند إلى الواقعية في تحليلي، لأؤكد على أن النزعة الظلامية لايمكن قهرها إلا بنزعة تنويرية أصيلة. و مادمت أعيش في مجتمع مازالت فيه الغلبة للظلام وثقافة الكراهية، وسيادة منطق القبيلة والطائفية. فإنني لن أتنكر من دوري التاريخي كمثقف تنويري لإعلان مشروعي وهو خلق مجتمع يسود فيه السلام والاختلاف، وتنتصر فيه فكرة المواطنة الكونية، بعيدا عن كل هوس هذياني بفكرة الأصالة والأفضلية، وحينما أتحدث عن النزعة الظلامية، لابد أن أصفها قليلا، لينقشع أي سوء فهم قد يصيب القارئ، فهذه النزعة بناء متكامل الأركان، أعمدته الهشة هي فكرة الانتماء، والافضلية، ويشكل هذه الأعمدة الدين والعرق الجغرافيا والثقافة والعادات…وكل الأشياء التي اخترعها الانسان وبدأ تقديسها بجنون، كل محاولة منه إضفاء طابع النسبية على تلك الانتماءات التي لا تتجاوز كونها وسيلة للعيش وليس غاية في حد ذاتها. لهذا اخترت أن أكتب لأساهم بدوري في العمل الدؤوب والصراع الذي يخوضه أصحاب الفكر المتنور ضد كل نزعات الشر، التي تسود العالم. لذلك كان لزاما علي أن آخذ سلاحي وأنضم إلى جبهة القتال، وأحارب من موقعي وسلاحي في ذلك فكري وقلمي، ولأؤكد وجودي وأدافع عن الطرح الذي أتبناه وأرتضيه، والذي لا يمكن لأي منا أن يعارضه إن فهم المنطق الذي يشتغل به، وهو منطق رحب وواسع، لا يتبنى العنف ولا يستند إليه، ولا يزكيه ولا يضفي عليه القدسية فالعنف في نظره كما يقول اريك فايل في كتابه منطق الفلسفة، لا يواجه بالعنف المادي، يواجه بعنف الفكر والخطاب، وهو الخطاب المتماسك والعقلاني الذي يطرح البدائل، ولا يركز على أي نزعة عدمية غير أصيلة، والخطاب المتماسك والصلب هو خطاب العقل، الذي يجد أكبر تجل له في عقول الفلاسفة، كما أنه يظهر في العلوم والفنون. لكن الخطاب الديني يمجد الخضوع، ويخدع الانسان، ويتاجر بمصيره، ويفقده انسانيته، ويقدف به في عالم الأوهام والأصنام، ويؤسس لكائن لا انساني، لهذا جاءت الفلسفة لتمنح الانسان جوهره الأصيل ولتلاقيه بالسؤال الذي ضاع منه، وتبدد من أمام ناظريه كل الأوهام المقدسة التي تأسر العقول والقلوب. وتزج بكل نزعة فردية أصيلة في بوتقة الجماعة والقبيلة والأمة. لدى كان لزاما علينا، نحن أبناء العالم الثالث أن نفهم منطق التاريخ وننخرط فيه، ونؤكد على المسار الصحيح الذي يجب أن نسلكه وهو مسار التنوير، والانغراس في تربة العالم النبيلة، ونشجع أصالة الذات، ونقهر كل القيود التي تربطنا، وتحبس اصالتنا وعمقنا في خطابات صيغت، في غيابنا، وحكم علينا قهرا ان نتبناها ونقدسها، ولا نسائل ونعلن خضوعنا المطلق لها، فكيف يجوز لنا أن نعيش في ظل استبداد في كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية؟ نعم إن الاستبداد السياسي يفرض علينا قسوته وجبروته، ولكن كيف المخرج منه؟ الحل في نظري تهديم الثوابت، التي تتأسس عليها السلطة، وهي منطق العنف، والقهر، لان التحرر لا ينطلق من المؤسسات والقوانين، ولا يرتبط بإسقاط الحكام والأنظمة، وتغييرها، ولا حتى بتزفيت الطرق، وترصيصها، ولا بتشييد البنايات الشاهقة، بل إن التحرر الحقيقي يبدأ من خلال، تحرير العقول من الأوهام التي نسجها التاريخ، وكرسها الحكام والأباطرة، إن التحرر هو أن نغير فهمنا للعالم، ونظرتنا نحوه، لنؤسس لنظرة جديدة تمتح من الحقيقة، ومن حاضر العالم، وأن ننخرط في التاريخ، وننتمي الى أمنا الارض هي بيتنا وجنتنا، هذه في نظري كل بداية للتحرر، لهذا اخترت أن انتمي الى الفلسفة فكرا وعقلا، وأن انتمي الى الانسانية، وان ادافع على السلام، وان اناصر النور والتنوير. لكن مسعاي يصطدم دائما بالنزعة الظلامية، التي لا تحب ان يتحرر الفرد من اوهامها ويؤسس ذاته، لأنها تتغدى من الاوهام، والعواطف السوداء، وتغدي رذيلة الخضوع والاستكانة. لهذا وجب النضال من أجل تحرير العقول، ونشر التنوير، وتأسيس مجتمع انساني كوني يحس فيه الانسان بإنسانيته، ويتمتع فيه بحقوقه ويؤدي واجباته الكونية، ويتمتع بحريته المطلقة في تحقيق ذاته.

كاتب مغربي

 

 

 

 

 

jeudi 15 octobre 2020

! وضع قابل للانفجار

 


كثيرا ما نسمع كلما وقع احتجاج في منطقة معينة أن الأحداث تنبأ بانفجار الأوضاع الأمنية. والسبب راجع بالأساس إلى طبيعة الدولة القائمة عندنا. إنها دولة قائمة على القهر حيث لا تترك للأفراد حرية التصرف والتعبير، وتواجه كل مطلب مشروع في الحرية والكرامة والعدالة، بالهراوات والغاز المسيل للدموع وأحيانا بالرصاص. وما يلي ذلك من اعتقالات واختطافات ومحاكمات غير عادلة. تخمد نار التمرد في الشارع، لكن ما لا يعرفه المستبدون أن تلك النيران تظل مشتعلة في صدور المقموعين، حيث يتم اختزان الغضب والرفض تجاه الأوضاع السائدة، وأقل تحرك قد يفجر الوضع لأن شروط الانفجار والتمرد قائمة أصلا. وهذا ما شهدناه مؤخرا فيما سمي ب "ثورات الربيع الديموقراطي "، التي كان وراءها بائع متجول! تعرض للإهانة من طرف الأمن، فأحرق نفسه، وكان ذلك الحادث القشة التي فجرت الوضع في العالم العربي. وقد يتحول رد الفعل الذي يصدر عن الشعوب المقموعة، إلى عنف وقتل، وحتى نسف تام للدولة. هذا المفهوم الذي لم يترسخ بعد في الأذهان، والذي يجب تمييزه عن النظام السياسي، فحينما يسقط النظام لا يجب أن تسقط الدولة. إن بناء الدولة الحديثة هو الرهان الأساسي، الذي يجب النضال من أجله من طرف كل القوى الديموقراطية. والدولة الديموقراطية الحديثة هي دولة الحرية، حيث تستمد مشروعيتها من عقد اجتماعي بموجبه تتأسس سلطة عليا تدبر أمور المجتمع، سلطة مدنية، تنطلق من الاختلافات بين الأفراد، وتعطي الحرية للفرد الحر المستقل، لا سلطة تستمد أساسها من مشروعية دينية أو تاريخية او ثورية، أنداك فقط يمكن الحديث عن المواطنة. وهو ما يحدث في كل البلدان الديموقراطية التي تأسست في الغرب، لكن بلدان المشرق مازال الاستبداد الشرقي، هو السائد فيها، حيث إن الحكام يغتصبون السلطة ويركزونها في أيديهم و لايتركون الفرصة لتأسيس المواطنة، لذلك فإن الدول التي يحكمونها لم تترسخ بعد في أذهان مواطنيهم، لأنها دول قائمة إما على السلطنة، كما يقع في البلدان التي تعتبر فيها الملكيات المطلقة نظام الحكم السائد، أو القهر الذي يمارسه العسكر الذي ينطلقون من المشروعية الثورية لفرض سلطتهم. لذلك نجد أن الهواجس المسيطرة على دول الاستبداد الشرقي، هي هواجس أمنية بالأساس، وتعتبر وزارة الداخلية هي «أم الوزارات»، لأنها وجدت لغاية أساسية هي ضبط الجموع وقهر التمردات والتحكم في المجتمع كما أن هذا الهاجس الأمني يطغى على التعليم، فعوض تشجيع تعليم يحرر طاقات الفرد ويفجرها ويصقل مهاراته، نجد أنه يعمل على كبح إبداع المتعلمين والقضاء على روح الابتكار والتجديد، وهذا الهاجس يسود في كل القطاعات، لأن الحكام يخشون كل مرة أن يتمرد الأفراد، لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم يغتصبون السلطة. كمثل من يمتلك شيئا دون أن يقاسمه مع الآخرين. ولهذا نسمع أن السلطة في البلدان الاستبدادية، كتلك التي نعيش فيها تخاف من كل تحرك أو احتجاج، لأنها تعرف أن الأوضاع حينما تنفجر لن تستطيع السيطرة عليها من جديد. لذلك وجب على هذه الدول إعادة النظر في أساسها وفي سياساتها والدفع بإصلاحات عميقة وحقيقية في كل المجالات، كي لا تتحول المطالب بالإصلاحات إلى مطالب بإسقاط النظام.

 

 

بين مفكر و مكفرين

 


أعضاء التيار السلفي الظلامي، الذي كانت له المسؤولية الفكرية والمعنوية في الأحداث الإرهابية بالمغرب. تفاوض مع السلطة على أساس، إطلاق سراحهم مقابل قيامهم بمراجعات فكرية. الأستاذ عبد الوهاب رفيقي هو الوحيد الذي التزم بالاتفاق فقام بمراجعة شجاعة وملحوظة لأفكاره بل توصل إلى «سلفية مغربية» تنبذ العنف والتطرف، وتؤمن بالاختلاف وقيم التسامح. فيما الآخرون مازالت عقولهم مشدودة إلى منابع الوهابية المتطرفة فأخلوا بالعهد المنطق السليم في هذه الحالة يقتضي إعادة هؤلاء إلى السجن. هذا الكلام جاء في سياق الحملة المسعورة التي يتعرض لها، عبد الوهاب رفيقي، بعد إدلائه بتصريح صحفي يقول فيه بأن قوانين الإرث لم تعد خطا أحمر بل إن المسألة قابلة للاجتهاد بما يفيد تأسيس تشريعات مدنية تأخذ في اعتبارها مبدأ المساواة بين الجنسين. إلا أن هذا الكلام أثار غضب، رفاق أبو حفص، أو من يطلق عليهم» لسلفية الجهادية» وهم شيوخ الفتنة الذين كانت لهم أيدي في التفجيرات الإرهابية التي شهدها المغرب يوم 6 ماي 2003. وهم الذين حكموا على إثر ذلك بالسجن لمدد طويلة، إلا أن السلطة، تفاوضت معهم، وأطلقت سراحهم بعفو ملكي، لكن مقابل قيامهم بمراجعات فكرية. وأهم هؤلاء الشيخ حسن الكتاني، وعمر الحدوشي ومحمد الفيزازي، وهم الذين مازالوا يتعاملون بازدواجية المعايير، ويمارسون تقية مفضوحة في نظرتهم إلى النظام السياسي الحاكم. وهم الذين يطلقون فتاوى تدعوا إلى العنف والقتل، في كل مرة يتجرأ قلم مجتهد في مناقشة مسألة من المسائل التي ترتبط بالدين. فلم يسلم من سمومهم لا مفكر حر، ولا سياسي تقدمي، ولا حقوقي، ولا حتى إخوانهم في السلفية، وهو ما يؤكده الهجوم العنيف الذي تعرص له أبو حفص، إذ على إثر لقاءه التلفزيوني، أصدر هؤلاء فتواهم وأحلوا دم رفيقهم، في ظل صمت مطبق من طرف الأجهزة الأمنية، التي يجب عليها أن تتصرف في هذه الواقعة سيما في ظل السياسة التي تنهجها الدولة والتي تقضي بمحاربة كل أشكال التطرف. إن الفكر الظلامي الخبيث الذي يتبناه هؤلاء يؤكد بالملموس، أن المشروع الذي يحملونه وينادون به لا يختلف، بل هو بالأساس مشروع داعشي دموي، يقتضي قتل وتصفية كل فكر لا يوافقهم الرأي، وهو فكر منغلق لا يقبل الحوار، ولا يؤمن بالاختلاف، شعاره الماضي، ووسيلته الفتاوى والتكفير. وهو ما يستدعي من كل الفاعلين أن يتصدوا، كل من موقعه لهذا الفكر الظلامي، ولجماعات الدم هاته، التي تتصيد الفرص لتبث البلبلة والفوضى العارمة في البلاد، وهو ما تؤكده الاعتقالات المتتالية للخلايا الإرهابية في كامل التراب الوطني.

إن تكفير أبو حفص والهجوم عليه يؤكد بالملموس، عدم قدرة هؤلاء على القيام بمراجعات فكرية لما يحملونه من أفكار بل الأنكى أنهم يهاجمون كل من قام بذلك، وحاول بلورة تصور جديد، يأخذ بعين الاعتبار المعطى التاريخي، الذي يؤكد أن كل المشاريع المبنية على الفقه السياسي القروسطوي، لا يمكن لها النجاح. والدليل على ذلك أن السعودية التي تتبنى الوهابية تتخبط في مشاكل بالجملة لا تنتهي. أمام هذا الوضع أعلن تضامني المطلق مع عبد الوهاب رفيقي، وكل الأصوات الحرة والديموقراطية والحداثية، التي تؤمن بالمشروع الديموقراطي والتي تقبل الاختلاف الفكري والسياسي، لأنه مؤشر على روح التعايش التي يجب أن تسود المجتمع والعالم. وأشجب مقابل ذلك كل محاولة لإرجاع المغرب إلى قرون الظلام. فوحده المجتمع المفتوح والديموقراطي هو الأفق الذي يمكنه احتضان كل فسيفساء المجتمع المغربي، المنفتح والكوني بطابعه، وكل محاولة لنشر ثقافة الموت فيه، يستدعي منا التصدي له بكل حزم وقوة.

lundi 12 octobre 2020

العقل المغربي يحاصر زغلول النجار

 

الشيخ زغلول النجار المولود سنة 1933

هذه الأيام حضر إلى المغرب أحد وجوه ما يسمى ب"الاعجاز العلمي في القرآن "وهو مصري الجنسية، لكن يعيش في دولة قطر، مركز الإخوان المسلمين، لأنه محسوب عليهم، والكلام هنا حول المسمى زغلول النجار، الذي غادر مصر لأنه في نظر الدولة المصرية " واحد من فلول الإخوان المسلمين " الذين صنفتهم مصر، جماعة إرهابية. وقد حضر هذا الشيخ، بدعوة من فصيل طلابي محسوب على الإخوان المسلمين بالمغرب، ليلقي محاضرة في مدينة فاس حول « الإعجاز العلمي في القرآن »، وقد كان صاحبنا ينتظر أن يستقبله شباب الجامعة المغربية بالتهليل والتكبير والهتاف كما آلف في أقطار أخرى خاصة في المشرق العربي، في السعودية، والكويت، وقطر، ودول الخليج لكن يقظة الذهن المغربي حاصرت المحاضر المصري، بنزعة عقلانية ملحوظة، بعد أن تركته السلطات يدخل البلاد ولم تمنعه كما فعلت مع الشيخ العريفي، مفتي « جهاد النكاح »،وربما ذلك راجع إلى صفته « العلمية »التي ثبت زيفها مع أول نقاش يلي المحاضرة التي قدمها إذ حاصره الشباب المغاربة بسيل من الأسئلة الذكية والمنطقية والعقلانية، التي جعلت من ترهاته العلمية مجرد دجل علمي لا يمت بصلة للعلم. بل هو مجرد إيديولوجية دينية، تلبس لبوس العلم، بعد أن فقدت كل امكاناتها وتكتيكاتها فما يقوم به أصحاب الإعجاز العلمي هو نوع من العلوم الزائفة، التي ليس من همها، البحث عن الحقيقة العلمية، حقيقة الطبيعة والعالم والإنسان، فهم يريدون تأكيد حقيقة هي أصلا موجودة في الكتب المقدسة العلم عندهم أنزل في بادية الحجاز قبل 1400 سنة، وكل العلوم الطبيعية والتجريبية، التي نزعت السحر عن العالم، ودشنت العصر الوضعي، وفهمت نواميس الكون، باعتماد العقل الرياضي والتجارب المخبرية، مذكورة في القرآن! فكيف لهؤلاء يا ترى أن يدعوا العلم وينسبوا أنفسهم إلى العلماء، هؤلاء دجالون لا يعترف بهم المجتمع العلمي، لأنهم يقفون في ركن بعيد عن العلم الإنساني، إنهم أصحاب دعوى دينية وإيديولوجية، توظف بعض الآيات من القرآن بكل انتقائية، لتؤكد تطابقها مع الدين. وهذا من أجل التأكيد على أن الدين، وهنا الإسلام، دين لكل زمان ومكان، وبالتالي، الخروج بخلاصة أن ما في القرآن صحيح ويجب الاحتكام إليه في السياسة. لكن هذا الدجل العلمي ليس سوى صرخة يأس يطلقها هؤلاء ضد مخالب الحداثة الكونية الشاملة التي لا تبقي ولاتدر،إنهم يريدون أن يؤجلوا مرارة الوعي لدى المسلمين بتخلفهم الحضاري الشامل، وليعرقلوا مسيرة التحديث وعقلنة المجتمع، وتسييد الإنسان على العالم. إن معركتهم خاسرة بالأساس. زغلول النجار لم يناقشه الشباب المغاربة من منطلق ايديولوجيته السياسية المفضوحة، وهي ايديولوجية سيد قطب والاخوان المسلمين، وهي جماعة ارهابية لا تختلف في شيء عن داعش، بل ناقشوه من وجهة نظر علمي فأحرجوه بأسئلة من صميم الاشتغال العلمي العقلاني، لكن حتى قبل أن يطرح بعض الشباب أسئلتهم نهرهم، ورفض حتى الاستماع إليهم، لأنه يعرف أنهم سيحرجونه بأسئلتهم، فمتى كانت هذه السلوكات من أخلاق العلم والعلماء، لماذا لم يستمع زغلول إلى السؤال فيجيب! لأنه يعلم في قرارة نفسه أنه صاحب دعوة دينية وليس عالما. فلماذا إخوان المغرب استدعوه هو بالذات، لأنه أخ من إخوانهم، يدافع عن أيديولوجيتهم بتوظيف العلم. وما يسمى بالإعجاز العلمي في القرآن ليس إلا مجرد لغو فارغ، فإن طبقنا عليه معايير العلمية، فإن تهافته يظهر منذ أول اختبار، فأين هو معيار الخطأ. والقضية التي يثيرها هذا الخطاب هو رغبة حامليه في تأكيد الخطاب الديني المتميز بإطلاقيته، بمقولات الخطاب العلمي المتميز بالنسبية، والتجاوز و القطائع الإبستمولوجية والخطأ. فكيف يا ترى نؤكد ما هو مطلق بما هو نسبي، كيف نثبت الكلام الإلهي، بالكلام البشري، وهذا خطأ من داخل الفقه الديني نفسه، كما أن المنطق العلمي لا يؤمن بالثبات، فمثلا النظرية التي تثبت صحتها اليوم ستخطأ غدا، بل أكثر من ذلك كما يقول الإبستمولوجي الإنجليزي، كارل بوبر، « كل نظرية علمية لا تثبت خطأها لا تنتمي إلى مجال العلم أصلا ».إن أصحاب هذا الدجل ينسفون الدين دون علمهم، فكيف سنتعامل مثلا: في لحظة يؤكدون فيها مطابقة نظرية علمية لآية قرآنية اليوم، وغدا حينما تفند تلك النظرية وتتجاوز، هل سيرجع زغلول للبحث من جديد عن آية تؤكد ذلك التجاوز، أم يؤكد خطأ الآية! لماذا لا يترك هؤلاء العلم، ويلعبوا بعيدا إن أرادوا ممارسة إيديولوجيتهم؟ هذه بعض الأسئلة التي حاصرت بها زغلول النجار جوابا على تدوينة له في الفيسبوك كتبها، مباشرة بعد مغادرته للمغرب، حاملا معه غيضا وحقدا، صرفه في تلك التدوينة متهما الشباب المغاربة ب" الانسلاخ عن دينهم " وبكونهم، "أشرار " كذا!  وب "انتمائهم لليسار " ما دخل اليسار يا ترى في المسألة، إن مجرد تدقيق في المسألة سيجد الملاحظ أن زغلول يحاكم من سأله من منطق انتمائه السياسي، لأنه يريد أن يفحم سائله، والانتماء السياسي عنده أسبق من انتمائه العلمي المزعوم؟ وزاد قائلا بأنه سيجيب الشباب المغاربة بعد أيام. لأنه سيذهب ليرقع تلفيقة يسكت بها أتباعه الذين، سيتساءلون حول صلابة طرحه. إن هذه الواقعة تؤكد على حقيقة لا مجمجة فيها، وهي أن العقل المغربي، عقل يقظ لا يقبل الدجل والخرافات، ويحاكم أصحاب الشعوذة العلمية، إنها نزعة عقلانية مغربية تستيقظ وبكل قوة وتنفض عنها الغبار الذي فرضته سنوات من منع التفكير بالتكفير الذي مارسه المتدينون، لقد حان يا من تتهم المغاربة بالأشرار أن تعرف، أن هذا البلد هو « منبت الأحرار »وموطن العقلانية المغربية الكونية، التي ستحرر عقول المسلمين من أوهامهم، وأول هذه الأوهام اعتقادهم المرضي بأفضليتهم وأصالتهم وأسبقيتهم، وهو الوهم الذين يكرسه زغلول وأمثاله لكن حان آوان زواله بدون رجعة.

 


هل منع البرقع انتهاك للحرية الفردية؟

 

أصدرت وزارة الداخلية المغربية قرارا يقضي بمنع خياطة وبيع البرقع الأفغاني، وهو القرار الذي لم يعجب التيار السلفي، الذي اتهم الداخلية بانتهاكها للحرية الفردية! كذا! فالسلفيون يكيلون بمكيالين نعرف أنهم من أشد أعداء الحريات الفردية، وهاهم اليوم يستنكرون قرار وزارة الداخلية بدعوى انتهاكه لحرية الأفراد. تناقض عجيب! فلو كان الأمر انتهاكا لكنا نحن من أشد المنددين بهذا القرار. لكن المتأمل سيجد أن منع بيع هذا اللباس لا يتنافى في شيء مع الحرية الفردية، بل بالعكس هو حماية لها، مادام أن هذا اللباس المشبوه يحجب ملامح الشخص، وبالتالي لا تعرف هوية الشخص، هل هو رجل أو امرأة، ارهابي، أم مجرم؟ والجدير بالذكر أن الكثير من المجرمين والقتلة يستغلون هذا اللباس لتنفيذ جرائمهم. خاصة ذات الطابع الإرهابي. إذن المسألة مرتبطة بسلامة المواطنين وأمنهم، في الفضاء العام المشترك وليست انتهاكا لحرية الأفراد.إن الانتهاك الحقيقي للحرية، يتجلى في ارغام المرأة على تغطية ملامحها، وكل نقطة من جسدها، وكأن جمالها وأنوثتها، شر يجب إخفاءه! وهذا حال كل السلفيين الذين يتبنون العقيدة السلفية الوهابية، المتطرفة، وهي الايديولوجيا، التي تتبناها كل الجماعات الارهابية في العالم، سواء طالبان او تنظيم القاعدة، أو داعش او جبهة النصرة.إن تغطية المرأة باللباس الأسود، دليل على عقلية متخلفة، لا تنظر إلى المرأة من ناحية فاعليتها العقلية، ومهاراتها المعرفية والإدراكية، لكن تنظر إليها فقط باعتبارها فتنة للذكور، وباعتبارها ناقصة عقل ودين. فكيف يعقل مثلا أن تجبر المرأة على ارتداء البرقع، كي لا تفتن الرجال، هل المشكل في المرأة أم في العقلية الذكورية المكبوتة السائدة؟في كثير من الأحيان، تجد سلفيا يسبح بجسمه العاري بينما زوجته تلبس البرقع أو البوركيني، كأنه لا يمثل فتنة للإناث عكس المرأة!! فبهذا المنطق، يجب على الذكر أن يستر مفاتنه لأنه يفتن المرأة. إنها سكزوفرينيا، تخترق كل الخطاب السلفي المتطرف.ورغم أن الوزارة لم تصدر بلاغا في هذا الصدد، إلا أن الدوافع التي دفعتها الى اتخاد هذا القرار ظاهرة، نظرا للتهديدات الارهابية التي تهدد أمن البلاد، وكذلك توظيف بعض المجرمين لهذا اللباس أثناء قيامهم بجرائمهم، وكذلك مخالفته للباس المغربي الأصيل.الكثير من المغاربة اعتبروا البرقع لباسا أفغانيا طارئا، لأن اللباس المغربي المعروف هو الجلابة ونقاب الوجه. والإسلام المغربي يختلف عن الايديولوجيا السلفية المتصلبة. التي تعتبر البرقع هو «اللباس الشرعي» وما دونه لباس غير شرعي، وهو نفس المنطق الذي تحكم به على كل المظاهر الأخرى، ابتداء من طبيعة النظام السياسي، الذي يعتبرونه غير شرعي، لأن النظام الشرعي في نظرهم هو الخلافة كتلك التي تمثلها داعش، والعلم الشرعي هو فقه ابن حنبل وابن تيمية، وما دونه علم غير شرعي، مثل الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا، وهكذا. إنه منطق متناقض وهو أصل المشاكل التي تعصف بالعالم العربي وتشوه صورة الاسلام في العالم، لهذا وجب الذود عن اسلام فردي متسامح، ومحاربة هذه الايديولوجيا السوداء.وإذ نثني على هذا القرار، نطالب بمزيد من الإصلاحات في اتجاه تحديث المجتمع المغربي والدفاع عن قيم الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والحرية.



dimanche 4 octobre 2020

التلميذ مستفهما:هل نصدق أستاذ الفلسفة أم نصدق أستاذ التربية الإسلامية ؟

 



سؤال عجيب!  لكن أغلبية تلاميذ الثانوية العامة في المغرب أو في البلدان " الإسلامية" التي تدرس الفلسفة يطرحون هذا السؤال. يطرحونه بصدق وعفوية. ورغم تلك العفوية إلا أن المنظومة التي جعلت هذا الأمر مطروحا. وهي منظومة المجتمع الذي يعيشون فيه. فهم ينتمون حضاريا إلى " الأمة" وهو من أخطر المفاهيم التي تأسس عليها الفقه السياسي الإسلامي. فالمسلم لا ينظر إلى نفسه كمواطن دولة أو فرد في مجتمع أو حتى مواطنا عالميا. ومن ناحية نفسية يستدمج بطرق لا واعية وأحيانا واعية كونه عبدا لله وكائنا إيمانيا لا اجتماعيا. بمعنى أن المسلم ورغم أنه فرد في الدولة الوطنية إلا أنه ينظر إليها دائما على أنها صنيعة الاستعمار فالدولة الوطنية في نظره هي دولة كافرة ومرتدة كما ينظر لذلك السلفيون المتطرفون. لكن في الواقع الانسان فرد في دولة ويحمل رقم بطاقة وطنية، لا بطاقة هوية دينية. ومادامت الدولة في حاجة إلى تأسيس شرعيتها، فهي لا تتخلى عن الأشياء الأثيرة على قلوب مواطنيها وهو شعورهم الديني وإيمانهم الأخروي الجماعي لو كان فرديا لكان الأمر مختلفا. لكن مادام جماعيا فهو مشترك بين الجميع وبالتالي فهو خطاب إيديولوجي لا خطاب إيماني. لذلك فلا يمكن للدول الوطنية الناشئة حديثا أن تتخلى عن الديني في علاقتها بمواطنيها، لأن الدولة ما هي في نهاية المطاف؟ هي جهاز لضبط الحشود الهائلة من الناس وتنظيمهم. وتلك الحشود تعد بالملايين وقوتها العددية تفوق قوة وسلطة الدولة وقد يعترض البعض بالقول بأن الدولة هي التي تصنع المجتمع! قد نتفق، لكن في حالتنا الدولة الإسلامية صنعت مجتمعا إسلاميا. إيديولوجية دولة الخلافة السلطانية كانت هي الإسلام السياسي كما نظر له الفقهاء. وقد استمرت الشرعية الدينية ألف وأربعمائة سنة، ونحن هنا لا ننفي أهمية العوامل الأخرى مثل العصبية والقبلية والمصالح الاقتصادية في قيام وصعود السلالات الحاكمة وأفولها في عهد دولة الخلافة لكن الشرعية الدينية كانت قائمة دائما وأبدا. لذلك فالأيديولوجيا التي تم توظيفها دائما ودجنت بها الحشود الهائلة استمرت إلى حدود الصدمة الحداثية الاستعمار. فاستيقظ من استيقظ وبقيت الأغلبية نائمة ومدجنة ، بسبب الفقر والأمية وغيرها من المصائب.هذا الاستطراد لابد منه بالتأكيد لوضع المسألة في سياقاتها، لأن فصل مشكلة المدرسة عن مشكلة المجتمع. وكذا فصل مشكلة المجتمع عن مشكلة الدولة وكذا فصل مشكلة الدولة عن تناقضات الثقافة، لن يؤدي إلى أي فهم اللهم نظرة تجزيئية واختزالية. لذلك فحينما يطرح التلميذ سؤال: من يجب تصديقه؟ هو نتيجة عدة عوامل. أولا نتيجة سطوة عقلية الشيخ والمريد لدى المتعلم، فهو ينظر إلى نفسه على أنه تابع ومصدق لما يقوله الأستاذ، لأن البنية التي أنتجته هي بنية قائمة على السمع والطاعة، وليست بنية تربي الإنسان على الفهم والنقاش والتفكير النقدي. لذلك فالتلميذ ليس إلا سيرورة انطلقت من الأسرة ثم الشارع ثم الإعلام وأخيرا وصلت إلى المدرسة. فالمدرسة ليست لها القدرة السحرية على تربية التلميذ لوحدها، قد تعلمه لكن تربيته موزعة بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة. العامل الأخر هو اقتصادي بالأساس فليس هناك تلميذ بالمعنى الكوني بل هناك تلاميذ متعددون فكل له ظروفه الخاصة به. فالتلميذ الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية أعلى ليس هو التلميذ المنحدر من أوساط فقيرة وبئيسة. فتلك عوامل مهمة وحاسمة في رؤية التلميذ لذاته وللآخر. ثم أخيرا العامل الثقافي هو المهم بالنسبة لنا. وهو الذي يعكس التمزق الخطير في شريان المجتمع. بين العالم الحديث وقيمه والعالم القديم وقيمه. المدرسة هي ترجمة صغيرة لما يحدث في المجتمع فتمزق برامجها بين تربية منفتحة على العالم وتربية منغلقة حد التعصب. هو السبب في وجود مادتين وبرنامجين وأستاذين ورؤيتين. الصراع المزمن الموجود أصلا في المجتمع وكافة هياكله لكنه في المدرسة يتأسس معرفيا. وستدمجه التلميذ كمعرفة مكتسبة. وبالتالي فهو يعيش تلك الأزمة المتعلقة بملاحظته لذلك التناقض بين مادة التربية الإسلامية والفلسفة. لكن يتجاوز التناقض الظاهري إما باتباع قيم الفلسفة وهي الانفتاح والكونية أو قد يرفض قيمها ويتبنى قيم التربية الإسلامية -غير المتوافقة مع العصر أي تلك التي ينطلق الأستاذ من قناعاته الإيديولوجية فيمررها للتلميذ-  فيتشرنق أكثر في دائرة التقاليد أو أنه يستدمج التناقض في عقله ويصبح بنية فكرية ينظر بها إلى العالم أي يضع رجلا هنا ورجلا هناك رجلا في الكونية ورجلا في الخصوصية. فيتمزق قيميا وأخلاقيا ونفسيا واجتماعيا ولا عجب إن تحول إلى مجرم غير آدمي مستقبلا كما حللت في إحدى مقالاتي السابقة.

قضية فلسطين بين العقل والأهواء


من بين القضايا الخلافية المثيرة في الشرق الأوسط، قضية فلسطين. التي كانت من نتائج الصراعات السياسية الكبرى في القرن العشرين، التي رسمت النظام الدولي ووضعت أمريكا كقوة عظمى. لكن أمريكا لا دخل لها في قضية فلسطين، لأن قضية فلسطين كانت في إطار تحولات تاريخية بدأت في القرن التاسع عشر تحديدا. وكانت نتيجة التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية الصناعية خاصة فرنسا وبريطانيا. اللتان كانتا تنافسان الإمبراطورية العثمانية.  " رجل أوروبا المريض" والتي كانت تستعمر أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشرق أوروبا.وبالتالي مع تمدد القوى الأوروبية وتعطشها الشديد للتوسع والبحث عن الاسواق وعن المواد الأولية، اكتسحت أجزاء كبيرة من العالم نتيجة موازين قوى دقيقة وحتمية تاريخية أكيدة، لا دخل للعواطف الهوجاء فيها ولا المشاعر القومية والدينية والتاريخية فيها. وكان بلفور وزير خارجية بريطانيا وأمام هجرة يهود أوروبا الشرقية نحو أوروبا الغربية، وجد أن الحل المناسب للتخلص منهم، هو إرسالهم إلى الإمبراطورية العثمانية، وهنا لابد من الملاحظة أنه لا وجود لشيء اسمه فلسطين. كان هناك استعمار عثماني لتلك المنطقة، وقد تم اقتراح مسألة بيع جزء من تلك المنطقة لليهود على   عبد الحميد الثاني فكان رفضه رفضا قاطعا، مليئا بالحماس والمشاعر ولم ينتبه إلى أن كل موازين القوة لم تكن في صالحه. وكانت الحركة الصهيونية آنذاك تفكر كذلك في إثيوبيا لكن مجيء وعد بلفور حسم الأمر، وأعطى الوعد للحركة الصهيونية بجعل فلسطين أو أجزاء منها لجعلها وطنا قوميا لهم بشرط أن يساعدوه في حرب بريطانيا ضد دول المحور في الحرب العالمية الأولى وهو ما تم بالفعل. وبالتالي فقد بدأت عملية التهجير نحو الأراضي  الجديدة وكان الفلسطينيون يبيعون الأرض، أمام الإغراءات الكبيرة للحركة الصهيونية، زيادة على ذلك كان الفلسطينيون قد ضاقوا درعا بالانتداب البريطاني، وقبل ذلك كانوا مستعمرين من قبل الأتراك منذ القرن الخامس عشر، وقد ضاقوا به ذرعا، أمام التمييز الذي كانوا يحسون به وقبل ذلك فقد خضعوا لاستعمار الكرد  بزعامة صلاح الدين  الأيوبي وكذلك كانت القدس محل صراع بين المسلمين والمسيحيين، الذين اعتبروا بدورهم أن فلسطين ارضهم المقدسة، وفي سبيلها خاصوا حملات صليبية مدة طويلة من الزمن. وقبل ذلك تم استعمارهم من طرف الفاطميين والعباسيين والأمويون، وقبلها كانوا تحت نير الاستعمار البيزنطي وقبلها كانوا مستعمرة فترة من قبل الفرس والمصريين. وبالعودة إلى ما قبل ذلك التاريخ فكل شعب فوق هذه البسيطة عاش تجربة الاستعمار إما مستعمِرا أو مستعْمرا. والخطأ الكبير الذي يرتكبه بعد الأدعياء هو ربطهم الاستعمار بفرنسا وإنجلترا والقوى الأوروبية الأخرى. ولا ينظرون للمسألة في شموليتها من كان مستعمرا الأمس فسيأتي يوم يتم استعماره. وهذه سنة التاريخ. فالعرب لما ظهر عندهم الاسلام كإيديولوجية للغزو لم يتوانوا لحظة في استعمار الشعوب والحضارات التي كانت تحت رحمتهم فقد استعمروا الامبراطورية الفارسية، واستعمروا الإمبراطورية البيزنطية التي كانت القدس جزءا من أراضيها، ونفس الكلام كان يقوله فلسطينيو بيزنطة آنذاك فقد كانوا يرفضون الاستعمار العربي الاسلامي لأنهم كانوا مسيحيين متدينين وما مسيحيو فلسطين اليوم غير المسيحيين الذين رفضوا الدخول في الاسلام الذي فرضه الاستعمار العروبي الاسلامي خلال القرن الأول والثاني الهجريين. فعاشوا بذلك تحت نير ذلك الاستعمار كذميين أي مواطنين من الدرجة الثانية. وذلك كي لا ينصهروا في ثقافة الوافد الجديد واليهود بدورهم الذين يدعون أنهم أحق بالقدس لا ينطلقون من فراغ وإنما في ذاكرتهم تملأ القدس حيزا كبيرا من وجدانهم التاريخي ولا أدل على ذلك مما يقوم به غلاة الصهاينة ونحن لا نزكي تطرفهم ولكن إنما ندعوا إلى إعمال النظر العقلي والتسلح بالحس التاريخي لفهم المشكلة في سياقاتها وتفاد النظرة التجزيئية الضيقة. إذن الاستعمار هو حركة تاريخية ممتدة منذ فجر التاريخ بل أستطيع القول بأنه قانون تاريخي أو حتى طبيعي فكل ثقافة أو كيان سياسي لما يراكم فائضا من القوة إلا ويسعى إلى التمدد خارج نطاقه الجغرافي. لكن أشد أنواع الاستعمار هو حينما لا يكتفي باستعمار الأرض بل إنه يسعى إلى استعمار العقول أي اقتلاع الشعوب المستعمرة من ثقافتها وهويتها وإدماجها في منظومته الخاصة. وهو ما قام به العرب مثلا الذين يدعون اليوم المظلومية: ألم يكونوا بالأمس غزاة ومستعمرين أتوا على أجزاء واسعة من الأراضي والثقافات. واستغلوها وأدمجوها في إمبراطورية حكمت بالنار والحديد. لكن قد يعترض البعض بالقول بأن ما قام به العرب لم يكن استعمارا بل كان فتحا. أي أن الشعوب والامبراطوريات والثقافات التي كانت في تلك اللحظة عاشت في الجاهلية وبالتالي جاء العرب وخلصوها من جاهليتها، ولابد من الانتباه إلى أن هذه العقلية مازالت سائدة حتى بين العرب اليوم، فالعرب الأقحاح أي سكان الجزيرة العربية يدعون أصالتهم العرقية. ويعتبرون أنفسهم من درجة أعلى لأنهم من دم النبي وقبيلته. وما خروج بعد مرتزقة الإعلام لسب الفلسطينيين ونعتهم ب "شتات الرومان" إلا تعبيرا خالصا عن الحقيقة العميقة التي يكنها الكثير من " الأعراب" عن أنفسهم وعن الآخرين. فالدفاع اليوم عن فلسطين باسم العروبة هو من أشد الأخطاء التي ارتكبها من أراد الدفاع عن قضية عادلة بوسائل ظالمة فأن تناصر الفلسطينيين تارة باسم الإسلام وتارة باسم العروبة فقد قضيت على قضية إنسانية عادلة باسم قضية او إيديولوجية فاسدة. وهذا الصراع الايديولوجي بين الفصائل الفلسطينية كفتح العروبية وحماس الإخوانية. أو بين الدول " العربية" الملكية منها والجمهورية. ينعكس سلبا على حق الشعب الفلسطيني الذي لا ندع أنه لا يستحق أن يتمتع بخصوصيته الفلسطينية وتسوية وضعيته إنسانيا لا دينيا ولا عرقيا. من هنا نصل إلى لب القضية كلها. وهو أن الفلسطينيين وصلوا إلى مرحلة حاسمة في صراعهم مع إسرائيل وعليهم أن يغيروا من استراتيجيتهم النضالية ويعرفوا بالدرجة الأولى أن قضيتهم هي قضية بينهم وبين إسرائيل لا بين" الأمة العربية" وإسرائيل. لأن الأمة العربية هي مجرد كلمة فارغة. فالواقع يقول شيئا آخر. ما معناه أن هناك دول وطنية كل منها تسعى إلى مصالحها وليست هناك مصلحة بالمطلق تجمع بين هذه الدول فحتى الوحدة الثقافية التي يدعمها البعض ليست قائمة بل هي مجرد كلمات في الهواء. لأن شمال افريقيا والشرق الاوسط ليسا عربيين. هناك سريان وأكراد وأمازيغ وأقباط وغيرهم وليس هناك عرب خالصين. فحتى الفلسطينيين هم سريان في الأصل وليسوا عربا ولا أدل على ذلك أن سريان فلسطين ودروزها يتمتعون بمواطنة كاملة في دولة إسرائيل ولا أحد يشتكي منهم وربما لأنهم يعلمون ن مصلحتهم في دولة مزدهرة وديموقراطية ومنفتحة على العالم ولو كانت يهودية أكثر من دولة فاشلة ومنقسمة على نفسها ومتخلفة ولو كانت عربية. إذن السبيل لخلاص الشعب الفلسطيني هو أن يزن قضيته بميزان المصلحة لا بميزان الدين والعقيدة والعرق. عليه أن يعرف أن الأفق التاريخي يتجه نحو اسرائيل وما اعتراف بعض الدول بها مثل الإمارات والبحرين إلا إدراك لهذه المسألة وليست خيانة او انتقام كما يدعي بعض " الإخوان " و " الرفاق". إذن ما الحل قد يقول قائل: الحل هو المصلحة لأن في السياسة المصلحة هي الأولى وليس العقيدة. فحينما نمارس السياسة يجب أن نمارسها باستحضار المصلحة بالدرجة الأولى. على الفلسطينيين أن يتوحدوا أولا على المشروع المجتمعي الذي يريدونه فهم منقسمون أصلا. في الضفة الغربية تحكم حركة فتح ذات الخلفية الاشتراكية العروبية. وفي غزة تحكم حماس ذات الخلفية العروبية الإخوانية. إذن على الفلسطينيين أن يتوحدوا أولا حول مشروعهم السياسي والاجتماعي. قبل أن يطالبوا بالوحدة العربية. التي من أجلها غلب الحماس على عرب الأمس فسحقتهم إسرائيل مخلفة ردود فعل عاطفية مازال الشعراء يعبرون عنها إلى اليوم. على الفلسطينيين أن يتفاوضوا مباشرة مع اسرائيل بدون وساطة لا عربية ولا إسلامية. أي وساطة دولية أممية في الامم المتحدة. ولكن تلك الوساطة تستوجب أولا إن تم قبولها قبول وجود دولة اسمها إسرائيل. وإسرائيل طرف قوي في التفاوض. لأن من يطالبها اليوم بالرجوع الى حدود 67 يطالبها بالتنازل عما كسبته بالمعركة ففي الأمس كان رهان العرب كلهم من المحيط الى الخليج هو اقتلاع اسرائيل من جذورها انهزموا أمامها في و تمددت دولة 48. العرب لم يستوعبوا الدرس فأعادوا لكرة في 73 سحقتهم اسرائيل من جديد. للأسف فهموا الدرس متأخرا لأنهم بعد ذلك بدأوا يوقعون اتفاقيات سلام فردية معها وقعتها مصر واسترجعت سيناء وقعتها الاردن فحمت اراضيها. العرب عرفوا في 67 انه بدون اتفاق مع اسرائيل قد تتمدد خارج فلسطين لذلك رجع العرب إلى رشدهم ومازالوا اليوم يسيرون في نفس المسار. فلسطين دولة عصرية متقدمة وكل دول العالم تعترف بها العرب رفضوا بالأمس اليوم يهرولون اليها صاغرين. وقد ذكرني هذا الامر بواقعة حدثت لشخص اتسخت سبابته بالغائط، فذهب رأسا عند الحداد وامره بقطع سبابته من جذورها واستغرب الحداد من اندفاع الرجل وعدم واقعيته ولم يرد أن يناقش معه المسألة لان الرجل كان في حالة تعجل ورفض كل نقاش فما كان من الحداد إلا أن أخد مطرقته وضرب سبابة الرجل حتى يؤلمه. ولما أحس الرجل بالألم وضع سبابته في فمه ولعق ما كان بها من دنس. كذلك حال العرب لم يستحضروا الواقعية في صراعهم مع إسرائيل فهم كانوا منقسمين وضعاف وفي لحظة حماس اتجهوا لمواجهة إسرائيل حتى بدون استراتيجية أو استعداد لازم. فانهزموا وفي الاخير بدأوا يهرولون نحو اسرائيل لاستجداء عطفها وسلامها. لذلك على من تبقى من الفلسطينيين لان الكثير منهم مواطنون اسرائيليون. أن يتخلصوا من الاخوان والقوميين ويؤسسوا مشروعا فلسطينيا ديمقراطيا. وأن يفاوضوا اسرائيل عبر الأمم المتحدة وان يقبلوا بشروطها ولو كانت مجحفة لأنهم غذا قد لا تتوفر تلك الفرصة. فيحدث لهم ما حدث لهم بالأمس فها هم اليوم يطالبون بحدود 67 وقبل 67 كانوا يطالبون بزوال اسرائيل. هذه حقيقة مرة لكن هذا قدر التاريخ. بدون ذلك ستأكل اسرائيل ما تبقى من فلسطين العثمانية. وستختفي القضية إلى الابد. وحينما سيقوم الفلسطينيون باستحضار هذا الطرح الواقعي في صراعهم مع دولة إسرائيل سيكونون قد احتكموا للعقل وليس الأهواء.


samedi 3 octobre 2020

الاعتداء على الأطفال في المغرب: في ضرورة الفهم الثقافي

 


مناسبة هذه المقالة هي بعض الأحداث التي شهدتها الساحة المجتمعية المغربية مؤخرا، واستأثرت باهتمام الرأي العام الوطني، ولعل أهم قضية هي قضية اغتصاب الأطفال وقتلهم. ففي شهر سبتمبر فقط شهدنا أكثر من فاجعة أهمها: تلك التي حدثت في طنجة وذهب ضحيتها طفل صغير تم اغتصابه وقتله من طرف " وحش آدمي" وكذلك فتاة صغيرة اختفت عن الأنظار في قرية نواحي زاكورة قبل أن يتم اكتشاف ما تبقى من جثتها. ويتبين إثر التحقيقات التي باشرتها السلطات الأمنية أن الفاعل، هو شخص استغلها لاستخراج " الكنوز" ولا ننسى كذلك قضية عدة طفلات كن ضحايا اغتصاب وافتضاض بكارة من طرف إمام مسجد بنواحي طنجة. ورغم ما لقيته هذه الجرائم من استهجان للفعل الشنيع، وتعاطف بالمقابل مع هؤلاء الأطفال الصغار. إلا أن ردود الفعل لم تخرج عن دائرة العاطفي Sentimentalise إذ لم يرق النقاش إلى مستوى البحث وتحليل الأسباب العميقة لمثل هذه الظواهر. لأن الاكتفاء بالتفاعل النفسي يجعل الحدث يختفي بسرعة وينسى على إثر وقائع جديدة. لذلك ضرورة الفهم العميق والمقاربة العلمية الصارمة للبحث عن أسباب هذه الظواهر، وكذا التدخل الحكومي والسياسة العامة في مجال حماية الطفولة ولا ننسى المقاربة الأمنية التي تنتجها الدولة.  لذلك فالمشكلة في نظرنا هي مظهر من مظاهر الأزمة المجتمعية التي يمر منها مجتمعنا، وهي ليست مرتبطة فقط باضطراب نفسي لدى المجرمين فقط، أو قصور لحكامة الدولة الأمنية أو حتى تقصير من طرف الأسرة، بل إن المسألة تضرب بجذورها في أعماق اللاوعي الجمعي والذهنية العامة للأفراد.  فالمشكلة هنا هي إعلان عن الارتطام بجدار العدمية الأخلاقية أو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم بالأنوميا Anomie.  هذا المفهوم المشتق من لفظة Anomia اليونانية التي تعني غياب ولفظة Nomos التي تعني القانون أو النظام. بمعنى مرحلة يفقد فيها المجتمع كل القيم ويتحول إلى حالة من "العدمية الأخلاقية" التي يليها التوحش ويسود فيها قانون الغاب. لذلك فنحن وصلنا لتلك المرحلة بالضبط أو نكاد، والدليل على ذلك ما نشاهده اليوم في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر الخبر في حينه بالصوت والصورة، وهو الأمر الذي ساهم بالتأكيد في النقاش المجتمعي الكبير حول هذه القضايا. المهم المجتمع المغربي بشكل خاص ومجتمعات الجنوب عموما، التي ترتفع فيها نسب الفقر والتنمية، وصلت لهذه المرحلة. ولا يجب أن نربط عوامل هذه الجرائم البشعة فقط بالعامل الاقتصادي. لأن الشخص الذي قتل الطفل عدنان كان يتوفر على عمل قار ولم يكن عاطلا عن العمل. لذلك فالسبب هو أخلاقي وقيمي بالأساس، لأن بنية العقل الجمعي المغربي أو المسلم تتصارع فيه منظومتان كبيرتان،

أو رؤيتان للعالم. رؤية تستند على التراث الديني والقيم الدينية الإسلامية أي رؤية تقليدية ترتكز على الجماعة والدين والتراث، والأخرى رؤية حديثة ترتبط بالقيم المعاصرة من فردانية ووضعانية وعلمانية. وقد حدث اندماج هذه القيم بعد الاختراق الاستعماري للعالم الاسلامي، الذي وطن منظومة الحداثة لكنه لم يستطع القضاء على منظومة التقليد، زيادة على أن الأنظمة السياسية التي تحكم اليوم لم تستطع أن تبني نموذجا سياسيا واضحا بطبيعة الانسان والمجتمع الذي تريده، فإما أنها زاوجت بين موروثها القديم وقيم الحداثة كما حدث في المغرب، أو أنها قطعت صلاها بالتقاليد واختارت المنظومة الحديثة كما هو شأن تركيا أتاتورك وتونس بورقيبة. أو أخرى رفضت قيم الحداثة بالمطلق مثل إيران الخميني لأنها غير قادرة على رفض الحداثة أصلا. إذن المجتمع المغربي هو مجتمع تتصارع فيه هذه البنيتان، وما الفرد المغربي إلا عنصر في هذه المنظومة الكبيرة، لذلك فالتحليل الفلسفي العميق للمشكل هو القادر لوحده على الإمساك بتلابيب الظاهرة وذلك من خلال فهم سياقها العام وإطارها التاريخي والاجتماعي، لذلك فكل رؤية تجزيئية تقتطع المشكلة وتجزئها دون وضعها في سياقها هي محاولة سطحية وتافهة. إن المغربي يعيش تناقضا قيميا خطيرا وهذا التناقض استطاعت الاجيال التي تلت الاستعمار أن تتعايش معه، لكن فترة التعايش انتهت ودخل المجتمع في مرحلة الانفجار او التفسخ القيمي لأنه من المستحيل أن يظل الوضع كما هو لأن طبيعة التاريخ ترفض السكون والقانون الكوني هو قانون التطور والجدل. فالعالم المتقدم اليوم منسجم مع قيمه الحداثية. لكن مجتمعات الشرق لم تهضم بعد الحداثة وقيمها. لذلك تظهر بين الفينة والأخرى أحداث تفضح النظرة السعيدة للمجتمع عن نفسه، فالفقيه الذي ينظر له على أنه القدوة وممثل القيم أصبح يغتصب الأطفال الذين ائتمنن على تربيتهم أخلاقيا، والجار الذي من دوره اعتبار أطفال جيرانه كأبنائه وعليه حمايتهم من كل شر يتربص بهم، أصبح هو القائم باختطافهم واغتصابهم وقتلهم. والأب الذي يسهر على تربية أبنائه ورعايتهم، أصبح هو السفاح الذي يقتلهم ويقطع جثتهم، كمشهد من فيلم رعب.  

هناك من قد يعترض بالقول إن هذه حالات معزولة.

 فقط التضخيم الاعلامي هو الذي يصور الأمر كأنه حالة عامة في المجتمع. لكن الاحصائيات - رغم قلتها- هي الشاهد على أن الوضع الحالي الذي نمر به ليس بالعادي. فأن تقع أكثر من جريمة في المغرب بطريقة بشعة ونحو فئات ضعيفة كالأطفال أو النساء أو كبار السن هو أمر يعلن أننا وصلنا مرحلة الخطر. وأن الدولة لابد عليها أن تحسم أمرها مع نفسها، فإن كان المجتمع منقسما بين الحداثة والتقليد، فالدولة عليها أن تحسم خياراتها الكبرى فإما الانخراط في قيم العصر والالتزام بالمواثيق الدولية التي وقعت عليها مثل " اتفاقية حماية الطفولة " مثلا. وبالتالي ألا تخلي بالتزاماتها. لأن" ترك المجتمع ينضج شيئا فشيئا" وهي المقولة التي يرددها المسؤولون ويجعلونها شعارا، أثبت التاريخ أنها غير صحيحة بالمرة، فإما أن ننخرط بالكامل أو نرفض بالكامل! أما أن نضع رجلا هنا ورجلا هناك، فذلك سبب التمزقات الاجتماعية والتاريخية التي تنعكس سلبا على بعض الأفراد فيكسرون عُقال  الآدمية ويتحولون إلى وحوش تقتل وتفتك بلا رحمة !

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...