Affichage des articles dont le libellé est GEOPOLITICA. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est GEOPOLITICA. Afficher tous les articles

mardi 19 août 2025

أي مخرج للحرب في غزة


 

يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم."

بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما سمي بفلسطين التاريخية، ردا على لعبة من يرمي الآخر في البحر التي كانت بين التيار القومي العروبي بقيادة جمال عبد الناصر، وبين اليمين الإسرائيلي. فعرفنا جميعا كيف انتهت القصة، بعد معاهدة أوسلو سنة 1993، ربح الفلسطينيون تحت القيادة القومية العروبية لمنظمة التحرير الفلسطينية، سلطة وطنية واستقلال ذاتي، مع ما منحه ذلك من شخصية اعتبارية للفلسطيني الذي أضحى يحظى بدولة واستقلال، لم يكن كاملا بطبيعة الحال، ولكن لأول مرة في التاريخ، لأنه كما ذكرنا في مقالة سابقة لم تكن فلسطين قط عبر تاريخ الإنسانية كيانا مستقلا، بل كانت تابعة للإمبراطوريات التي تعاقبت على المنطقة آخرها الإمبراطورية العثمانية، لكن أوسلو منح الفلسطينيين هوية وطنية حديثة على شكل باقي الدول القومية التي تعتبر افرازا موضوعيا للحداثة السياسية، فأصبح لسكان قطاع غزة و الضفة الغربية كافة الشروط كدولة بما فيها الشروط الثلاث المعروفة : الأرض والسكان والحكومة. وأصبح الفلسطيني لأول مرة يحمل بطاقة هوية وطنية وجواز سفر وعلم ونشيد وطني وحكومة ومؤسسات، رغم أن التيار العدمي اليميني المتطرف في فلسطين وحتى في إسرائيل رفض هذا الأمر جملة وتفصيلا.  ولو سارت الأمور بشكل جيد مع احترام روح أوسلو، كانت فلسطين ستصبح دولة مستقلة تماما عن أي تنسيق أمني مع إسرائيل عاصمتها القدس الشرقية. لكن مع ظهور الإيديولوجيا الإخوانية الدينية تغيرت الأمور بشكل جذري ورجع الفلسطينيون إلى المربع الأول، لأن غزة التي استولى عليها التيار الديني العنيف، اختارت هذه المرة "المقاومة"، لكن ليس بالمعنى القومي، ولكن تم استغلال العاطفة الدينية الأكثر تأثيرا لحشد الجماهير من جديد نحو حل راديكالي عنيف أي جهاد ديني، وتم الاستيلاء على غزة بالقوة، وبدأ التيار الديني الإخواني بتخوين السلطة الفلسطينية وحركة فتح وقياداتها، وتم تغيير رمزية ياسر عرفات، برمزية أحمد ياسين، وكانت الظروف مواتية لهيمنة هذا التيار داخل غزة، من خلال الزخم الدولي الذي رافق صعود الحركات الدينية والإرهابية في الشرق الأوسط.

لكن مع تراجع زخم هذه الحركات تحالفت  حماس مع  ما يسمى "تيار الممانعة"، التي تقوده إيران وهي نظام إيديولوجي عنيف يؤمن بالعنف كسبيل لحل المشاكل، إذن الأمر طبيعي جدا والتناول العاطفي لمسألة  غزة لن يعطي فهما سليما للقضية، حماس بقيادة إيران قامت بمغامرة، يوم سابع أكتوبر 2023،  وكانت محمولة بعاطفة دينية جياشة، ومادامت قد قامت بمغامرة فعليها الالتزام بمنطق المغامرة، وهو إما الربح أو الخسارة، ولايجب أن ننسى كيف أن غالبية الرأي العام العربي، هلل  لمشاهد  العنف التي ظهرت صبيحة يوم السابع من أكتوبر، فقط بعض العقلاء،  لم يحملهم الحماس،  لفهم أن الآتي سيكون أعنف وأصعب بالنسبة لسكان غزة وحتى كذلك للمسألة الفلسطينية عموما.

من الحماس الديني إلى الاستجداء العاطفي:

نتائج مغامرة حماس، ظهرت نتائجها منذ أن تم اغتيال كل القيادات التي دبرت العملية، ليس فقط قيادات حماس، بل حتى القيادات الشيعية بما فيها "الزعيم المبجل" حسن نصر، ثم شنت إسرائيل عمليات عسكرية في العمق الإيراني، وهو ما أدى إلى موت ما يسمى بخط المقاومة، خاصة مع سقوط نظام بشار، وتراجع حزب الله، وانكفاء إيران. العمليات العسكرية الآن التي تقودها إسرائيل مركزة على غزة، من خلال العمليات الميدانية التي أراد لها الإسرائيليون أن تكون " تطهيرا لغزة من حماس". لكن التيار الإخواني لحماس، يلعب سياسة، ومازال يمارسها حتى من تحت الأنفاق، لا تريد حماس التخلي عن كل أوراقها، مادامت البنادق الإسرائيلية لم تصل بعد إلى رؤوس العسكريين الحماسويين في الأنفاق، لكن الأخطر والذي يبين العقيدة المتطرفة لعصابات حماس، هو عدم مراعاتها للمآسي التي يعيشها المدنيون فوق الأنفاق. بل إنهم في الكثير من الأحيان يختلطون مع المدنيين، وكل من خرج من تحت عصى الطاعة، يرمى بالسلاح أمام الجميع، وهكذا، الضحية الأكبر في هذا الصراع هو المواطن الغزاوي، الذي أصبح بين نارين: نار الجيش الإسرائيلي، ونار العصابات الإخوانية.

 في ظل هذا الوضع العسكري، تستغل حماس المأساة الإنسانية للعب أوراق سياسية ضيقة، وهو ما يبين بشاعة هذا التيار الذي لا يقل عن بشاعة الجيش الإسرائيلي، لأن كلا الطرفين عبارة عن عصابات دينية وقومية لا تنظر للعالم بعين الاختلاف والقدرة على التعايش، لذلك لا يمكن أ تتأسس ديموقراطية سواء في إسرائيل أو فلسطين أو حتى الشرق الأوسط، دون هضم ثقافي حقيقي للقيم الإنسانية الجمعاء.

برودة الواقع:

هل تنتهي الحرب في غزة؟  الجواب قطعا نعم، لكل شيء بداية ونهاية، لكن هناك سؤال آخر: كيف ستنتهي هذه الحرب؟ الجواب حينما تحقق، أهدافها، هناك إيديولوجيات تتقاتل، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أهمها الإيديولوجية الدينية وهي الأعمق والأكثر تجذرا، لأنها لا تظهر كإيديولوجيا فقط، بل كثقافة يعيشها البشر في المناطق التي ينتشر فيها الإسلام، ينظر الجميع إلى الإسلام دين ودولة، ومن الصعب أن يتم فصل هذا الأمر في الأذهان، خاصة في الظروف الاجتماعية والاقتصادية الخانقة، فهذه الإيديولوجيا، تصبح هي المتنفس الوحيد لتنفيش الضغط، فيستغل الديماغوجيون الأذكياء، كحماس في هذه الحالة.

 ثم هناك الإيديولوجية القومية اللاحقة، وهي كذلك، الأكثر تجذرا من الناحية العاطفية، لأنها مرتبطة بهوية الفرد وكيف يعرف نفسه، لذلك نرى كيف أن القومية العربية لعبت وما تزال تلعب على عقول وعواطف جزء كبير من الجماهير في الشرق الأوسط، رغم تضعضع هذه الإيديولوجيا، ثم الإيديولوجيا الاشتراكية التي امتزجت بالقومية، فأصبحت اشتراكية قومية محلية، شكلت بدورها الكثير من الصراعات بين التيارات الاشتراكية العربية نفسها. بقيت إيديولوجية واحدة لم يتم تبنيها من طرف الجماهير لأنها أقل بريقا من الإيديولوجيات الأخرى، لأنها ليست جماهيرية،  فالشرق الأوسط يتضمن جماهير متعطشة لطوباويات ومثاليات تنقلها من الواقع المأزوم  نحو الغد الأجمل،  ليس اليوم فقط بل منذ غابر الازمان،  الجماهير العربية في انتظار مهدي منتظر يخلصها من العذاب،  وليس بشكل فردي بل بشكل جماعي، وهو  الأمر الذي يتعارض مع إيديولوجيا الحرية أو الليبرالية التي تركز على الفرد ، وتحمله كامل المسؤولية على وضعه، وهو الامر الذي لا ينسجم مع المزاج الذهني للمناطق العربية، ولكن العالم اليوم لا يمكن  أن تنخرط فيه دون أن تتبنى هذه المفاهيم الليبرالية،  الفرد الحرية الاختلاف، التعددية،  الحوار بدل العنف، التعايش بدل الحرب.

 عود على بدء: في المسألة الثقافية من جديد

 حماس، أو حزب الليكود، كلها تيارات دينية متشددة، وقد التقت في أرض القدس، وتتقاتل من أجل الوجود، المسلمين والعرب، وهم الأكثرية يرفضون في صميم أرواحهم، وجود دولة في " خاصرة الأمة العربية الإسلامية"، وإسرائيل بدورها تسعى لاستعادة مملكة أورشليم بكل روحها، وهنا نسقط في ظهور العنف كما تحدث عن ذلك الأنثروبولوجي الفرنسي بيير جانيت. الحل في ظل هذا الوضع، هو الحوار،  خاصة للطرف الفلسطيني لأنه الأضعف في المعادلة،  وعليه أن يفهم أن لغة الحماسة التي كانت تميز قصائد الجاهلية،  لم تعد تعطي أي نتيجة في  عالم اليوم، لذلك شاهدنا كيف أن الرأي العام العربي يحاول عبر وسائل التواصل الاجتماعي استجداء العالم للتعاطف معه،  ولكن لا يفهم أن المنطق والعقلانية والواقعية هي التي بدأت تسيطر على كل مناحي الحياة المعاصرة، حتى في أكثر الجوانب حميمة في حياة الإنسان المعاصر،  الحماس الحمساوي المنطلق يوم 7 أكتوبر لم ينجح،  والمغامرة غير الواقعية آلت إلى الوضع الحالي، وما دام المقامر يغامر بدون تفكير لا بد عليه أن يتذكر أنه  غامر، والمغامرة بطبيعتها خطيرة جدا،  وهو ما جعل حماس ومعتقليها من سكان غزة يصلون إلى هذا الوضع. عليهم الآن أن ينصاعوا لمنطق السياسة والحوار، وعلى حماس أن تتنازل عن الصلابة التي تغذيها الأوهام الدينية، وأن تخرج من جحورها، وتعقد لن نقول صفقة لكن اتفاق يحترم العالم بأسره، كما احترم معاهدة أوسلو.

أما مصيرها فقد بات وشيكا، وسيتم التنكيل لما تبقى من هذه الجماعة بشكل بشع جدا، والتاريخ بيننا.

 

 

 

dimanche 15 décembre 2024

التحول الديموقراطي المزمن في سوريا


منذ 2011 حينما خرجت جحافل المتظاهرين في كامل أنحاء سوريا، كان الأمر سهلا في البداية، لأن الفوضى عادة ما تكون سهلة، وتحركت الحرب الأهلية فيما بعد بين السوريين، وكان الصراع الأهلي ناتجا عن التقسيم الطائفي المزمن، الذي نشأ في سوريا وفي كامل مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. منذ زمن بعيد، وفي الفترة الإسلامية بعد دولة الأمويين في دمشق.

ونشأ عن هذا التقسيم الطائفي، الثقافي العرقي، تقسيما سياسيا، نشأت عنه قوى عسكرية حاملة للسلاح، بين مجموعات عدة: مجموعة شيعية علوية متحالفة مع النظام، ومجموعة إخوانية متشكلة في المدن الكبرى مدعومة من تركيا، ومجموعة كردية في المناطق الشمالية والشرقية من سوريا حيث يتواجد الأكراد، الذين خضعوا للكثير من الاضطهاد في ظل حكم آل الأسد وحزب البعث الطائفي العرقي، الذي فرض ثنائية العروبة والاشتراكية.

 ودخلت قوى دولية خارجية لدعم هذه الفصائل المسلحة، إيران دعمت النظام والطائفة العلوية العربية، وتركيا دعمت الإخوان المتمثلين في جبهة النصرة سابقا التي يهيمن عليها العنصر العربي، والتي تحولت إلى هيئة تحرير الشام وهي التي أطاحت بالعاصمة دمشق يوم 8 دجنبر 2024، وبالتالي استولت على السلطة.  فيما دعمت الولايات المتحدة الأمريكية الأكراد في الشمال والشرق. وكانت هناك فصائل أخرى مدعومة من طرف السعودية وقطر والإمارات.

أما روسيا بدورها فقد دعمت الأسد جويا، ولكن هدفها كان استراتيجيا، لأنها كانت تريد الحصول على قواعد عسكرية في الشرق الأوسط لمجابهة النفوذ الأمريكي، وهو ما حدث من خلال قاعدتي طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.

واستمر هذا الصراع الدولي منذ 2011 إلى 2024 مدة 13 سنة ونصف. لينتهي النظام في النهاية.

نهاية محور المقاومة:

سبق سقوط بشار الأسد الكثير من الأحداث، الممهدة، ومن بينها، " طوفان الأقصى"، وهو مغامرة إخوانية من حماس بإشارة من إيران، انتهت بدحر تنظيم حماس والدخول إلى غزة، مع ما رافق ذلك من عنف وقتل كبير والكثير من القتلى والجرحى من الطرفين. لكن الضربات الأعنف من طرف إسرائيل التي كانت تعيش وضعا داخليا متوترا، قرأته إيران وأدرعها بشكل خاطئ، هو القضاء على أهم القيادات الممثلة لما يسمى بمحور المقاومة، والمقصود زعيم حماس " إسماعيل هنية"، ثم بعد رأس حزب الله اللبناني " حسن نصر الله" ثم كذلك رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة يحيى السنوار، ثم محمد حسين سرور ثم فؤاد شكر، ثم إبراهيم عقيل ثم علي كركي وإبراهيم قبيسي.

مع تقدم واضح لإسرائيل في غزة. ولم يبقى لها إلا شمال غزة حيث تتمترس بقايا التنظيم المسلح.

هذه الهزائم شكلت، بداية نهاية المشروع التوسعي لإيران في المنطقة. وساهمت في تراجع المغامرات الإيرانية. وكانت إسرائيل هي "الشيطان الأصغر" الذي شحذت له الدولة الخمينية، كل سياساتها من أجل الإبقاء على مشروعها، وهو في نظره امتداد " للشيطان الأكبر"، وهو أمريكا.

الذراع ما قبل الأخير للأخطبوط الإيراني:

كان القضاء على الذراع الإخواني لإيران وهو حماس، ثم القضاء على الذراع الإيراني اللبناني وهو حزب الله. تمهيدا للانتقال إلى قطع رأس الذراع العلوي السوري الذي يمثله بشار الأسد، وهو ما حدث بالفعل، ولكن هذه المرة، وقعت تسويات بين إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا التي لعبت دورا محوريا في هذا الأمر. مع أخذ الإشارة من الأردن والإمارات ومصر. ولا نعرف هل حدثت تفاهمات مع بوتين، الداعم الرئيس لبشار الأسد، ولكن انشغاله مع حدوده الجنوبية مع أوكرانيا، لم يمنح له الفرصة، لإرسال طائراته من أجل حماية نظام البعث من السقوط.

وهكذا انطلقت فصائل هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع الملقب بالجولاني، والذي كان متعاطفا مع القاعدة، قبل أن يقوم بمراجعات تنظيمية وفكرية. وهو يأتمر بأوامر أنقرة، واستمرت المعارك، على أهم المناطق والمدن التي كان يسيطر عليها النظام، ومنها، حلب التي استرجعها، ثم ريف إدلب، قبل الانقضاض على العاصمة. وهروب بشار الأسد إلى موسكو.

الذراع الأخير: اليمن

ما سمي سابقا بمحور المقاومة قد انتهى إلى الأبد. ولم يعد فيه إلا ذيل صغير يتحرك، كما يتحرك ذيل الحرباء المقطوع، وهو الفصيل الحوثي في اليمن. ولكنه ليس بحجم قوة حزب الله أو حماس أو حتى حزب البعث الذي كان يحكم دولة. لكن وهجه تراجع كثيرا، خاصة مع الضربات الصاروخية الأمريكية.

سوريا من التمرين العسكري إلى التمرين السياسي:

النزاع العسكري، دمر سوريا البعث تماما، بعد سقوطه دمرت إسرائيل القوة العسكرية البعثية.

أصبحت سوريا الآن محررة عسكريا من البعث القومي العروبي، الذي أجمع الكثيرون على دكتاتوريته وتسلطه. لكن هل نجحت سوريا بالفعل؟ الجواب ظاهر سوريا لم تنجح لأن التمرين الآن الذي يجب أن يقوم به السوريون هو تمرين ديموقراطي أساسا، تلعب فيه السياسية والحوار. الدور الأكبر. وما دمنا نتحدث عن السياسية، فلابد من الحديث عن وجهات النظر. والأفكار المؤسسة للحراك. هناك تصورات كبرى في سوريا وهي: سوريا سنية سلفية، وسوريا سنية إخوانية وسوريا قومية كردية وسوريا درزية وسوريا مسيحية.

وسوريا شيعية علوية. لا يمكن لهذه الفسيفساء الطائفية والعرقية والسياسية والعسكرية، أن تجتمع تحت راية جبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام، وحدها الديموقراطية قادرة على ذلك، وحدها دستور مدني علماني يستطيع ذلك. وحده صوت الشعب، الذي تعرض للتنكيل، وكان البعض يدافع عن نظام البعث فقط من أجل بقاء الدولة السورية، ليس حبا في بشار الأسد ولكن درءا لنهاية الجغرافيا السورية ككيان سياسي مستقل. ومن هؤلاء مثلا بطبيعة الحال الولايات المتحدة الـأمريكية، التي تغاضت عن إسقاط بشار الأسد، بعد أن فهمت أن سقوطه سيترك فراغا هائلا، قد يتحول إلى ليبيا جديدة، وقد تبتلعه إيران فيصبح يمن جديد فاشل.

لكن لما نضجت الشروط الموضوعية والعسكرية على الأرض انتهى بشار الأسد.

لما سقط بشار الأسد، كانت هناك مشاعر متضاربة، بين الفرح لماض بعثي أسود، والتفاؤل، بغد مشرق أفضل، والخوف من مستقبل قاتم ومتشائم.

 لذلك الآن على السوريين أن يقوموا بتمرين ديموقراطي حقيقي.

أطروحة الشعب لا يستحق الديموقراطية:

كانت هناك أطروحة في بداية الحراك، كان يرددها النظام، حتى بعض المحللين الأكثر نزاهة وحكمة، وهي أن شعوب الشرق الأوسط وشمال افريقيا، بما فيها سوريا. لا تستحق الديموقراطية لأنها ليست مدربة على الحرية، فالحرية في نظر هذه الشعوب إما انها فوضى ونهب لدى البعض، أو فساد وانحلال أخلاقي لدى أكثر الأصوات قوة في المنطقة الثقافية لشمال افريقيا والشرق الأوسط. وكان ينظر إلى أن نظاما دكتاتوريا ودمويا، يحفظ الأمن والاستقرار، أفضل عندهم من شعب منقسم ومتصارع وطائفي.

الآن بعد سقوط رأس النظام، كما حدث مع زملاء بشار القدامى ومنهم صدام والقذافي وصالح ومبارك وغيرهم. هل نجحت هذه الدول في تحقيق تحولها الديموقراطي. الجواب هو بالسلب لأن الكثير من هذه الدول لم تحقق ذلك التحول، وحتى إن استرجعت استقرارها، فذاك إما لقبضة سياسية حديدية من حديد، كما حدث في مصر، أو محاصصة سياسية كما حدث في ليبيا والعراق. أو هيمنة فصيل على الحكم كما حال اليمن. ماذا سيحدث لسوريا المنقسمة؟ الجواب بيد السوريين: الملاحظ أن أول خروج للجماهير من أجل الاحتفال هو يوم الجمعة سميت ب "جمعة النصر". ثم أن الشعارات التي رفعت في الكثير من التظاهرات في المدن الكبرى كحماة ودمشق. كلها لم تخرج عن الشعارات التي رفعت في المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام قبل سقوطه يوم 8 دجنبر 2024. وفي بعض المظاهرات، تناول بعض الخطباء الكلمة، والقساوسة المسيحيين واقفين، وشعارات كلهم دينية بالأساس لم تراعي هذا الاختلاف. هل سيتم إذن فهم، أن كل الدماء التي أسيلت، كانت من أجل " تأسيس هذا الاختلاف" والاحتفال به ودعمه.

 هناك الكثير من الأوراش تنتظر الدولة السورية الوليدة: أولا الورش السياسي، وهو الاتفاق السياسي بين الأطراف المهيمنة على الأرض، الطرف السني  المهيمن، الذي تمثله هيئة تحرير الشام، والطرف الشيعي العلوي، الذي رغم هروب الأسد، إلا أنه هو الميمن على كل المؤسسات والأجهزة والتفاصيل في الداخل السوري، هذا الفصيل، هيمن على كافة المجالات، وهم يمثلون الأقلية المهيمنة ثقافيا وسياسيا، وهم يشبهون النخب المتحالفة مع الاستعمار الفرنسي والإنجليزي،  فرغم الاستقلال، لعبت هذه النخب المدينية دورا بارزا في الدول التي نشأت بعد الاستقلال، ولم يمكن للدولة الوليدة أن تستـأصل هذه العنصر والجدير بالذكر أنها تهمين على الاقتصاد كذلك ونحن نعرف أن الاقتصاد عصب السياسة. ثم هنالك الطرف الثاني وهم الأكراد المسيطرون على الشمال والشرق وهي مجموعة عرقية متجانسة ثقافيا وسياسيا، وتمثل قوة حقيقية في سوريا رغم تنكيل نظام البعث العرقي القومي بها، وكل السوريين يدركون الاضطهاد الثقافي والسياسي الذي تعرض له الأكراد. فاللغة والثقافة الكردية غير معترف بها في الجمهورية العروبية الاشتراكية البائدة. والكل يعلم أن كل كردي سوري، يحمل اسمين، اسم رسمي موجود في سجلات البعث، واسم كردي، ينادي به الكردي في بيته. وهذا مظهر بسيط من مظاهر التمييز العرقي ضد الأكراد، وعلى الدولة السوربة الوليدة، أن يحس فيها الكردي بأنه مواطن، وهناك الأقليات الدينية الأحرى، كالدروز والسريان والمسيحيين المارونيين، الذين لم يخضعوا كانت أوضاعهم أفضل في ظل النظام البعثي، وعليهم اليوم ألا يتم اضطهادهم من طرف دولة سنية أرثوذكسية كما تحمل لوائها هيئة تحرير الشام لذلك لا بد من اتفاق سياسي. وبعدها يأتي التمرين الدستوري، الذي سيضع دستورا علمانيا مدنيا يحتفظ على فسيفساء العرقيات والأديان في سوريا باعتبارها أقدم حضارات العالم. وهناك فرصة أن يكون هذا الدستور نموذجيا، وأن تكون سوريا نموذجا لتدبير التوع الديني والثقافي في الشرق الأوسط. أما غير وذلك، ستأتي أوقات يعود فيها الحنين إلى النظام البعثي. وهو ما لا يتمناه أي مواطن حر متفائل.


dimanche 15 mai 2022

تأملات في التحولات الجيوستراتيجية في النظام الدولي

 

 


تأثير الفراشة هي نظرية تؤكد أن رفرفة جناح فراشة في المحيط الهادي قد يكون سببا في إحداث إعصار في أمريكا، ومعنى ذلك أن كل فعل مهما. عظم مقداره وحجمه فإن الزمن كاف لأن يجعله يتعاظم ويسبب كارثة، إن استحضار هذه النظرية القاء رؤية تأملية عميقة على المشهد العالمي اليوم سيبين أن الأحداث المتواترة تنبأ بتحولات كبيرة. لم يبدأ الأمر اليوم أو في نهاية الألفية الماضية أو في بداية هذه الألفية. أو مع بدأ تاريخ البشر، بل الأمر عبارة عن قانون طبيعي كوني يحكم الأشياء كما يحكم البشر والتاريخ. لذلك فنحن في إطار تحول سياسي كوني وكبير لا يقل أهمية عن سقوط جدار برلين أو الحربين العالميتين، الحديث هنا عن الحرب الروسية الأوكرانية، التي ستكون القشة التي ستقصم ظهر تناقضات كبيرة متراكمة في أفق تاريخ العالم. منذ التسعينيات بالضبط مع سقوط جدار برلين أي ثلاثة عقود والتحولات متواترة: سقط الاتحاد السوفياتي وانهارت الايديولوجية الشيوعية. ودخل العالم عصر العولمة. العولمة لم تكن سوى أممية ليبرالية، رأسمالية على المستوى الاقتصادي وديموقراطية على المستوى السياسي وهجانة ثقافية على المستوى الثقافي. على النموذج الامريكي لذلك أصبحت أمريكا قائدة العالم وضابطة إيقاع كل الفاعلين. فاندمجت القوى العظمى في المنظومة. لكن رغم ذلك قيادة أمريكا تشكل كابوسا للقوى العظمى المنخرطة في السوق الرأسمالية العالمية، لكن التي ترفض النموذج الليبرالي الديموقراطي. لذلك تحاول هذه الدول أن تغير النموذج السياسي العالمي، لكن أن تظل في السوق العالمي، لذلك فالصين وروسيا لا ترفضان الرأسمالية، بل هما فاعلتين في منظومتها بكل قوة، لكن ما ترفضانه هو تماهي النموذج الاقتصادي مع النموذج السياسي بالضرورة. بوتين اليوم لما يشن حربا على جارته الغربية، فهو يشن حربا على نموذج سياسي ترسخ في اوكرانيا وهو النموذج الديموقراطي الليبرالي. لذلك يحاول أن يوقف زحف هذا الطوفان السياسي ولو انتهك كل القواعد الدولية المرسومة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كخرق ميثاق الأمم المتحدة خاصة الفصل الثاني الذي ينص على سيادة الدول على اراضيها، لكن مبرراته هو ان يقضي على ما يسميه ب" النظام النازي" ولا يقصد بذلك إلا الحكومة الليبرالية التي جاءت مع الإطاحة بالنظام الديكتاتوري الموالي له. لذلك فهو لا يرفض اقتراب الناتو من حدوده، بل يرفض نظاما ديمقراطيا قد ينقل عدواه إلى عقر الدولة الروسية وهو الذي يرى نفسه القيصر الذي أعاد لروسيا هيبتها وعظمتها في العالم بعد أن مرغت في أوحال التحولات الجيوستراتيجية خلال التسعينيات. لكن هذه الحرب التي شنها بوتين، كي لا نقول شَنتها روسيا، لأن التحولات التاريخية تستدعي شخصيات بنفس خصائص الرجل لاحداث تحولات. ولا أدل على هذا الكلام تشابه بوتين مع هتلر ونابليون وموسوليني وغيرهم. هذا من جهة ومن جهة أخرى ادعاء أن ما سمي بالعملية العسكرية الخاصة في شرق أوكرانيا حدد لها سقف زمني قصير فتحول الأمر إلى هجوم على أوكرانيا كلية وحاول الروس السيطرة على العاصمة كييف لكن لم يستطيعوا القيام بذلك فتراجعت الوحدات العسكرية إلى الشرق. وقد مر أكثر من يومين دون تحقيق النتائج المرسومة في البداية. لكن تأثير الصراع على المنظومة العالمية ينذر بمزيد من الأزمات على المستوى العالمي وهو ما سميناه بتأثير الفراشة في بداية المقال. وتأتي هذه الأزمة العسكرية لتنضاف إلى الأزمة الصحية التي استمرت أكثر من عامين، وهو ما يرسم معالم عالم جديد عنوانه: مواصلة تأديب الدول المارقة وترسيخ النموذج الكوني للأبد لكن بين ذلك الهدف والان قد تحدث الكثير من الفوضى لذلك يصدق قول غرامشي: " عالم جديد يموت وعالم جديد يولد وبينهما تولد الوحوش." وهو ما يستدعي منا محاولة الفهم بدل الضحك او البكاء أو اللامبالاة كما يقول سبينوزا.

 

mardi 22 mars 2022

سرطان الاستبداد الشرقي الذي لم تقض عليه للهزائم


 

اليوم زعيم شرقي مستبد يغزو دولة ذات سيادة مخترقا بذلك المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. التي تنص على سيادة الدول منظمة عصبة الأمم لم تستطع منع الحرب العالمية الثانية، التاريخ اليوم يكرر نفسه، الأمم المتحدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، سيسجل التاريخ أنها لم تستطع منع بوتين من غزو أوكرانيا. أو غزو دول أخرى منذ مجيئه للحكم مستخدما أساليبه الدموية ومعليا شعار القوة لفرض الإرادة. بوتين ومجموعة أخرى من الدول يشكلون حلفا هو حلف الاستبداد الشرقي، روسيا هي رأس حربته السياسية فيما الصين تشكل رأس حربَته الاقتصادية. والتابعين الصغار يشكلون رؤية مختلفة للعالم. هؤلاء هم: إضافة إلى الدولتين صاحبتا الفيتو، إيران وكوريا الشمالية! كلها دول عدوانية قائمة على إيديولوجيات دينية وشيوعية متطرفة بعضها يمتلك السلاح النووي بعضها يسعى بجنون لذلك. هؤلاء كلهم هم الوبال على مستقبل العالم اليوم. هذا الاستبداد الشرقي انهزم في جبهة الأفكار و الاستراتيجيا، مرات عدة أهمها بعد سقوط جدار برلين. لكن رغم ذلك مازال الاستبداد قائما وكأنه أمر طبيعي وكوني أن يظل النقيض حيا، كي يستمر الجدل التاريخي وتتحرك عجلة التاريخ، أي كلما انهزم الاستبداد، عاد في شكل جديد وكأن جدلية هيجل لا تنتهي، وكأن أطروحة فوكو ياما حول نهاية التاريخ غير صحيحة. اليوم ما يقع ليس عودة الاستبداد، بل هو تحول هذا الاستبداد الى حلف جهنمي يسعى بكل قوة لقلب النظام الكوني وتأسيس نظام جديد. لكن سيحدث الكثير من القتل الممنهج ليموت الاستبداد وتموت بذلك أطروحته. تناقضات ما بعد الحرب الباردة، تحتاج التسوية، الغرب كما يسميه الروس ويقصدون بذلك النظام الدولي كله، يسعى نحو أممية ليبرالية، تؤسس لعالم متكامل ومندمج ومزدهر، الروس استفادوا بدورهم من الأممية الرأسمالية، التي هي جزء من هذه الأممية على المستوى الاقتصادي، لكن على المستوى السياسي والثقافي يرفضون الليبرالية جملة وتفصيلا، ويفضلون الاستبداد الشرقي، القائم على القوة والهيمنة، لأن الديموقراطية تضعف هذه الأنظمة وتجعلها غير قادرة على الوقوف ندا للديموقراطيات العريقة، حتى أن النخب الشرقية، تعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية على التحول السياسي والثقافي، كل دول ما كان يسمى ب " عدم الانحياز" زيادة على الصين وروسيا، وبعض " الأنظمة المارقة". تنتمي لفلك الاستبداد. بوتين اليوم، يفعل هذه الرؤية على المستوى العسكري، ويحاول زعزعة النظام الدولي. هذه ه غاياته البعيدة ولو إدعى أنه يريد فقطط تصويب الموقف الأوكراني ومنعها من الانضمام للناتو.

mercredi 27 octobre 2021

كيف نهض أردوغان بتركيا وكيف دمرها؟

 


تركيا الحديثة هي صنيعة كمال أتاتورك الذي تملأ صوره وتماثيله كل الساحات التركية، هو أب الأمة التركية الحديثة، أردوغان الاخواني يدرك في العمق هذه الحقيقة. لذلك لما بدأ نجمه يصعد في التسعينيات من القرن العشرين هو وجماعة نجم الدين أربكان لم يصطدموا مع العقيدة الأتاتوركية ولم تكن لهم الجرأة في ذلك، لأنهم تصرفوا كما يتصرف الإخوان دائما التقية والتلون والمراوغة. لأن مشروعم الحضاري مؤجل دائما، مادام لا يمكن تحقيقه على الطريقة التي يعلمها الجميع وهي حمل الرايات السوداء وجز الرؤوس ومصادرة الحرية، وهنا يكمن ذكاء الرؤية الأرداغونية. ثم عامل آخر مهم وهو دمج هذا الفكر الاخواني مع القومية التركية. بالتالي فلم يكن من اللائق سياسيا مواجهة الأتاتوركية مادام في الظاهر حليفا على المستوى النظري، لذلك تأجلت المعركة فيما بعد إلى مواجهة الأتاتوركية في عمقها الدولتي، وهو ما توفق فيه أردوغان بشكل كبير فيما سمي بمؤامرة الجيش سنة 2014. التسعينيات كانت بداية المشروع السياسي والحشد الجماهيري. منذ بداية الألفية الثالثة بدأت ثمار الرؤية الأرداغونية التي كانت تطمح إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. خاصة لما أصبح أردوغان رئيسا للحكومة ولا ننسى نجاحاته في تسيير مدينة إسطنبول. لقد كان رجل سياسي ناجح. لكن هناك قول مأثور مؤداه من أجل معرفة حقيقة شخص ما، أعطه السلطة. أردوغان لما وصل للسلطة عبر عملية من التدرج البطيء، ظهر على حقيقته، ولا أدل على ذلك أن كل المحيطين به قد انفضوا من حوله، وهو ما مكنه من اكتساح الدولة التركية كجهاز، لأنه كما ذكرنا كعقيدة ليس لأردوغان اي بطولات يمكنه من خلالها منازعة المؤسس العظيم وأب الأمة التركية وتلك لعمري هي الغصة في حلق هذا الرجل. لا يمكن من باب الموضوعية أن ننفي النجاحات الاقتصادية لتركيا فقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن ينجح في ذلك، ويجعل من تركيا دولة مزدهرة ومتطورة، بل في لحظة ما سعت تركيا بكل قوة الاندماج بالاتحاد الأوروبي. وترك لعنة الجغرافيا التي حشرتها حضاريا مع عرب مهزومين ومنهكين. لكن التحول الكبير حدث مع مجيء ما سمي بالربيع العربي، ووجد أردوغان الفرصة لتحقيق رؤيته بمحيطه وهو أن يتحول إلى قوة إقليمية تملأ الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط، آنذاك كل الاهتمام كله منصرفا إلى الخارج، بعد أن توهم أنه قد حقق واستنفد كل جهده في الداخل وكي يتقوى في الداخل عمل على تغيير النظام السياسي من النظام البرلماني حيث القوة في يد البرلمان إلى النظام الرئاسي، لأنه أراد أن يقوي موقعه ويؤبد حكمه على البلاد فكان ما كان. لقد سحق التجربة الديموقراطية وتحرش بالعلمانية، وخلق الأحادية السياسية أو أراد أن يخلقها لأنه مازال هناك قوى معارضة حقيقة يشكلها الأكراد والأتاتوركيين. فهو لم يستطع سحقهم، بل ساهم من حيث لايدري في تقويتهم وتصليب جبهتهم. في الأخير صرفت الملايير على الحروب الاقليمية، حيث اختار أردوغان أن يكون زعيما للأتراك والعرب، بل للمسلمين عامة! كذا. وحشر أنفه في سوريا حيث مركز صراع إقليمي ودولي كبير. وتدخل في المشاكل الداخلية للدول، دعم الإخوان المهزومين في مصر، وجعل أنقرة قبلة كل إخوانيي العالم. ثم قطع علاقاته مع مصر. ثم بعد ذلك حشر أنفه في الصراع الخليجي ودعم دويلة قطر ووضع يده فيها وصرف الملايير لتموينها جوا بعدما حوصرت برا وبحرا. وساءت علاقته بالدول الخليجية. واتخذ الإمارات كعدو. ثم في مسألة سوريا حشر أنفه من جديد فكان في البداية مع المحتجين ودعم كل الإرهابيين الذين يشكلون معارضة النظام البعثي وأصبحت تركيا المحطة الأولى التي يصل إليها كل قتلة العالم قبل دخول ساحة الوغى السورية وتحالف مع الدول الغربية واجه روسيا بل واصطدم معها بإسقاط مقاتلة روسية فاشتدت الأزمة بين البلدين وكادت تنشب الحرب بينهما، وتلقى عقوبات اقتصادية قاسية من يوتين، الذي أدبها بشدة. في لحظة ما تغيرت بوصلة التحالف فاتجهت نحو المعسكر الشرقي وأصبح بوتين وأروغان صديقين حميمين بعدما كانا عدوان لذودان. كما لم يترك أردوغان أي صراع جيوسياسي إلا وحشر أنفه فيه، لذلك تدخل في ليبيا ودعم إخوانها بالمال والسلاح والإعلام. كما دعم إخوان تونس. ثم فتح جبهة جديدة مع مصر واليونان لما أراد أن يرسم حدوده البحرية دون توافقات مع الجيران. المهم هذا الطموح الاقليمي لتركيا أردوغان كان عنوان لاندحار تجربة التنمية في تركيا لأنه في ظل طموحاته وخيالاته حول الزعامة الإقليمية فرط في الشأن الداخلي التركي وتسبب له ذلك في أزمة اقتصادية كبيرة، خاصة لما اقتحم عرين الوحش الجيواستراتيجي الأمريكي وأعلن الصدام معه فكان التأديب الاقتصادي له بالغ الضرر عليه كما ضيع شراكته مع الأوروبيين. لكن الملاحظ أن هناك فصاما نفسيا في شخص أردوغان فرغم هذه الصراعات مع الحلفاء يظل مشتتا، فهو حليف سياسي لروسيا ولكن في نفس الوقت هو عضو في تحالف شمال الأطلسي. ولا ننسى بطبيعة الحال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في تركيا من اعتقالات الصحافيين والمعارضين بله الحلفاء على حد سواء. وفي ظل كل هذه التخبطات فنحن لا نستغرب حينما يعلن أن عشر سفراء أكبر الدول في العالم غير مرغوب فيهم، وما ذلك سوى تطاول تغذيه الخيالات الشخصية والتاريخية. ولا نستغرب ذلك لو وضعنا تجربة أردوغان في ضوء التاريخ. آنذاك ندرك أن لكل شيء بداية وازدهار وانحطاط. ما يقع في تركيا اليوم هو انحطاط لآخر إخواني يحكم دولة علمانية.

mardi 13 juillet 2021

ما هو سبب فشل الأحزاب السياسية في المغرب ؟

 


هناك شبه إجماع في المغرب على أن الأحزاب المغربية، لم تعد تلعب أي دور، أو بالأحرى القول بأنها فقدت مصداقيتها لدى الجماهير العريضة من المجتمع. لكن هناك مغالطة حول هذا التشخيص سنحاول الكشف عنها، وهو الصيغة التي يروج بها هذا التشخيص أي القول أنها لم تعد، فالصحيح أن المغرب لم يشهد في  تاريخه السياسي أي دور للأحزاب السياسية، بعد الاستقلال وقبله كانت هناك أحزاب كحزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لكن هذه الأحزاب كانت عبارة عن حركة سياسية أكثر منها مؤسسات حزبية بالمعنى الحديث للكلمة، والدليل الدور الكبير الذي لعبته هذه الأحزاب في دائرة المعارضة، لكن كلما شارك حزب قوي في التسيير فإنه يفقد شعبيته وجماهيريته ويتحول إلى مجرد إطار للانتهازية والاسترزاق السياسي ومحاولة كسب منصب سياسي، أو حقيبة وزارية أو وظيفة في الدواوين أو وظيفة في القطاع العام أو تزكية انتخابية.  كأن الأمر شبيه بمحاولة مصارعة خصم قوي لا يقهر كلما صعد أحد المصارعين إلى الحلبة يكون مصيره معروفا منذ البداية لأنه لا يصعد إلى الحلبة، إلا  بنية الانهزام والاستسلام، أمام الخصم القوي، الخصم هنا بطبيعة الحال، هو المخزن، كي لا نقول الفاعل الملكي، لأن المؤسسة الملكية رغم مركزيتها في النظام السياسي المغربي، لكنها ليست الفاعل الوحيد في ما يسمى بالمخزن، ويمكن تعريف هذا الأخير بأنه البنية الحقيقية للسلطة السياسية في المغرب وتتكون في الغالب من فاعلين يظلون خارج الضوء لكن كل المشهد السياسي هم الذين يحركونه من خلف الكواليس، ونقصد بالخصوص، القصر  ، أي الملك وأعضاء ديوانه أي مستشاريه، ثم ثانيا النخبة الاقتصادية القوية ثم العائلات النافذة، ثم الشخصيات القوية في النظام كبعض جنرالات الجيش و  الشخصيات السامية. الأحزاب السياسية لما تصل إلى الحكومة هي مجرد كومبارس لا تدرك من يحرك الخيوط، لكن تكون مجبرة على اللعب وفق القواعد المرسومة والتي ليست أصلا مسجلة في الدستور ولا في القوانين التي يفترض بها أن تكون الإطار الواضح للممارسة السياسية، لكن تجد نفسها في دوامة السياسة بمعناها الميكيافيلي وليس بمعناها الليبرالي الحديث. فحتى بعد إعادة صياغة الدستور المغربي سنة 2011 لم يتغير شيء ذا بال، نعم لقد حدث تحول ما في المشهد، لكن الواقع الحقيقي ليس هو الواقع الموجود في الورق، مثلا تم تقوية رئاسة الحكومة دستوريا، لكن على مستوى الممارسة لم تترجم الأحزاب التي تولت مهمة قيادة الحكومة المنطوق الدستوري، فاستمرت الأمور كأن شيئا لم يقع، لأن هناك هوامش ونقط مبهمة في ممارسة السلطة في المغرب، بقدر ما هناك بنية تقليدية خارج النصوص القانونية التي تظل القوة الفاعلة الحقيقية في الحقل السياسي المغربي. وذلك تحصيل حاصل بطبيعة الحال، لأن النظام السياسي ترجمة للنظام الاجتماعي السائد، فلو تم مثلا تقوية الأحزاب وأخذت بزمام المبادرة كاملة فسيقع لا محالة خلل كبير في بنية النظام السياسي وستختل موازين القوى داخله وبالتالي المصير غير المعروف في مثل هكذا حالات. إذن السؤال الضمني الذي لا يطرحه المحللون هو : هل نحن أصلا في حاجة إلى أحزاب في المغرب ؟ وهل خيار التعددية الأحزاب أصلا مفيد بالمعنى السياسي في نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مثل الموجود في المغرب أو دول العالم الثالث؟

أكيد أن تحليلا علميا موضوعيا سيخرج بنتائج لن ترضي " أدعياء الديموقراطية " كما لن ترضي " أدعياء الاستبداد السياسي". فنحن في السياسة نتحدث عن الفعالية أكثر من مشاعرنا الرومانسية. لذلك فبدون تشقيق الكلام خيار التعدد الحزبي غير صالح بالمعنى السياسي في واقع السياسة المغربية، لعدة اعتبارات أساسية.

أولا لأنه يبلقن المشهد السياسي ويشتت الأحزاب والتيارات في إطار أطياف متعددة ومتصارعة، المثال ما يقع داخل الأحزاب السياسية من صراعات حول الزعامة والمصالح الشخصية.

ثانيا عدم فعالية الأحزاب لأنها متشابهة وليس هناك ما يميز بعضها عن الآخر وبالتالي نفور الجماهير من الانخراط في العمليات الانتخابية لأنها تعتبر أن كل الأحزاب متشابهة.

ثالثا عدم وجود حزب سياسي بالمعنى الفلسفي للكلمة ونقصد تيار سياسي وإيديولوجي صاحب رؤية تاريخية سياسية اقتصادية اجتماعية للمجتمع قادر على طرح مشروع سياسي ذو أهاف استراتيجية قريبة وبعيدة المدى، دولة ومجتمعا وحضارة.

أخيرا اللاشعور السياسي للمجتمع المغربي لا تناسبه الحزبية بمعناها الحالي لأنه تربى لقرون على نمط قائم على القهر والاكراه وبالتالي لن يستطيع أن ينسجم بين عشية وضحاها في لعبة ديموقراطية قائمة على الصراع والمنافسة، التي هي مهمة في النظام الديموقراطي، لكنها معيبة في الأنظمة السياسية الهجينة أو السائرة في طريق التحول الديموقراطي، لأنها تنهك النخب والمجتمعات والمؤسسات في خصم صراعات سياسية في غياب تام للفعالية، النموذج تونس حاليا.

ومن خلال هذه النقطة الـأخيرة فالمخزن في المغرب يفهم جيدا هذا المعطى، وبالتالي هو في ورطة مزدوجة، من جهة لابد أن يعمل على إنهاك الأحزاب والتحكم في الخريطة الحزبية، لأن كل تقوية لها هو تهديد له وتهديد لاستقرار النظام بشكل عام. ومن جهة أخرى ليس من صالحه قتل الأحزاب السياسية لأن قتل السياسة هو فتح لباب العدمية، الحاصل أنه في إطار مسلسل للإنهاك طويل الأمد، وحينما يستمر هذا المسلسل فإن ما يتقوى هو قيم الاسترزاق السياسي و الترحال والمصالح الشخصية.

vendredi 4 juin 2021

المسار السياسي لنخب العالم الثالث: نموذج منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا

 

رئيسي حكومة المغرب السابقين: عبد الرحمان اليوسفي وعبد الإله بنكيران

في العالم الثالث تسلك النخب السياسية بالخصوص مسار واضحا للتحول من النقيض إلى النقيض، وسنأخذ على سبيل المثال الماركسيين والاسلاميين. وسنأخذ كنموذج المغرب وهو دولة من منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، كان المغرب قبل استعماره من طرف فرنسا واسبانيا بلدا تقليديا خالصا، لان التقليد كان ميسم العالم القديم الذي عاشت فيه هذه المناطق قبل ولادة العالم الجديد ونزع السحر عن العالم، بفضل الحداثة. لكن مع دخول الاستعمار الذي رفضته هذه النخب من ناحية الإيديولوجية التي شرعن بها تدخله وهي الليبرالية، التي كانت النخب متوجسة منها ولو نادى بها البعض، لكن هذه النخب استفادت من تلك الحداثة التي وطنها الغرب وغير بها النسيج الاجتماعي لهذه البلدان. لا غرو إذن أن يكون العالم القديم الذي سبق الاستعمار ذو طابع تقليدي فحتى نخب تلك المرحلة كانت تقليدية في الغالب ذات منحى يركز على الدين والجماعة والشريعة. لذلك فكل تحول اجتماعي تكون نخبه مناسبة لعصره، بعد الاستعمار كان الماركسيون هم حملة المشروع الوطني الوحدوي العربي الاشتراكي، الذي سيقود التغيير ويقضي على "النظام الكومبرادوري "ويوطن الاشتراكية ويختفي استغلال الإنسان للإنسان، فكان هؤلاء يلقبون أنفسهم بالطليعة أي القادة الحاملين لمشعل " الثورة" والمؤطرين للجماهير. دخلت هذه النخب في صراع مرير ودموي مع النظام الملكي الذي يقوده الحسن الثاني آنذاك، في استنادهم إلى الوضع الاستراتيجي للعالم وحضور الاتحاد السوفياتي الذي شكل قوة دعمهم وسند لهم، ماذا سيحدث: فشل هذا المشروع الذريع، قبل حتى أن يسقط الاتحاد السوفياتي. إما النفي، أو اللجوء، أو القتل أحيانا. لكن مع سقوط جدار برلين أدركت هذه النخب أن مصلحتها هي أن تستفيد من حقها في الريع السياسي، لأن "الممانعة " ومحاولة البقاء في المعارضة والرغبة في الحفاظ على صفائها الايديولوجي، هو مقامرة ولن يعود عليها ذلك بأي مصلحة تذكر، فتم بذلك المصالحة مع العدو القديم ودخلت النخبة الماركسية في اللعبة السياسية في إطار ما سمي بمرحلة التناوب، لما شارك هؤلاء في الحكم – نقول مشاركة لأنهم لم يحصلوا على السلطة الفعلية التي بقيت بالفعل في أيدي القصر- فهمت هذه النخب أن تسيير الدولة يختلف جذريا عن طوبى الحصول عليها. فبدأت المخططات، وهنا بقدرة قادر ستتغير البوصلة السياسية لهذه النخب من النقيض إلى النقيض، ولا أدل على ذلك السياسات الليبرالية والنيو ليبرالية التي باشرتها وتطبيقها الحرفي لإملاءات البنك الدولي وخوصصة الكثير من القطاعات الحيوية. وبذلك بدأت هذه النخب من خلال احتكاكها بالمسؤولية والواقع، تتخلى تدريجيا عن خطابها الدعوي الايديولوجي وتفهم الواقع من موقع مختلف، لكن مكر التاريخ! فهذه النخب باشتغالها بهذا المنطق سقطت في تناقض رهيب مع خطابها القديم وبالتالي فقدت ثقة قواعدها وانتهت بالمعنى السياسي للكلمة. أما النخب الإسلامية فهذه شأنها أكثر سريالية، فهي بدورها تريد الحصول على السلطة لكن ليس بمنطق " التحليل الملموس للواقع الملموس" بل بمنطق" الحكم بما انزل الله" وهي طوبى أكثر تطرفا من الأولى، وبالتالي وظفت الكثير من رأسمالها النضالي في الطهرانية الأخلاقوية وغاب عنها المعطى الاقتصادي نهائيا. الذي حدث هو ان هذه الإيديولوجية كانت بالفعل قد صوبت الكثير من الخطاب الديني التقليدي الذي حمله السلفيون وظلوا أوفياء له ولم يتخلوا عن العنف الذي يعتبر جزءا مهما من الخطاب الديني، وحاولو بدورهم أن يحوزا على السلطة لكن بالعنف. التيار الاخواني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحين هذا التيار الفرصة حتى جاءت انتفاضات 2011 وكانوا هم أصحاب المشروع السياسي الذي استغل الظرفية وقفزوا مباشرة إلى قمرة القيادة دون أن تكون لهم أدنى فكرة عن الحكم وأمور الدولة انطلقوا من المساجد والنوادي الدينية رأسا نحو سدة الحكم، ما الذي وقع ؟ هنا تختلف الحالات ففي بعض الدول التي حصلوا فيها على السلطة التنفيذية بشكل شبه كلي حاولوا تغيير قواعد اللعبة منذ اليوم الأول، فأدوا ثمن تهورهم غاليا في مصر بالخصوص. في تونس وجدوا أمامهم تيارا مدنيا جد قوي، قبلوا باللعبة لأنهم أدركوا قواعدها بالإضافة إلى حصول نوع من التوازن بينهم وبين التيار المدني الذي استثمر فيه بورقيبة منذ الخمسينيات. في المغرب الذي يهمنا لم يستطيعوا اختراق ما يسمى في المغرب "المخزن "وهو الدولة العميقة التي تتكون من الملك ومحيطه والنخبة الاقتصادية القوية. ما الذي؟ وقع دخلوا بالفعل بتهور لكن البنية كانت عصية على الاختراق رغم كل المحاولات، فبدأت هذه النخب تستوعب الدروس ومع مرور الأيام تحولت من واقع طوباوي إلى إدراك الواقع الموضوعي. ما القاسم بين هاتين النخبتين؟ القاسم هو أن كلاهما صاحب إيديولوجيا انقلابية لم تنجح حاولوا تغيير البنى لم يهيمنوا على السلطة " تلبرلو Ils se libéralisaient " أي أصبحوا شيئا فشيئا يطبقون أجندات المؤسسات الدولية ويطبقون سياسات ليبرالية كالخوصصة وتشجيع الاستثمار والتخلي عن الوظيفة العمومية  والقبول أكثر بالحريات ، رغم أن ذلك كان من جملة هفواتهم السياسية حيث تورطوا في أكثر من قضية أخلاقية وانهارت صورتهم الطهرانية أمام قواعدهم.المستفاد من هذا الجرد هو المسار نحو الليبرالية كيف ترفضها النخب كطوبى وتتهافت عليها كممارسة كيف ناصبتها العداء لما كانت في المعارضة وكيف طبقتها بحذافيرها لما وصلت إلى سدة الحكم. تلكم إذن جزء من تحولات المشهد السياسي في العالم الثالث خلال نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الأولى.


mardi 12 janvier 2021

الصحراء المغربية: الصورة الكاملة

 



نضع الطرف الأول من الجملة كالتالي، الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، ثم بعدها نقول: مقابل استئنافه للعلاقات الدبلوماسية المعلقة منذ 23 أكتوبر 2000، حينما أغلق المغرب مكتب الاتصال في الرباط ونفس الأمر في تل أبيب احتجاجا على القمع الذي تعرضت له الانتفاضة الفلسطينية الثانية. إذن دعونا نحلل المسألة بكل تعقل لأن التناول المتشنج والعاطفي رافق الحدث. لذلك فالمغرب تعامل مع هذه القضية بمنطق رابح رابح، وهو أول درس لمن يريد الخوض في السياسة. ثم إن العلاقات كانت قائمة بالفعل بين المغرب وإسرائيل كما هو الأمر بين إسرائيل وكل الدول العربية الأخرى وبالدرجة الأولى تلك التي تدفع بالمشروع الإخواني الفاشل، ونقصد تركيا وقطر، الدولة الوحيدة التي تعلن العداء لإسرائيل هي إيران، واللافت أنه رغم العداء الظاهري إلا أن هناك تعاونا استخباراتيا وتعاونا في بعض القضايا أحيانا. هذا من جهة ومن جهة أخرى فالمغرب مادام يتصرف بمنطق المصلحة التي تميز القرار السياسي للدول وليس بمنطق العاطفة، إذن فلا أحد له الحق في لوم المملكة على قراراتها، ثم إن الشعب المغربي قد قبل الأمر ولم يعترض على ذلك، حتى القيادات الإخوانية التي كانت تشحذ الشارع بقضية فلسطين التزمت الصمت بل بدأت في تحضير المراسيم والإجراءات القانونية التي ستواكب هذا القرار السيادي ما داموا في موقع المسؤولية في الحكومة وفي البرلمان، اليسار  غير موجود ومشتت ومبعثر، خرجت مجموعة منهم للاحتجاج فتم تفريقهم في أقل من عشرة دقائق، العدل والإحسان صاحب الطوباوية الخمينية في المغرب اكتفت بإصدار بلاغ يتيم، أما الجمعيات ذات الخلفية اليسارية فبدورها أصدرت بضعة بيانات  لا ترقى إلى حجم وقوة الحدث التاريخي.  لكن هذه الأحداث الجزئية لما رافق هذا القرار، ومجرد الاكتفاء بتتبع الأخبار والتعليقات الصحفية المتناثرة لا يعطي الصورة الكاملة لما يحدث.

المغرب والاتجاه العام للتاريخ:

إسرائيل استطاعت أن تفرض نفسها بعد 72 سنة من الوجود على جميع الأصعدة والمستويات وكل دول العالم تعترف بها، ولها معها علاقات ديبلوماسية عادية، العرب في وقت ما من تاريخهم جعلوا القضية الفلسطينية قضيتهم، باسم العروبة تارة وباسم الإسلام تارة أخرى، فتجندوا لاقتلاعهما ورميها في البحر، كذا !  لكن مع الوقت فرضت هذه الدولة الفتية نفسها وهزمت العرب في 1967 هزيمة نكراء ساهمت في تشتتهم أكثر  كما انهزموا سنة 1973 كذلك وقدموا تنازلات ودفعتهم إسرائيل للتفاوض، لذلك لم ينجح هؤلاء القوميون المتعصبون في اقتلاع إسرائيل كما كانوا يحلمون، لقد انتهت الأيديولوجية العروبية الاشتراكية التي كانوا يتقاتلون من أجلها، والصراع كله كان مؤطرا بهذا الجو العام، أما محاربة إسرائيل باسم الدين فهو كذلك مصيبة أخرى تنضاف للإيديولوجية القومجية التي باءت بالفشل رغم أن الأيديولوجية الإسلاموية بشقيه السلفي والإخواني لم يكن لها نفس قوة الإيديولوجيا العروبية الاشتراكية. المغرب أنذاك في ذلك  الجو كان يغرد خارج سرب هذه الإيديولوجيات الطوباوية باختياره الحوار مع إسرائيل خاصة بفتحه لعلاقات مع إسرائيل واستدعائه لشيمون بيريز 1985 لزيارة المغرب، لكن ذلك القرار لم يعجب العساكر القومجيين فتوحدوا للقضاء عليه لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، إذن المغرب ليس في موقف إحراج من إرجاع علاقته مع دولة ديموقراطية هي إسرائيل مادام لم يكن يمني النفس في رمي إسرائيل في البحر، ولا بتأسيس جمهورية قومية عروبية اشتراكية في المغرب، الحسن الثاني كانت له رؤية سواء للمغرب أو للعالم العربي، وهو نفس الأمر للملك الحالي محمد السادس، إذن الحركة العامة للتاريخ كلها تذهب في اتجاه المشروع الغربي بقيادة أمريكا التي انتصرت بالفعل وتم القضاء على الإرهاب السوفياتي بسقوط جدار برلين، لكن بعض بقايا اليسار الستاليني لم تفهم ما حدث، الجزائر مثلا اليوم مازالت أحقاد الحرب الباردة تضرب بغشاوتها على عيون الجنرالات الذين يحكمونها، لهذا عدائهم وحقدهم على المغرب، ودعمهم لجماعة انفصالية تحمل نفس الطوباوية بإقامة دويلة عروبية اشتراكية على أرض أمازيغية.

الأهم كذلك في مسألة اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه هو أن القرار أخذ الوقت الكافي لينضج، وبالتالي تهاوي الإيديولوجية الانفصالية وتهافتها. وليس قرارا متسرعا اتخذ على عجل كما هو الأمر مع الكثير من القرارات التي كانت متهورة وغير ناضجة وهي الاستراتيجية التي تشتغل بها الدبلوماسية المغربية منذ أمد بعيد، فحتى استرجاع الأراضي الصحراوية أخذ وقتا وتم استفتاء الأمم المتحدة حول المسألة ولما أثبتت أنه كانت هناك روابط بيعة بين الصحراء و"الإمبراطورية الشريفة" عبر التاريخ، سارع الملك الحسن الثاني لتنظيم المسيرة الخضراء التي تخلصت من الاستعمار الاسباني لتلك الأراضي وبالتالي بداية الاعمار الحقيقي لهذه الجغرافيا.

في أصول نزاع الصحراء:

هذا النزاع المفتعل مازال قائما وشد الحبل هو بين المغرب من جهة والجزائر من جهة ثانية، فالمغرب بحكم الجغرافيا تعتبر الصحراء الأطلسية امتدادا طبيعيا له. عكس مثلا الأراضي الشائعة في الجارة الشرقية، التي كانت فرنسا وبحكم إيمانها بأنها صنعت دولة فرنسية في افريقيا، اقتطعت آلاف الهكتارات من المغرب غربا وتونس شرقيا ومالي جنوبا. أراضي شاسعة جدا. وقد فقد المغرب مثلا الكثير من أراضيه لأنه ناصر في البداية مقاومة المستعمر الفرنسي ورحب بالمجاهدين الجزائريين وعلى رأسهم الأمير عبد القادر، الذي لولا إصرار المغرب على مناصرته والترحيب به نصرة القضايا " المسلمين" ضد "الاستعمار الغاشم" لما تجرأت فرنسا على التحرش بالمغرب واقتطاف أجزاء واسعة من أراضيه في معاهدة لالا مغنية ثم استعماره فيما بعد وفتح شهية المستعمرين الآخرين لاحتلاله هي نتيجة القرار المغربي لمناصرة إخوته. ومن تلك الأراضي الصحراء الشرقية التي ترامت عليها فرنسا. ولما خرجت فرنسا من الجزائر وتغنت جبهة التحرير بانتصارها على الاستعمار لم تقم بالرجوع إلى حدودها الأصلية الموجودة قبل الاستعمار، لأنها في الظاهر تسب ملة الاستعمار وفي نفس الوقت ترفل في غِلته. هذا إن سلمنا جدلا بوجود دولة تسمى الجزائر قبل دخول فرنسا. لأنه والتاريخ هو من يؤكد ذلك لم تكن هناك دولة بهذا الاسم الاستعمار الفرنسي، لم يحتل الجزائر بل احتل أراضي الإمبراطورية العثمانية التي نصبت باياتها في الجزائر وتونس وليبيا. ولم تستطع تجاوز حدود الإمبراطورية المغربية. وهذه من الأزمات التاريخية المزمنة التي يعاني منها جنرالات جبهة التحرير الذين فقدوا كل المبررات لوجودهم في السلطة. لذلك بمنطق هؤلاء الذين يعتبرون قضية الصحراء المغربية "تصفية استعمار". لابد من إرجاع الأراضي التي اقتطفت من تونس ومالي والمغرب إلى أصحابها أولا قبل أن تتشدق بأسطوانة تصفية الاستعمار. وأن يتم إعادة رسم الخرائط من جديد. هذا من جهة ومن أخرى ومن خلال تحليل نفسي للاشعور السياسي لجنرالات الجزائر نجد هذه الأزمات النفسية تستوطن حيزا ضخما من لا وعيهم. وهو الأمر الذي يفسر سعارهم الشديد تجاه المغرب. وحول التاريخ دائما فإن الجزائر جنرالات وشعبا تحس بنوع من الحنين الرومانسي للملكية. بل إن هناك من يعتبر أن ملك المغرب يحكم رمزيا كلا البلدين ولا أدل على ذلك أن الكثير من السلالات الملكية التي حكمت المغرب. كان المغرب الأوسط وهو الاسم التاريخي للجزائر. تحت قيادتها مثل الأدارسة والمرابطين والموحدين. وكانت تلمسان مثلا مدينة تحت نفوذ الإمبراطورية المغربية.

إذن هذا القرار ليس إلا خطوة صغيرة من النظرة التي تسير بها الدولة المغربية نحو مستقبلها، ومستقبل المنطقة ومستقبل العالم. وذلك كله راجع بالأساس إلى عوامل أهمها موت الإيديولوجيا التي قامت عليها الدولة الجزائرية الحديثة، ثم انتصار منطق المصالح الاقتصادية والتكتلات الإقليمية على منطق الحروب والصراعات والتفرقة التي هي ديدن المتسلطين على رقاب الجزائر، وأخيرا التاريخ يقول كلمته ولا ينتصر إلا المنطق السليم والواقعي، أما السعار والغضب والأحقاد فتذهب جفاء.

vendredi 8 janvier 2021

ماذا بعد اقتحام مقر الكونغرس الأمريكي ؟

 


ما وقع يوم 7 يناير 2021 ليس بالأمر غير المتوقع. منذ أن صعد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، كان الأمر بمثابة كابوس للأوساط الأمريكية المتشبعة بالقيم الأمريكية. وقد تابعت سنة 2017 باهتمام بالغ خطاب الوداع الذي ألقاه باراك أوباما في شيكاغو، وكان منصبا بالأساس على مستقبل الديموقراطية في أمريكا. وهو الرئيس المثقف والذي يعرف جيدا معنى السياسة، وذلك راجع إلى امتلاكه للحس التاريخي. " المعتوه" ترامب، لا يملك تلك الخصائص، يقدم نفسه على أنه رجل ناجح وثري وذكي، لكن الحقيقة أنه على النقيض من كل ذلك، فمن عالم العقارات والتلفزيون، إلى دفة قيادة العالم. لقد كان المشهد سرياليا بكل معنى الكلمة، وهو يشبه صعود الفاشية في أوروبا خلال بداية القرن الماضي، من كان يتبع ما حصل في ألمانيا لما صعد هتلر عبر الصناديق، سيدرك الشبه الكبير بين الحدثين، الخصائص الشخصية للرجل البرتقالي تشبه تماما خصائص الفاشيين الذين أشعلوا الحرب العظمى. هتلر وصل إلى السلطة عبر الصناديق، نفس الأمر مع ترامب. وهذه الظاهرة مثيرة للاهتمام لأنها من أشد عيوب الديموقراطية، كنظام للحكم. حيث أن الديموقراطية تعطي الفرصة للمعتوهين والحمقى والمتطرفين ليقرروا في مصير الأذكياء. الجمهور الأمريكي أعجب بالشو   SHOWالذي كان يصنعه ترمب منذ الثمانينات. ولما حان دوره غاب العقل عن الجماهير فصوتوا لصالحه. ثم إن نظام المجمع الانتخابي، أسقط كل الأصوات التي منحت الأغلبية الديموقراطية لهيلاري كلنتون، وتم ضربت في صميم الديموقراطية انتخاب شخص غير مسؤول. فكان الضرر عظيما جدا على أمريكا نظاما وقيما ومجتمعا وبالأخص رمزا للحرية وسيادة القانون. ورغم فشل ترمب في كل المهمات التي وضع يده عليها لكن نجاحه الأبرز هو ضرب الديموقراطية في صميمها، وتقسيم المجتمع الأمريكي. وزعزعة صورة أمريكا في العالم التي ساهمت كل الحكومات الجمهورية في تلطيخ صورتها. فكان الديموقراطيون ينتخبون لإصلاح ما أفسده الجمهوريين. أوباما جاء ليخرج أمريكا من أزمة مالية عالمية ويرتب خريطة التدخلات الخارجية لأمريكا حارسة الديموقراطية. نجح في المهمة وكان على قدر كبير من الكياسة والمسؤولية. رغم الأخطاء التي ارتكبها. لكن صاحب التسريحة البرتقالية والمواقف المثيرة للضحك والاشمئزاز. قام بضجة هائلة كطفل هائج. وكل تاريخه الشخصي المليء بالفضائح والعنف. كان من بين الأسباب النفسية والسلوكية التي كانت توجه نظرته لنفسه وللعالم. وللنظر إلى ما أنجزه منذ أن أخذ دفة الحكم النتيجة صفر. انسحاب من العالم وترك الاعداء المتربصين يسجلون النقاط ويتمددون في الفراغ الاستراتيجي الذي تركه هذا الانسحاب، كأن هذا الشخص لم يقرأ ولو ورقة عن المفاهيم الاستراتيجية التي تحرك الدولة الأمريكية، نشر العنصرية وبث الكراهية عبر ربوع العالم وفي الداخل الأمريكي بالخصوص، التخلي عن المعاهدات الدولية، وعن الحلفاء الاستراتيجيين، محاولة صناعة شو سياسي من خلال القيام ببعض المبادرات كالتودد الوضيع لدكتاتور كوريا الشمالية الذي لا يخفي ترمب إعجابه به، إذلال أمريكا عبر التودد لبوتين. على مستوى تدبير أزمة كورونا كانت النتائج كارثية بكل معنى الكلمة. تصرفات بهلوانية في كل القمم التي حضرها. لكن الأتباع المتشددين لا يزدادون إلا هتافات باسم زعيمهم كأتباع متعطشين لمزيد من الحماقات. لكن الدراما التاريخية هي تلك التي حاول هذا الشخص جر أمريكا إليها وهي التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية، المماطلة المضحكة لإثبات عكس ما يقوله الواقع. وفي النهاية الفوضوية والعدمية وضرب الديموقراطية في الصميم. فكان العنوان هو إما تُلبوا طلبات الطفل الجامع أو أحرق أمريكا كما فعل نيرون لروما. هذا ما فعله هذا الشخص. هل أمريكيا مأزومة ؟ لماذا نجح واحد بهذه المواصفات؟ أهو مكر التاريخ ؟ في أوقات الأزمات يظهر مثل هؤلاء في مسرح التاريخ ليصبوا الزيت في النار ويشعلوا النيران ويبثوا الاضطراب والانقسام ؟ لأن التاريخ  كما يقول هيجل ؟ لا يتحول إلا في أوقات الحروب والأزمات؟ فمن يشعل تلك الحروب ويثيرها ؟ الحكماء ؟ بالطبع لا! القادة المحنكون! أبدا لا! من إذن؟ المجانين بجنون العظمة! المرضى والمضطربون سلوكيا ! هذا الرجل البرتقالي يمتلك كل تلك الخصائص. نعم لقد نجح بالفعل في بث الانقسام في الدولة والمجتمع. وفتح الجراح القديمة التي كادت تندمل. لقد قسم أمريكا ؟ وضرب صورة أمريكا في مقتل. هل تستعيد أمريكا عظمتها كما كان يدعي؟ شعاره يحمل حقيقته. فالقول بأن أمريكا ليست عظيمة ولابد أن تسترجع عظمتها، هو غباء سياسي.أمريكا قوية بالفعل بل من الأولى أن تبقى عظيمة. ولكن ما قام به هو جعل أمريكا مضطربة من جديد. لقد خلق أجواء الحرب الأهلية بكل تفاصيلها. هل يستطيع بايدن ترميم ما خربه العجوز الأحمق. لا أظن ذلك لأن الخسائر هائلة. لكن نتمنى أن تعود الأمور إلى عهدها لأننا نؤمن بأمريكا كَقيم. ولابد أن تستمر تلك القيم .

vendredi 23 octobre 2020

طوماس هوبز والثورة السورية

 


شكل القرن 17م نقطة تحول في تاريخ أوروبا وفي تاريخ الإنسانية عموما حيث تم الانتقال بالتدريج من قرون الظلام الوسطوية إلى عصور الحداثة هذه الأخيرة التي تظافرت مجموعة من العوامل في بلورتها وكشف جوهرها، أهمها: الاكتشافات الجغرافية والتقدم العلمي والاصلاحات الدينية. إنها بالتالي ملامح النهضة الأوروبية التي سيتم السير عليها. والتي لم تأت بطبيعة الحال في آن واحد لأنها كانت. عملية تاريخية تبلورت عناصرها وملامحها الكبرى شيئا فشيئا. وفي هذا السياق بالضبط شهدت المجتمعات الأوروبية تحولات جوهرية في المجال السياسي، وظهرت مجموعة من الاضطرابات السياسية والتحولات الجوهرية جعلت يراع الفلاسفة والمفكرين ينبض من أجل القبض على روح العصر وترجمة فلسفة توافق الآمال الشعبية وترسم الخطوط العريضة للحداثة الشاملة، خاصة السياسية منها. وفي هذا الإطار ظهرت النظريات السياسية التي تطورت في مجال الفكر السياسي،لتقترح بلورة تأسيس ميتافزيقي إن صح القول للدولة بمفهومها الحديث، كصيغة مثلى تعبر عن الاجتماع البشري. وقد بدأ الفلاسفة في بلورة تصورات تقترح النظام السياسي الملائم للشعوب، تتجاوز من خلاله أشكال المشروعية السياسية التي كانت تنهض عليها الدول،خاصة المشروعية الدينية التي كان الملوك يؤسسون عليها سلطاتهم باعتبارهم ظلال الآلهة على الأرض وحقهم المقدس في ممارسة السيادة على شعوبهم. لكن التحولات التاريخية التي ظلت مستمرة فرضت بلورة تصورات سياسية جديدة تؤسس للاجتماع البشري على أسس تتجاوز الأشكال القروسطوية القديمة وتعبر عن الراهنية التاريخية التي أصبحت شيئا فشيئا تتخلص من الحضور الإلهي، والعناية الإلهية حيث بدأت روح الحداثة تعطي للإنسان المركزية مقابل عالم الألوهية الذي أصبح مفارقا ومنفصلا عن العالم. وهذا ماظهر في فلسفة ديكارت باعتباره أب الحداثة بامتياز،حيث فصل الذات الإنسانية عن التأسيس الميتافزيقي اللاهوتي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، وبوأته بالمقابل الصدارة والمركز باعتباره ذاتا مفكرة وبالتالي انكشاف عنيف للأنا مقابل تواري الآلهة وصعودها إلى السماء أو استقرارها في المجالات الخاصة، أي في قلوب المؤمنين بها. وهو مافرض على التفكير الفلسفي النظر إلى المجتمع على أساس جديد، عليه تتأسس السيادة ومشروعية السلطة. وفي هذا الإطار بالذات بدأت الفلسفة ترسم الوجه الجديد للمدنية الحديثة خاصة مع الثورات المتتالية، والصراعات الدينية الدموية، وظهور القوميات الأوروبية التي ستفرز "الدولة-الأمة " كمفهوم جديد داخله تتبلور الحياة الاجتماعية للشعوب، وبالتالي انهيار الإمبراطوريات القديمة وتشكل أوروبا الحديثة. إن الاجتماع السياسي باعتباره ضرورة وجودية، لا يتأسس إلا على تنظيم عقلاني محكم يستمد المشروعية من داخله لا من خارجه، هنا المحايثة باعتبارها المنطق الذي يسود، سواء في العلم أو الدين أو الفلسفة وحتى في المجال السياسي. وعليه فقد أصبح «العقد الاجتماعي» النظرية الأساس التي يجب أن تتأسس عليها مشروعية الدولة، وهي من مفرزات العقلنة والتحديث التي انخرطت فيها أروبا، لكن الوصول إلى تعاقد اجتماعي مكتمل كما نراه اليوم في الدول الديموقراطية،لم يكن ليتأسس دفعة واحدة،لكن جاء بالتدريج. لهذا نجد العقد الاجتماعي باعتباره أساس قيام الدولة الوطنية في أوروبا، كان في البداية يستوجب قيام سلطة الدولة على عقد واتفاق بين الحاكم والأفراد، مقابل توفير "الأمن والسلم ". لأنه في الأدبيات السياسية لا يمكن تدشين التقدم المجتمعي في ظل عدم الاستقرار وفي ظل انتشار العنف والاقتتال. تقوم الدولة لتوفر الأمن والسلم، عقد ذو بند وحيد، التنازل عن الحرية الطبيعية، التي تترجم القتل مقابل توفير السلم والأمن. وهو الطرح الفلسفي الذي بلوره الفيلسوف الانجليزي طوماس هوبز في كتابه الشهير "الليفيتان "، مؤسسا بذلك لأول تنظير في المجال السياسي ومدشنا لنظرية العقد الاجتماعي التي ستتطور بعد ذلك مع فلاسفة آخرين خاصة اسبينوزا وجون لوك وجون جاك روسو. إن حديثنا هنا سينصب على طوماس هوبز، نظرا لراهنية أطروحته فيما يتعلق بالظروف التاريخية التي يمر منها العالم الاسلامي اليوم،خاصة دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا على وجه التخصيص، التي تشهد ولادة تاريخ جديد. وبالنظر إلى بعض الدول التي تشهد دمارا شاملا وتشكل بؤرة تحول جيوبولوتيكي، اتضحت خيوطه الكاملة، بعدما خرج الفاعلون الذين كانوا يدبرون في الخفاء إلى العلن، لزعزعة الأوضاع في المنطقة باسم «الديموقراطية » و »حقوق الانسان » و "التغيير" الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط تفترض من الشعوب التي تعيش هذه المأساة أن تؤسس لرؤية ثاقبة تستقرأ وضعها التاريخي من أجل أن تبني أوطانها بإرادتها الحرة وتصنع قدرها التاريخي بكل وعي ومسؤولية إن ما تشهده سوريا اليوم يؤكد بالملموس أن الفرضية التي وضعناها في البداية صحيحة بشكل كبير، والتي ترى أن الفاعلين الحقيقيين وراء الحراك الشعبي السوري، وظفوا معاناة السوريين وغضبهم من أجل تخريب الدولة السورية، سعيا وراء مصالحهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، لاحبا في سواد عيون السوريين و لابد هنا من التمييز بين النظام السياسي الحاكم، والذي نتفق جميعا على تسلطه و دكتاتوريته، وبين الدولة، كشكل من أشكال التنظيم العقلاني للمجتمع، لهذا فإننا إذ نؤكد على وجوب تحقيق الديموقراطية في سوريا،ديموقراطية حقيقية تتجاوز الشعارات التي جيش بها أعداء سوريا، السوريين على الدولة، نؤكد بالمقابل أنه لا يجب تخريب الدولة باعتبارها تجسيد مطلق لفكرة أخلاقية، كما قال بذلك فردريك هيجل إن أفضل حل لما يجري في سوريا من اقتتال، هو خلق تعاقد اجتماعي بين الدولة والشعب السوري. فمطلب السوريين هو عودة الأمن الى شوارعهم وأحياءهم، وعودة العائلات إلى بيوتها من أجل الحصول على قليل من الدفء، وتوقف حمام الدم الذي استمر لسنوات، كذلك توقف لعلعة الرصاص، ودوي الانفجارات المتتالية، وخروج جماعات الدم العابرة للحدود من تربة الشام الطاهرة. لهذا وجب التفكير بواقعية، والواقعية في نظري تقترض التنازل من كلا الطرفين، لعودة السلم، لهذا وجب على السوريين عقد مصالحة وطنية شاملة، وتطهير البلاد من جحافل الارهابيين، وضرورة التمييز بين الدولة كمؤسسات وبين النظام السياسي الحاكم. لهذا نتمنى أن تتبلور تصورات سياسية واضحة تستفيد من التاريخ وتتجاوز منطق الولاء والطائفية، وتستحضر الواقعية باعتبارها الجوهر الأساس في السياسة. لأن تعنت الأطراف لن يؤدي إلا إلى زيادة تأزيم الأوضاع والقضاء على ما تبقى من الدولة. إن السوريين شعب حباه الله بالغنى الحضاري والثقافي، وبلاد الشام هي مهد الحضارة الإنسانية، لكن تعنت النظام السياسي من جهة، وتكالب الدول العربية والقوى الدولية، جعل هذه الأرض الطيبة تسقى بالدماء لمدة تزيد عن ست سنوات، فمتى تنتهي المأساة، ويعود الاستقرار؟ لكن أكيد أن هذه التجربة التاريخية سيستفيد منها الشعب السوري وستنهض سوريا من جديد دولة ديموقراطية قوية.

المقال منشور بموقع رأي اليوم

 

 

 

 

 

 

 

الفرسان الثلاثة

 


العالم اليوم يعيش لحظة تاريخية صعبة، يكفي فقط قراءة التاريخ بعين الفيلسوف واستحضار منطقه، الذي يفجر الأحداث، وتلك الانفجارات التاريخية إن كانت أسبابها متعددة ومختلفة فإن من يكون السبب في تفجيرها في الغالب هو جنون العظمة.خلال هذه الألفية تقوت الرأسمالية فأصبحت وحشا يهدد وحدة العالم، بل إن الاقتصاد أصبح العصب الذي يحرك التاريخ الراهن. لذلك فإن السعي المحموم نحو السيطرة والنفوذ والهيمنة والتنافس غالبا ما يؤدي إلى اصطدام الإرادات التي تكون في الغالب قومية مجتمعية وثقافية أيضا. لكن لا يمكن رغم ذلك أن ننفي إرادة الأفراد الذاتية وهو ما يؤدي كما يقول هيجل بصناعة التاريخ ولكن وفق الشروط التي يريد هو. إنه مكر التاريخ!هذا المكر الهيجلي هو الذي يدفع الأشخاص نحو صناعة التاريخ. واليوم هناك ثلاثة فرسان، سيفجرون اللحظة الزمنية ويرفعون من وتيرة الأحداث. ليأخذ العالم شكلا جديدا أو ربما اختفاءه من الوجود، وبالتالي اختفاء هذه الإنسانية التي ما فتأت تدعي لنفسها الذكاء والتفوق بكل استعلاء وخيلاء. هؤلاء هم زعماء ثلاثة دول نووية ولابد من التسطير على كلمة نووية لأن ذلك هو ما سيعطي لكل انفجار للأوضاع بعدا أبوكالبتيكيا مهولا ما فتأ الفن والأدب يعلن عنه منذ مدة.الزعيم الأول هو زعيم أقوى بلد في العالم وقد جاء ليعيد ل «أمريكا عظمتها» وبالتالي فشعاره هو « أمريكا أولا » وهي دعوة قومية وطنية متطرفة تذكرنا بالدكتاتور الذي فجر عالم القرن 20 وهو أدولف هتلر. دونالد ترامب رجل الأعمال الذي دفعت به اللوبيات الرأسمالية، إلى اعتلاء عرش الولايات المتحدة الامريكية أقوى بلد في العالم. شكل فوزه صدمة لدى الكثيرين، لما تتميز به شخصيته من غطرسة وجنون عظمة وجشع، حيث شعاره المال والربح ولو كلف ذلك الأمن الدولي والأممي، إنه بتعبير مشيل أونفراي » رمز الرأسمالية المترهلة » ووجهها الأكثر تعبيرا عنها. وقد كان منذ حملته الانتخابية محط جدل دائم، خاصة أنه ضغط على وتر العنصرية، واستثار المشاعر القديمة لدى البيض ودافع بقوة عن المصالح التجارية لأصحاب الرساميل، ولم يكن قط وليد إيديولوجية واضحة المعالم، خاصة في زمن أعلن فيه البعض "موت الإيديولوجيا "، اللهم إيديولوجيا السوق الرأسمالية المتوحشة العابرة للقارات. وتعتبر سمة جنون العظمة أهم سمة تجعل منه فارسا قادرا على الدفع بالعالم نحو الكارثة.الزعيم الثاني هو وجه رأسمالي آخر، لكنه رجل سياسة بامتياز، لأنه ابن الاتحاد السوفياتي ووريث سرها وكعيد امجادها، والباحث عن عودة عظيمة للإمبراطورية البائدة. والتي في نظره لم تضع كما يتصور البعض. وبالتالي فلابد من إعادة تقسيم العالم ونزع السطوة والهيمنة ممن سطوا على الوجاهة والزعامة العالمية، وهو نفسه شخص مجنون ولكنه ذكي ومخادع وماكر في الآن نفسه. ربما لأنه ابن أخطر مخابرات العالم الكاجي بي. كما انه قادر على الدفع بالعالم نحو نهايته إن اقتضى المنطق القوة لنزع الاعتراف.المجنون الثالث هو أيضا وريث جمهورية ستالينية في آسيا، هذه الجمهورية التي عاشت مائة عام من العزلة، لذلك فقد وصلت بها الظروف إلى لحظة هذيان أو انفجار لأنها لا تحتمل المزيد من تلك العزلة القاتلة، لاسيما وأن جارتها في الجنوب التي اتجهت نحو المعسكر الغربي منذ البداية، تحقق تحت قدميها انجازات عظيمة وتحولت إلى قوة اقتصادية عالمية في ظرف وجيز، وهو ما شكل لها عقدة. لأنها ورغم افتخارها بأن القلعة المنيعة عن الرأسمالية، فإن ظروف العالم لم تعد تناسبها، لذلك فإنها قد تفجر هذا العالم وتفجر الأخضر واليابس، مادامت لا تستفيد من شيء وتريد أن تفرض نفسها على الساحة الدولية ولو برؤوس نووية عابرة للقارات ترسلها إلى البحر من حين لآخر، ليتحدث عنها العالم، ولتظهر له انها موجودة وتزهو بجنونها. ويقودها «زعيم خالد وملهم وقائد الشعب العظيم» وهو الشعار الذي يلقن لساكنيها في المدارس ومن لم يكرره يموت على الفور !وما يميز هذا الزعيم هو أنه ينتمي إلى طائفة المجانين وهو الفارس الثالث من فرسان العالم الثلاثة. آن هؤلاء الثلاثة هم أخطر ثلاثة مجانين اليوم، لأنهم يقودون دولا د واحدة في امريكا والأخرى في آسيا والاخيرة في أوروبا.هذه مجرد تأملات في وضعنا الراهن. والتاريخ وحده هو الحامل للجواب.هل نستمر أم نفنى؟

 

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...