Affichage des articles dont le libellé est LA CULTURE ISLAMIQUE. Afficher tous les articles
Affichage des articles dont le libellé est LA CULTURE ISLAMIQUE. Afficher tous les articles

mardi 28 juin 2022

مقتل إيمان ونيرة : الأسباب وراء العنف ضد النساء في العالم الإسلامي

 


العنف ضد النساء هو قضية كونية، لا ترتبط بمنطقة دون غيرها، وقد أصبحت من القضايا الكبرى في عالمنا المعاصر، وكما قال ماركس " فالإنسانية لا تطرح إلا الأسئلة التي يجب أن تجيب عنها."، مسألة المرأة مسألة على الإنسانية الإجابة عنها لذلك لا بأس إن ارتفعت الأصوات بين مؤيد ومعارض لحقوق النساء. لكن دعونا نتحدث عن النساء في العالم الإسلامي، لأن قضيتهن مركبة بشكل كبير تتفاعل فيها العوامل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. وفي نظرنا أن العوامل الأخيرة هي السبب الأعمق لكمية الكراهية تجاه النساء، وذلك لأن أسس كل ثقافة هي أخلاقها وقيمتها، وهذه المنطقة من العالم تدين بالإسلام، ودعونا نفتح المراجع الكبرى في الإسلام من قرآن وسنة واجتهادات فقهية، سنجد تراكما عظيما من النصوص التي تؤكد كلها أفضلية الرجال على النساء بدءا بالقرآن وصولا لفتاوى الفقهاء. رغم أن القرآن في كثير من آياته جاء لتحرير النساء من الحجر والظلم، لكن الفقهاء الذين يمثلون السلطة المعرفية والرمزية، التي نصبت نفسها حارسة معبد الدين والكهنوت، ترفض رفضا قاطعا فتح هذا النقاش، وما كمية الصراخ التي يصدرونها كلما حاولت امرأة ما أن تتحدث إلا دليل على ضيق الأفق وعدم القدرة على النقاش بهدوء لأن العاطفة والأهواء الدينية في تلك اللحظة تطفآن نور العقل وعدم النظر في المسائل بميزان المنطق لأن بدونه لا يمكن الخروج برأي موضوعي حول هذه القضية. أكتب حول هذه القضية لأنه في بحر هذا الأسبوع جريمتان بشعتان هزتا الرأي العام في منطقة الشرق الاوسط، الأولى وقعت في جامعة المنصورة في مصر لما حز شاب عنق فتاة بعد أن وجه إليها الكثير من الطعنات. قبل أن ينقض عليه المارة ولولاهم لما سلخ الجلد عن اللحم. الجريمة الأخرى البشعة وقعت في الأردن لما دخل ملثم حرم الجامعة وأفرغ مسدسه في جسد فتاة وأطلق ساقيه للريح. نموذجان خلقا الكثير من الجدل حول الأسباب والدوافع. لفهم الظاهرة لا بد من استحضار ما ذكرناه سابقا، فالصور الذهنية والتمثلات التي من خلالها يشتغل العقل الجمعي في العالم العربي مليئة بالصور السلبية المشيطنة للمرأة بدءا من القصة الإبراهيمية حول حواء وصولا الى التأويلات الفقهية المعاصرة. كم كبير من الكراهية للمرأة وجسدها، وصوتها، وحريتها وحقوقها. هذه الصور هي التي تغذي المخيال الفردي الذي يحكم سلوك الفرد. وهؤلاء القتلة الذين قاموا بهذه الجرائم البشعة بكل فضاضة وكراهية كانوا مدفوعين بدوافع شخصية بطبيعة الحال ولكن السند الرمزي والثقافي لهذا العنف مازال الفقهاء يدافعون عنه بشكل كبير، وكل دعوة لفتح النقاش حول هذه القضية تواجه بالتخوين والشيطنة والعمالة للغرب الكافر !

jeudi 18 novembre 2021

خرافة التعدد الثقافي في المغرب

 

سقف قصر الباهية بمراكش ذو الزخارف المغربية المميزة

التعدد الثقافي معناه تعدد الهويات والثقافات في وطن واحد. أو في داخل حضارة واحدة أو في العالم أجمع. وهو ميسم العالم بالفعل وتلك سنة كونية خلاقة لا جدال فيها ولا خصام! بل يجب حمايتها والدفع بها. وقد ترسخت هذه الفكرة في المغرب في دستور   2011 خاصة في الدباجة حيث يقرر بان " المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية- الإسلامية والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية، والأندلسية، و العبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء." وذلك كان بفصل نضالات الحركات الثقافية في المغرب التي سعت لتجاوز النظرة التي تؤسس عليها الدولة شرعيتها منذ إدريس الأول وهي ثنائية الإسلام والعروبة. لكن الحقيقة أن القول بالتعدد اللغوي في المغرب محض خرافة، لأن المغرب ليس بلد متعدد الثقافات رغم أن ذلك لا ينقص من قيمته شيئا، بل هو بلد متعدد الأصوات واللهجات، لأن الحياة الاجتماعية اليومية تختلط فيها لهجات المغاربة وأصواتهم. والقول بأن المغرب متعدد ثقافيا معناه أن هناك ثقافات مستقلة بنفسها، تشكل منظومة من الرموز، والأساطير، والفنون، والعادات. والتأكيد على التعدد هو نسف مبطن للوحدة. والصحيح أن المغرب متعدد لسانيا وليس متعدد ثقافيا، قد يعترض معترض قائلا: أليس هذا التعدد اللغوي مظهرا من مظاهر التعدد الثقافي، الجواب هو بالنفي لأن تعدد اللهجات في المغرب سببه الأساس، اختلاف الجغرافيا، بين سهل وهضبة وجبل. وصحراء. وكل منطقة جغرافية مخصوصة بخصائص متفردة، فأن يتكلم مواطن ما بلسان جبالة، أو بلسان الريف، أو بلسان سوس، أو لسان درعة. ليس معنى ذلك أنه حينما يعبر، يعبر عن أربع ثقافات. بل هو يعبر عن ثقافة واحدة بلسان مختلف. إذن ما هو محدد الثقافة المغربية؟ الجواب مباشر وبسيط: تمغرابيت  ! و  ما معنى تمغرابيت؟ معناها توليفة من العناصر الثقافية التي تشكلت في منطقة جغرافية، تعتبر منطقة عبور تاريخية، بين أوروبا شمالا وإفريقيا جنوب الصحراء جنوبا، وآسيا شرقا، ومادامت منطقة عبور فهذه وعاء حضاري لكل المزيج الثقافي الذي مر من المنطقة.  وهنا لابد من نسف خرافة أخرى، هي الخرافة التي يروجها أصحاب الأصالة الثقافية، سواء من يدعون الأصالة الوافدة أو دعاة الأصالة المحلية. وهو القول بماهية ثابتة للهوية والثقافة المغربية، ويبحث عن عنصر هو محور ذلك التعدد الظاهر الذي لا ينفونه كي يمنحوا ادعاءاتهم المصداقية المزيفة.  فلا وجود لتلك الماهية الثابتة، اللهم إن سلمنا بأن في المغرب ثقافة محلية أصلية وهذه مسألة لا ننكرها بتاتا، بل هي حقيقة تاريخية لم تستطع حملات الطمس المتواصلة منذ ألف ونصف الألف من السنوات، اقتلاعها، نعم استطاعت تهميش تلك الثقافة الأصلية، بشكل كبير، لكن أن تطمسها فلم يكن ذلك في المستطاع، لأن المغربي ولو أظهر احتقاره لثقافته المحلية واحتفل بثقافة الآخر الأجنبي، إلا أنه في قرارة نفسه المضمرة، يظل وفيا لها. حتى أنه لا يستطيع نفيها بالمرة، وهذا ما حدث للثقافة المحلية الأمازيغية بالخصوص، التي تصادمت مع موجات الاستعمار المتوالية على الشمال الافريقي منذ ما قبل التاريخ: الآشوريون والموستريون والعاتيريون والإيبروموريسيون مرورا بالعصر القديم، مع الفينيقيين والبونقيين والرومان، ثم الوندال، ثم القوط الغربيين فالروم البيزنطيين. وصولا للعصور الوسطى حيث وصل الغزو الإسلامي العربي، وتوالت السلالات التي اتخذت ثنائية العروبة والإسلام إيديولوجيا للحكم رغم أن كل السلالات كانت أمازيغية محلية، لكن مادام المغرب مرتبطا بالشرق فقد كانت الضرورة السياسية تقتضي الارتباط بالمشرق العربي، وهكذا تناوب على عرش المملكة، الأدارسة ثم المرابطون ثم الموحدون ثم المرينيين فالوطاسيين فالسعديين فالسملاليين فالعلويين.  ثم أخيرا الاستعمار البرتغالي ثم الإسباني ثم الفرنسي. لذلك ظلت تلك الثقافة المرجعية حاضرة في النفوس وهي الارتباط بالأرض والجغرافية، وهي كما قلنا سابقة ليس ماهية ثابتة، بل هي متحولة ومتداخلة، قادرة على إلحاق البشر بأصلهم الحقيقي وهو الطبيعة.

من خلال ما سبق يتبين لنا أن هذه الخرافة التي تم التأسيس لها، لا تنسجم مع واقع المجتمعات التي تشهد بالفعل ثقافات متعددة، لكن المغرب هو شعب وثقافة واحدة، نؤكد على وجود هوية محلية أصلية استوعبت العناصر الوافدة في نسيجها، لذلك فنحن نؤكد على أن الثقافة المغربية تتضمن كذلك العنصر الفرنسي والبرتغالي والاسباني في نسيجها، ومن يدعو لذلك، فالتهمة سترتد عليه لامحالة.

vendredi 23 octobre 2020

صدام الحضارات وأزمة العالم الإسلامي

 


خلال القرن19م، اتجه العالم الغربي أو الحضارة الغربية إلى التمدد والتوسع على حساب الثقافات الأخرى، وذلك راجع إلى حتمية هذا التوسع مادام أن فلسفة التاريخ تعلمنا، أن كل حضارة تحس بالقوة، إلا وتكون تبعات ذلك رغبة هذه الأخيرة في التمدد. وهو نفس المنطق الذي يحكم قوانين الفيزياء. وقد ظهرت على إثر ذلك النزعة الاستعمارية الغربية، وبدا العالم الغربي الأوروبي، الذي دشن الحداثة وأصبح راعيها بدأ في فرض قوته وإعلان نفسه كمحور، واعتبر باقي الثقافات هوامش وأطرافا. وقد انصاعت بعض الثقافات لهذه الهيمنة الغربية، بينما أخرى واجهت الاستعمار ورفضت الحداثة التي ظلت مرتبطة به، لأنها تمثل في نظرها تهديدا لكيان الثقافة، وأنا أستعمل هنا كلمة الثقافة بالمعنى الشاسع للكلمة والذي يمثل كل العناصر التي تدخل في تنظيم جماعة من الأفراد داخل تصور هوياتي معين وتفاديت استعمال كلمة حضارة، لأن هذا المفهوم يدل على مجال أوسع هو المجال الإنساني وبهذا المعنى فليست هناك سوى حضارة وحيدة هي الحضارة الإنسانية، في إطار تعدد الثقافات. وربما هذا هو الهاجس الذي وجه هذه الورقة منذ البداية. إن الدول التي كانت محط أطماع الغرب خضعت بالفعل للاستعمار، إما بدعوى رغبة هذه الدول في تحديث و نقل الحداثة الى الاخر  » المتخلف » و »البدائي »، أو بدعوى استغلال الخيرات التي تتوفر عليها هذه الدول، رغم أن هذا الهدف الأخير لم يتم الترويج له صراحة، بقدر الأول، وهو ما حدث بالفعل مع الحضارات القديمة، كحضارة الشرق الأوسط وشمال افريقيا،وآسيا حيث دخل المسلمون في مواجهة مباشرة مع الغرب، انطلاقا من رغبتهم في فرض ذواتهم ومواجهة الثقافة التي تهددهم،أما الثقافة الآسيوية فقد استوعبت الدرس منذ البداية ، وذلك من خلال انخراطها في الحداثة واستلهام جانبها التقني والعلمي، وبالموازاة الحفاظ على كيانها الثقافي والهووي،كما حدث مثلا مع اليابان التي دشنت، ثورة الميجي بداية النهضة الحقيقية فيها، اما الصين بدورها فلم تسلم من اختراق الحداثة لها، لكن في النهاية ستستوعب الدرس بدورها فتدخل في المنطق الكوني للحداثة في إطار الاحتفاظ بخصوصياتها الثقافية.لكن الحضارة الاسلامية لن تستوعب الدرس للآسف، لأنها انطلاقا من النظرة التي كونتها عن نفسها، لم تستطع الانسلاخ من التمركز حول الذات الذي استمر منذ الثورة المحمدية وظهور الإسلام، فرغم واقع التخلف الذي استمر منذ القرن 13 م. إلا أن المسلمين لم يستطيعوا استيعاب الدرس فظلوا يواجهون الثقافة الغربية، بدعوى الحفاظ على هويتهم، وإعادة الزعامة إليهم، لأن الله »اختارهم » أن يكونوا أسياد العالم، ولم يدخلوا بذلك في منطق الحداثة وآلياتها كما فعل غيرهم من الروس والصينيين واليابانيين، وهو الدرس الذي بدأت بعض الدول الاسلامية في شرق آسيا تستوعبه،كأندونيسيا وماليزيا وسنغفورة مثلا التي تشكل نموذجا للدول الإسلامية الرائدة.لكن مقابل ذلك فإن أوضاع مسلمي الشرق الأوسط وشمال افريقيا تنذر بمزيد من التخلف والتأزم. فهؤلاء لا يريدون أن يفهموا منطق التاريخ، وينخرطوا في الحداثة الكونية، فأصبحوا بذلك أشبه مايكون بدونكيشوته في صراعه مع الطواحين الهوائية، فهم يصارعون طواحين التاريخ والحداثة بسيوفهم الخشبية! لهذا نجد أن التأخر في فهم التاريخ والانتماء إلى العالم يحكم على مسلمي الشرق الأوسط وشمال افريقيا بمزيد من الانعزال والتأخر، تنتج عنه أزمات لعل أهمها الحروب والصراعات الطائفية والارهاب. لدى فقد حان الوقت للانخراط في الحداثة الكونية، لأنها قدر وليس اختيارا. والخروج من العزلة الكونية التي تزداد حدتها مع الوقت وتظهرنا للعالم كأننا مصاصو دماء وقتلة وارهابيين بدون استثناء، وأصبحت كلمة مسلم تترجم في مخيال سكان الأرض بالارهابي الدموي.

نحو إصلاح ديني للإسلام

 


إن إصلاح المجتمعات العربية لن يتأتى دون إصلاحات مهيكلة مرتبطة بمجموعة من القطاعات، ولعل أهم مجال لابد له من الإصلاح هو المجال الديني، فأشكال التدين الموجودة اليوم داخل هذه المجتمعات ليست شكلا ناجزا ومطلقا من التدين، بل هو رؤية أو مجموعة تصورات فقهية تبلورت في سياقات تاريخية واجتماعية معينة. لهذا نجد أن هناك اتجاهات وفرق وجماعات واتجاهات وفلسفات دينية. إن كل تغيير حقيقي، لا يأخد في عين الاعتبار هذا المعطى، لا يمكنه أن يحقق كبير نتائج، لأن الحل المناسب لتجاوز الانسداد التاريخي الذي تعانيه الحضارة العربية، التي انهارت منذ الزحف المغولي على بغداد وتدمير مكتباتها، وتبلور فكر فقهي متزمت بعد ذلك، والذي ترتكز عليه جماعات الإسلام السياسي، والجماعات الارهابية التي تضرب بقوة في جهات العالم الأربع. فالتغيير لن يتأتى مطلقا، باستلهام قيم الماضي المتخلفة، بل إنه مرتبط دوما بالسير والتقدم نحو الأمام،لهذا شاهدنا أن أروبا لم تكن لتحقق تقدمها، لولا الإصلاح الكبير الذي قام به الراهب الألماني مارتن لوثر، الذي جاء في فترة شهدت فيها الكنيسة الكاثوليكية في روما أزمة كبيرة وتوحشا بلغ حد بيع صكوك الغفران للأوروبيين البسطاء،و تأسيس محاكم التفتيش الجهنمية، التي كانت تتفنن في تعذيب وقتل كل فكر حر وجديد، لا يطابق التعاليم المتكلسة للرهبان والقساوسة ورجال الكنيسة، حيث أصبح الدين الذي ظهر مع المسيح كدين محبة ولطف، دينا عنيفا يقتل ويعنف، لأنه اختلط بما هو سياسي ودنيوي، فانصرف رجال الدين عن الغايات الكبرى والسامية للدين وهي تحرير الإنسان وإعطاء المعنى الوجودي، انصرفوا إلى كسب المال ومحاربة كل تجديد وتفكير، فكان الإصلاح بذلك في أعظم ثورة ستشهدها الكنيسة،حيث سينقسم المسيحيون إلى كاثوليك وبروتستانت.إن الإصلاح الديني إذن، لحظة أساسية يجب أخذها بعين الاعتبار في عملية بناء المجتمع والدولة الحديثة في مجتمعاتنا،لأن كل إصلاح لابد له أن يرتبط بإصلاح العقل أولا، والعقل الاسلامي، دخل مرحلة أزمة عميقة، أصابت مقولاته الأساسية التي لم تعد تناسب الظرفية التاريخية التي يمر منها العالم. والنتيجة هي ظهور الجماعات التكفيرية الارهابية مثل طالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها من جماعات الدم الجهنمية، التي تستند في أيديولوجيتها السوداء المتطرفة، إلى تراث عتيق من المقولات الفقهية التي صيغت خلال القرون الماضية، فتم البناء عليها، وتبنتها هذه الجماعات كذا جماعات الاسلام السياسي، وأرادت اسقاطها بشكل ميكانيكي على واقع المجتمعات العربية الاسلامية الحالي، دون تجديد ولا عصرنة ولا اجتهاد. فنجد أن ابن تيمية وابن حنبل أهم عندنا من ديكارت وروسو. حتى أن بعض الأنظمة السياسية تأسست على هذا الفقه، مثل السعودية التي اتخذت من أشد أنواع الايديولوجيات الدينية، عقيدتها وأساسها،لدى نجد الوهابية السلفية، هي عقيدة آل سعود، حيث تطبق فقه ابن حنبل وابن تيمية، من سرق في السعودية، تقطع يده، من زنى يجلد أو يرجم، من نظم قصيدة هجاء في أولي الأمر، أي عائلة آل سعود يقطع رأيه، وغيرها من مختلف انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارس في حق المواطنين.ونفس الطرح نجده عند القطب الآخر من الفقه الاسلامي، في ايران،التي تستلهم التراث الاسلامي الشيعي. ونقطة الاختلاف الوحيدة بين كلا النظامين، الوهابي والشيعي أن الأخير جاء إثر ثورة دينية قام بها رجال الدين بقيادة الخميني على نظام الشاه الذي قام بإصلاحات جدرية لإيران، فبنيت ايران الشيعية، على تلك الاصلاحات، لتصبح بذلك قوة اقليمية، تبحث لها عن مجال لفرض قوتها، لكن مساعيها ستصطدم مع الدولة الوهابية التي تأسست بناء على فقه وهابي وفي تزكية من الولايات المتحدة، وما يحدث في إيران والعراق وسوريا ليس سوى الساحة التي يتجلى فيها هذا الصراع، الذي سينتهي حتما باصطدام أعنف سيكشفه لنا التاريخ في المستقبل.إن هذا الصراع الديني، نجد له امتدادا في التاريخ، ويعبر عن أزمة عقيمة يمر منها المسلمون، وهي أزمة دينية بالأساس، قبل أن تكون سياسية أو اجتماعية، لأن الدين مازال يشكل عنصرا مهما في الثقافة الاسلامية، والحل الجذري لهذه الأزمة هو الثورة على الفهم القديم للإسلام، وذلك من خلال إخضاع هذا الأخير للإصلاح. لأن الاصلاح الديني مقدمة أساسية لكل اصلاح، مادام الدين يحجب فردية الانسان وحريته، فكل اصلاح سياسي لا يرتبط بفكرة الحرية ليس بالإصلاح الحقيقي، ولا أدل على ذلك ما شهده العالم العربي، فيما يعرف ب »ثورات الربيع الديموقراطي »،التي انطلقت من المساجد، فنجحت في اسقاط الأنظمة، لكنها لم تنجح في اسقاط العقليات المتخلفة، والسبب في ذلك هو غياب إطار مرجعي يؤطر هذا الاصلاح، فلا تغيير حقيقي دون إصلاح ثقافي عميق وجذري لهذا كان لزاما اصلاح ديني، يتجاوز الفقه الاسلامي،سواء الشيعي أو السني المتكلس، من أجل تجاوز الانسداد التاريخي، وابراز فاعلية الإنسان وحريته. وبالتالي تأسيس مجتمع مدني تسوده الحرية والقوانين، والخروج من ابستمي القرون الوسطى بدون رجعة حيث نتجاوز سيادة الله، من أجل سيادة الإنسان، ونتجاوز حكم الحاكم باسم الإله، إلى حكم مدني تعاقدي ديموقراطي.

jeudi 15 octobre 2020

تأملات مؤلمة في واقعنا الحضاري

 


إن المتأمل لوضعنا الحضاري العام، سيصاب بشعور بالمرارة كبير، لأنه لن يرى غير ازدياد نسبة التأزم والتراجع، الذي ليس في نظري وليد اليوم بل هو نتيجة لتراكم تاريخي طويل من الاخفاقات السياسية والثقافية والحضارية. وفي نظري أن ظهور الإسلام كان ثورة في شبه الجزيرة العربية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، لأن الإسلام قام بتوحيد عرب الجزيرة لأول مرة في التاريخ، وكل توحيد في نظري هو فعل عظيم! لكن امتداد هذه الديانة الجديدة على باقي الحضارات الأخرى، بقدر ما كان توسعا سياسيا لحضارة جديدة إلا أنه بالمقابل كان بمثابة وأد ثقافي لحضارات وثقافات كانت إلى حدود "الفتح " تمثل جوهرا ثقافيا وحضاريا متميزا. لذلك فإن ما يسمى اليوم بالحضارة العربية الإسلامية يتضمن في داخله ثقافات وإثنيات وعناصر ثقافية مكبوتة لابد من الاعتراف بها، ليس كأقلية بل جعلها عنصرا من الهوية الوطنية الجامعة القادرة على تحرير الوعي القومي الوطني للدول التي مازالت تحسب على «الشرق » بتعبير كثير من الدارسين. لذلك فمرحلة الأزمة التي نمر منها والتي تظهر في كل المستويات الثقافية والفكرية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية والوجدانية وغيرها، ليس وليد اللحظة كما يخيل للكثيرين، لكنه نتيجة تراجع حضاري بدأ في نظري بسقوط بغداد في يد المغول خلال القرن الثالث عشر الميلادي، واستمرت نسبه ومقاديره حسب الوضع العام الذي تشكل عبر التاريخ، والذي أعطى للحضارة الغربية مركز الصدارة والهيمنة في وقت كانت فيه الحضارة الإسلامية، واللغة العربية رمز العالم المتحضر، لكن منطق التاريخ يفترض ولادة وازدهار وشيخوخة واندحار. وهو ما يسم اليوم وضعنا التاريخي الذي يعبر عن مرحلة الاندحار، وما الأزمات السياسية والثقافية التي نعيشها، ونكتوي بنيرانها، والتي تتمظهر جلية في الحروب والصراعات، وأشكال التطرف إلا المظاهر التي تفصح عن تلك الأزمة العميقة. إذن فكل مشكل في الحاضر يجد أسبابه العميقة في تربة الماضي. لذلك فإن كل تناول لمشاكلنا يجب أن يكون راديكاليا وجذريا، دون ذلك لا يمكننا أن نضع قدمنا في ركب الحضارة الكونية المعاصرة. وسنظل نجتر المرارة والتحسر على واقع ضاع منا، أو هكذا خيل لجلنا. لذلك فإن المتأمل عميقا في الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي سيجد أن المشكل يكمن في الثقافة، لأن مشكلتنا بالأساس « مشكلة ثقافية »، لذلك لا يمكن حل مشاكلنا بالثورات السياسية لوحدها كما يعتقد البعض، بل نحن في مسيس الحاجة إلى ثورة ثقافية تبدد الثقافة البائدة التي مازالت تسكن وجداننا، من أجل الخروج من كهوف الماضي المظلمة التي تجاوزها التاريخ، ولم نشعر بذلك أو قل بدأنا للتو بالشعور، لأن الأقوياء يتحرشون بكياننا الحضاري، بل الآن اغتصبوا ما استطاعوا إليه سبيلا، بل إنهم يقسمون وحدتنا الحضارية، ويخلقون وبمسميات عدة « عهد الكووس* العظيم ». لكن نحن من يتحمل القدر الأعظم من المسؤولية تجاه وضعنا الحضاري. لأننا ارتضينا لأنفسنا ذلك ولم نستطع أن نتأمل في قدرنا التاريخي، ولا أن نقوم بالجراحات العظيمة لأصل الداء الذي يظل باستمرار أكبر عائق أمام انخراطنا الكامل في العالم. إن التقدم المنشود رهين، بتغيير نظرتنا للعالم وكذا ملاءمة فكرنا للحضارة العصرية، بما تعنيه من مدنية، وسيادة للمعرفة، وازدهار للتصنيع وانتشار للفنون والآداب. إن الحضارة التي ورثناها، تشكل إرثا وتركة يجب أن نتوحد فيه، لكن ذلك لا يعني أن نفكر بذهن مازال يعتقد اننا أمة واحدة، لأن الواقع يؤكد أن كل الدول التي تسمى «عربية»، إن كانت بالفعل ضمن تلك الوحدة، إلا أن لكل دولة مشاكلها وهويتها الوطنية وكيانها الخاص. بذلك فاستقلال القرار الوطني بعيدا عن إملاءات «الوحدة» التي كانت شعار ما بعد الخمسينيات، لم يعد يلائم واقعنا السياسي، رغم أن التكتلات الاقتصادية والاندماج داخل كيانات معينة، يعود بالكثير من النفع. إلا أن ذلك لا يعني فقدان القرار الوطني. فكل دولة اليوم لها دستورها ووحدتها الوطنية القومية. ولابد لها أن تشعر بذلك وتعي به وتدافع عنه. وحتى الشعوب العربية التي مازالت تستشعر هذه الوحدة العربية، فذلك عنصر إيجابي وبناء، لكن كل كيان سياسي لابد أن يستقل برأيه ويحقق نهضته الخاصة، نظرا لتميز أوضاعه وخصائصه القومية. فالنهضة المنشودة التي نظر لها المفكرون العرب منذ محمد عبده والكواكبي ورضوان السيد، وصولا إلى الجابري والعروي وغيرهم، لن تتم بالشكل الذي تصوروه وهو نهوض حضاري للأمة العربية كلها، فهذا التصور الذي دافعوا عنه أملته الظروف التاريخية التي عايشوها. وهي ظروف الاستعمار الغربي، وحلم «الأمة العربية الاشتراكية الموحدة» التي لم تتحقق قط. لأن السبب في ذلك هو اختلاف الاوضاع داخل كل دولة. لذلك فكل نهوض لابد أن يرتبط بالدولة الوطنية، وحدودها. وثقافتها وسياستها. لكن النهوض المأمول يحتاج إلى «وعي شقي»، يضعنا أمام الصورة الحقيقية لوضعنا، ويدفعنا » شعبا وحكام » إلى « اختيار ما ليس منه بد » وهو الانخراط في المجتمع الحديث والديموقراطي.

 

*الكووس في الأسطورة اليونانية هي حالة الفوضى التي كان فيها العالم قبل سيادة النظام، اللوغوس.

 

 

lundi 12 octobre 2020

عبد الله العروي وأزمة الضمير " العربي"

 

المؤرخ المغربي عبد الله العروي المزداد بمدينة أزمور 1933

إن الطابع الغالب على كل المفكرين العرب، هو طابع ايديولوجي، وهذا أمر طبيعي مادامت الحضارة العربية الإسلامية تعيش تخلفا وتسعى من خلال مفكريها إلى بلورة مشروع فكري وسياسي، يبلور النهضة العرية المنشودة التي بدأت تهيمن على تيارات الإنتلجنسيا العربية منذ القرن التاسع عشر من خلال صدمة الحداثة التي تشكلت في خ الشرقي، بعد اصطدامه بالغرب الأوربي المتقدم. وقد كان القرن العشرين بؤرة لصراع ايديولوجي فرضته الظرفية التاريخية التي كان يمر منها العالم أنداك، لذلك لم يسلم المثقف العربي من الانخراط في بلورة مشاريع فكرية، هاجسها الأساس التحرر من نير الاستعمار وبناء الدولة الحديثة. لذلك نجد هذا الطابع الايديولوجي الذي هيمن على جل الكتابات الفكرية العربية. وفي سنة 1967 تلقى العرب صدمة ثانية بعد انهزامهم أمام إسرائيل، وفي نفس هذه السنة سينزل الى الساحة الثقافية العربية كتاب كان هدفه هو نقد الايديولوجيات التي كانت سائدة ومحاولة التأصيل لإيديولوجية تفهم الواقع وتغيره وتحقق الحداثة المنشودة. هذا الكتاب هو «الإيديولوجية العربية المعاصرة» للمفكر المغربي عبد الله العروي، الذي وجه نقدا شاملا لكل الايديولوجيات التي كانت سائدة. الايديولوجية السلفية اللاعقلانية، والتقنوية الليبرالية والماركسية غير التاريخانية. ودعا بالمقابل إلى تأسيس مشروع يتأسس على استيعاب ضروري لبعض مكتسبات الليبرالية، وهو ما سماه في كتابه الثاني" أزمة المثقفين العرب "ب "الماركسية التاريخانية " والقطع مع الماضي والتراث الفقهي الذي لم يعد ملائما للعصر. بعد هذا النقد الذي وجهه لتيارات الفكر العربي المعاصر. سيبدأ في اصدار كتب متتابعة حول النقد الايديولوجي والتأصيل المفاهيمي من أجل رفع اللبس وسوء الفهم فيما يتعلق ببعض المفاهيم التي يساء فهمها لدى المثقف العربي منها «مفهوم الايديولوجيا»، »مفهوم الحرية »، »مفهوم الدولة »مفهوم »التاريخ »وأخيرا مفهوم « العقل » الذي أعلن فيه عن مفهوم القطيعة مع التراث، ومع عقل المطلقات. وبعدها سيصدر كتبا أخرى كلها تتمة لمشروعه الفكري. بالإضافة الى أعماله النثرية الروائية التي لا تخرج عن نفس. المنحى وهو تأصيل الحداثة والمعاصرة.

كل خروج إعلامي «للمفكر الصامت» كما يلقبه البعض هو بمثابة حدث ثقافي كبير، خاصة حينما يحتاج المتتبعون الى سماع آرائه حول القضايا المجتمعية الراهنة التي تمس ثقافة المجتمع وسياسته. وقد كان خروجه الاعلامي الأخير من خلال لقاءه على قناة سكاي نيور، محطة لسماع بعض مواقفه من بعض القضايا الراهنة، وذلك على هامش حضوره في أبو ظبي لتسلم جائزة الشيخ زايد، التي سمته ب «شخصية العام الثقافية». وخلال هذا اللقاء لم يخرج عن مواقفه السابقة خاصة فيما يتعلق بضرورة الفصل بين الدين والدولة. وضرورة تأسيس الحداثة على المشترك الانساني والانخراط فيه، وبذلك القطيعة المنهجية مع الماضي ومع التراث، حيث اعتبره ليل الثقافة، وبالمقابل الانخراط في الحداثة الكونية، باعتبارها تعبر عن تدبير شؤون المجتمع وتتأسس على المصلحة. لذلك نراه يراهن كثيرا على دور الدولة، في تأسيس هذه الحداثة، لذلك أكد على أن المثقف العربي، سار على نهج المثقف الفرنسي الذي عرف تاريخيا بعدائه للدولة. أما فيما يتعلق بنزعة الأصالة التي تدعو الى ضرورة العودة للماضي، فقد اعتبر ان ذلك غير ممكن وليس في صالح المجتمع، فقد يكون ذلك نافعا على مستوى البيت لكن على مستوى تدبير الشأن العام فهو غير مجد. لذلك نجده يضرب المثال بالدول التي دخلت إلى الحداثة رغم تأخرها التاريخي، مثل اليابان وتركيا والصين. فالياباني محافظ على تقاليده في البيت لكن فيما يتعلق بالاقتصاد والسياسة فهو منخرط في المعاصرة والحداثة.

إن أهمية أطروحات المفكر المغربي عبد الله العروي تزيد أهميتها يوما بعد يوم، خاصة مع توالي الأحداث التاريخية التي تؤكد على ضرورة القطع مع العنف ومع المشاريع الدينية اللاعقلانية التي لا تفهم الواقع التاريخي بعمق. ومن جملة المفاهيم المهمة في فكر العروي، مفهوم الثورة الثقافية، وهي ثورة عقلية في الاساس يجب أن يضطلع بها المثقفون، من أجل نقد الثقافة التقليدية وتأسيس نظرة جديدة تتصالح مع العالم، ومع التاريخ وتقطع مع الفهم الموروث واللاعقلاني.

 المقال منشور بمدونات الجزيرة اضغط هنا


samedi 3 octobre 2020

الارهاب ودائرة العود الأبدي

 



 

في البدء كانت السياسة

 

يوم 27 من أكتوبر تشرين الأول أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتل أبوبكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بعد عملية قادتها قوات خاصة امريكية. وقال ترامب: إن البغدادي «مات كالكلب». وقد جاء هذا الحدث بعد سنوات من تراجع التنظيم وتفككه إثر شن حملة دولية عليه منذ 2016. وفي أبريل من السنة الجارية أطل البغدادي على أتباعه عبر شريط فيديو بعد أن تضاربت الأنباء حول مصيره.  لكن السؤال الذي يطرح نفسه حول هذا الحادث هو التالي: هل بموت البغدادي ينتهي الإرهاب في العالم؟ هل انتهى الارهاب الإسلامي بموت أسامة بن لادن؟ وهل انتهى بموت أبو مصعب الزرقاوي؟ وغيره من زعماء التيارات الجهادية؟

المؤكد أن مجرد استقراء للتاريخ، سيبين لنا بالملموس أن الإرهاب ظل دائما حاضرا في مشهد الأحداث الكبرى التي مر منها العالم، رغم أنه اشتدت وتيرته منذ بداية هذه الألفية. وإذ نتحدث عن تنظيم داعش الإرهابي فإننا نتحدث عن الإرهاب المستند إلى الدين الإسلامي.  رغم أنه لابد من الـتأكيد على أن ممارسة العنف والقتل الوحشي يتم في كل الثقافات والأديان وليس مرتبطا بالإسلام فقط. والشيء الذي يميز هذا الأخير كواحد من الأديان التوحيدية الكبرى أن ظهوره في شبه الجزيرة العربية كان متميزا عن غيره من الأديان، وشهد في بداياته الأولى اختلاط الديني بالسياسي، بعد أن دشن رجل مغمور ثورة أخلاقية في شبه العربية ستتحول إلى ثورة سياسية ثم ستحول موازين القوى الاستراتيجية خلال القرن السابع الميلادي الذي شهد بداية تضعضع القوى الكبرى في تلك الفترة ونقصد الإمبراطورية الفارسية الساسانية والإمبراطورية البيزنطية أو روما الشرقية. لكن هذا الدين الجديد شهد " قلق البدايات «، أي أن موت الرسول والصراع على السلطة جعل من الإسلام ليس دينا أخلاقيا فقط، بل تحول إلى " دين سياسي " وما التسمية المتداولة في المرحلة المعاصرة «الإسلام السياسي» إلا مجرد تحصيل حاصل، لأنه لا يمكن تصور إسلام آخر غير الإسلام السياسي. فالبعد السياسي في الإسلام هو ما يجعله اليوم يعيش أزمة سواء في المناطق التي توجد فيها غالبية المسلمين، كالشرق الأوسط أو شمال افريقيا، أو في البلدان التي هاجر إليها مهاجرون من خلفيات إسلامية بفضل التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية، من استعمار وحروب وبحث عن فرص أفضل، مع ما وفرته العولمة من إمكانيات التنقل والهجرة. لذلك لا يمكن تصور المسلم إلا كشخص حامل لعقيدة وهذه العقيدة يمكن أن تتحول في أي لحظة إلى إيديولوجية، ما لم تتوفر مناعة فكرية صلبة. لذلك يمكن أن نجد التفسير لظهور ونمو وانتشار داعش ما بين 2013 – حينما أعلن البغدادي عن تأسيس " تنظيم الدولة الإسلامية في العراق " و 2019 حينما أعلن الرئيس الأمريكي مقتله  " كالكلب " ورمي جثثه في البحر- في هذه النقطة بالذات.

 

الإرهاب والعود الأبدي

 

في كل مرة تقع معركة طاحنة، تنتشر صورها وتبت الرعب في النفوس فيتظافر العالم لمواجهة هذه القوة الشريرة فتنتصر إرادة الخير على إرادة الشر فيموت الشرير وينتصر البطل المحب للخير. هذه الأسطورة تُطرب مخيال الكثير من الناس وقد ألفت القوى العظمى أن تصنع مثل هذه الحكايات، ولن نتوغل في التاريخ كثيرا لنستشهد على ذلك، لكن سنعود فقط إلى مرحلة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات ودخول الألفية الثالثة. لنشهد أن ولادة الجهاد الإسلامي المعاصر تم خلال هذه المرحلة بالضبط. لكن هذه الصناعة لم تشمل صناعة الإيديولوجية بل اقتصرت فقط في تسهيل سبل التحاق «جنود الله  » بالمعارك المقدسة في جبال تورابورا في أفغانستان ضد أعداء الله الشيوعيين.  وفعلا نجحوا في تدشين بداية نهاية الاتحاد السوفياتي الذي كان في مرحلة شيخوخته. لكن معركة المجاهدين ستنتقل إلى عدو جديد وهم «الصليبيين الكفار والمرتدين» أي ان السحر سينقلب على الساحر، وستشهد تلك المرحلة إعلان النظام الجديد بعد نهاية الاتحاد السوفياتي، وبداية العولمة وهو ما سيجل الإرهاب يتخذ بعدا دوليا وستتحول معركته من معركة جزئية إل معركة شاملة  وهو ما يسميه أوليفيا روي  » عولمة الإرهاب ». ومنذ تلك اللحظة سيخرج عفريت الجهاد من قمقم داعميه، وستتحول المعركة ضده إلى معركة دولية خاصة بعد تفجيرات سبتمبر 2001.

 

سيناريو المؤامرة

 

ونجد اليوم في الساحة عدة من الآراء المتضاربة حول هذه التنظيمات الجهادية، ونجد أن الغالبية من الجمهور العادي يعتبرون ظهورها مجرد" مؤامرة صهيوأمريكية " للسيطرة على العالم. لكن هؤلاء يجب أن يضعوا الأحداث تحت ضوء التاريخ لكي يتبينوا أن هذا الطرح، ولو افترضنا جدلا صحته في بعض الجوانب، فإن أي دولة يمكنها أن تصنع تنظيما وتدعمه بالمال والسلاح والاعلام وغيرها، لكن يبقى الأساس الذي ستوحد حوله الأتباع عصيا على أي صناعة، وأقصد الايديولوجية التي يتبناها هذا التنظيم. لذلك فداعش مرتبط بالقاعدة وهذه الأخيرة خرجت من رحم تنظيم المجاهدين الأفغان في الثمانينات والتسعينيات والجهاد الأفغاني كان مدعوما من طرف أمريكا ريغان وبعض الدول العربية، في إطار الصراع الجيوسياسي الذي كان بين الغرب والاتحاد السوفياتي. لكن لا يجب القول مطلقا بأن الإيديولوجية الجهادية صناعة أمريكية خالصة، لأن ما تقوم به الجماعات الارهابية في الواقع يطابق بالحرف ترسانة فقهية ونصوص مقدسة مع ما تتضمنه من قطع الرؤوس وتطبيق الحدود والقضاء على مظاهر الحضارة وغيرها التي يدعي الإرهابيون اليوم تطبيقها. هذه أفكار لا يمكن لأي دولة في العالم أن تصنعها في واشنطن مثلا وتقنع بها رجلا بسيطا في جبال الشيشان لكي يقاتل ويموت في سبيل الله تاركا عالمه الذي صنعه وراءه ومتوجها إلى عالم الصفاء والطمأنينة. لابد إذن من أساس إيديولوجي قوي يبنى عليه أي تنظيم ويشحذ به الأتباع ويدفعهم إلى ماكينة القتل والترويع.

 

من الدين السياسي إلى الدين الأخلاقي

 

إن ظهور ر الإرهاب في أي مجتمع وفي أي لحظة تاريخية يبين بالملوس أزمة ما في العصر، أزمة عميقة تضرب بجذورها بعيدا ليس في المستوى السياسي الظاهر – كما تذهب إلى ذلك بعض التفسيرات الاختزالية- رغم أننا لا ننكر أن التنظيم يتوخى حيازة السلطة أو أحيانا بث الفوضى والرعب في أي نظام سياسي. لكن لا يجب أن نضع جانبا مسألة مرتبطة بالمعطيات الثقافية والاجتماعية التي يكون الإرهاب والقتل تجسيدا لها، مادام هذا الأخير خروجا عن الإنسانية وحيادا عن الحضارة والمدنية، ورجوعا إلى مرحلة التوحش واللاإنسانية. إذن الإرهاب الذي يربط اليوم بالإسلام إنما يبرز في نظرنا أن هذا الأخير يعيش أزمة أسس مزمنة، لأن الذين يقاتلون اليوم باسم الإسلام يورطون هذا الأخير أخلاقيا وقيميا، فكيف يمكن أن يتبرأ البعض من الجماعات الجهادية وهي لا تقوم كما يقول أفرادها إلا ب " تطبيق شرع الله الذي نزله على نبيه محمد "والرجوع بالمسلمين إلى لحظة الصفاء العقدي والسياسي والأخلاقي التي تجسدت في دولة الرسول ". إن من يربط الإسلام اليوم بالعنف لا يقوم بذلك من منطلق المزايدة أو الكذب. لكن هذا التناقض الظاهري بين الإنكار وواقع الحال لا يمكن تجاهله بالمرة. لذلك يجب أن تتوفر اليوم الشجاعة الكافية لدى من يعتبرون أنفسهم ممثلين للإسلام – سواء كانوا دعاة أو فقهاء أو رجال دين أو هيئات أو دول – بحل المعضلة الأخلاقية التي تمس الإسلام وتهدد وجوده أصلا، إن سلمنا أن العنف والقتل والترويع هو انتحار أخلاقي.

لكن في نظري لا يمكن للدولة أن تحسم في أمر الدين، لأن من يحسم في ذلك هي المجتمعات. فالمسلمون اليوم مدعوون بشكل عاجل إلى النظر في أمر دينهم، والتبرؤ من العنف الممارس باسمه، ولا يكون ذلك بمجرد القول بل لابد من الفعل وإلا أصبح الأمر نوعا من التواطؤ غير المعلن مع الإرهاب. لذلك لابد في نظرنا من إصلاح جذري للإسلام أي ثورة إصلاحية تؤسس لإسلام جديد غير مناقض للعصر، ولا نقول الإتيان بإسلام جديد أو البحث عما يصالح الإسلام مع الحداثة والعصر من خارج الإسلام. لكن الدعوة هنا إلى إصلاحي ديني يكون من داخل الإسلام نفسه، من داخل ألف وأربعمائة سنة من التراكم، لأن العالم اليوم يعرف الوجه القبيح في تجربة الإسلام التاريخية التي لا يمكن القفز عليها بشكل عاطفي أو هستيري أحيانا. بل لابد من النظر إلا ما هُمش في الإسلام، فهذا الأخير يتضمن إنسية دفينة كما يقول أركون مثلا ويحوي عصر أنواره الخاص وأفقه الأخلاقي المطلق باعتبار محمد نبيا مصلحا لا قائد حرب وزعيم كما تنظر له الجماعات الإرهابية. إن ما حدث هو عملية خطف للإسلام في واضحة النهار، فمن يتحدث اليوم باسمه هم جماعة من الأشرار الذين يلبسون لبوس الدين والدين منهم براء إن سلمنا بأن أي دين هو تجربة أخلاقية عظيمة في أصلها لا إيديولوجية سياسية.


كيف نطهر الإسلام من الإرهاب؟

 



أمام السيرورة التاريخية الجارية أمامنا، باعتبارنا مسلمين ثقافيا وحضاريا. لابد من التفكير في الطريقة التي يمكن بها للإسلام أن يتخلص من الإرهاب الذي يتم اتهامه به كلما وقع تفجير او قتل أو عملية إرهابية. الجواب واضح ومباشر ولا يحتاج تشقيق الكلام ولا لف ولا دوران كما تزعم التيارات الفكرية والإيديولوجية، سواء تلك التي تعتبر الإسلام – رغم أن هذه المشاريع متضاربة ومتناقضة ومتعددة إلى حد الملل- تعتبره السبيل للنهوض. أو تلك التي تعتبره- وهي بدورها متعددة وكثيرة ومتضاربة- أصل الداء والعائق أمام كل تقدم. وبعيدا عن هذه الثنائية المزمنة أو هذه التطرفات كما يسميها إريك هوبزباوم. فإن هناك طريقا ثالثا، أفقا واقعيا باعتبار الواقع المرجع الذي يحدد كل شيء إذ لا يمكن القفز عليه ولا تجاوزه ولا وضعه جانبا فهو مختبر التاريخ والسياسة والاقتصاد، أو بكلمة واحدة هي المصلحة. إذن نعيد طرح السؤال: أين تكمن مصلحة الإسلام إن أراد أن يستمر ويساهم في النهضة الحضارية العالمية؟ الجواب واضح وضوح الشمس، هو أن يساير منطق التاريخ، وقانون المصلحة. لذلك لابد على المسلمين اليوم، وحينما أقول المسلمين، لا أقصد بهم فقط أصحاب اللحى المتدينين أو الإسلاميين سواء اخوانا أو سلفيين أو شيعة. ولكن أقصد بهم كل من ينتمي إلى هذه الحضارة ثقافيا، فحتى لو كان المرء ملحدا، وغير مؤمن بعقائد الاسلام فهو مسلم بالمعنى الثقافي للفظ. لابد عليهم التخلص من مجموعة من الأمراض التي تسكن الحضارة الإسلامية وأهم هذه الأمراض هي:

أولا النزعة المثالية: الكثير من حاملي المشاريع «الإسلامية» يعتبرون أن كمال التاريخ ونهايته، هو بتأسيس دولة كونية يسودها الإسلام. رغم أنني كما قلت، تصور هؤلاء لهذه الدولة مختلف من تيار إلى آخر ومن مذهب إلى آخر ومن مدرسة إلى أخرى ومن حزب إلى آخر. يصل هذا الاختلاف حد التناقض والدليل هو الصراعات المسلحة التي تنشأ بين الفصائل الجهادية مثلا في بؤر التوتر في الشرق الأوسط. إذن الاعتقاد أنه بتأسيس دولة إسلامية تطبق فيها شريعة السماء ستشكل نهاية وكمال التاريخ الكوني هو مجرد طوبى ومثالية، تنفي الواقع نفيا وتذهب في عالم الخيال والاستيهامات والأحلام.

ثانيا النزعة العالمية: وهي مرتبطة بالنزعة الأولى، وهي الاعتقاد بأن الإسلام دين كوني يجب أن يشمل العالم كله، وأن نحكم بشرع الله، وتعتبر الرسول هو أفضل الخلق وبالتالي تدخل البشرية جمعاء تحت أجنحة الاسلام، أي القضاء على كل الثقافات والعقائد وتأسيس دولة الله الكونية.

ثالثا النزعة الإرهابية: هذه النزعة مرتبطة بدورها بما سبقها، فالنزغة المثالية تجعل المؤمن يشتغل بعواطفه وخياله الجامح، ويسعى إلى تطبيق التصور – الخاطئ من الأساس- على أرض الواقع. ويكون في تلك الحالة في حالة هيجان وحماس يغيب معه العقل والواقعية، وهو ما يجعل الجهاديين مثلا – الذين يعتبرون بالمناسبة أصدق تعبير عن روح الاسلام ورسالته لأنهم يطبقون مقولاته بالحرف فهم جنود الله المجندة – يجعلهم يرتكبون الفظاعات من قتل وجز للرؤوس وتفجير واستباحة للأرواح، في سعيهم لتطبيق طوبا ويتهم على الأرض. كما أن هذه النزعة مرتبطة كذلك ب " النزعة الكونية " لرسالة الإسلام. أي الرغبة في دك حصون الحضارة الإنسانية وتأسيس حضارة كونية واحدة. ولا أدل على ذلك مثلا إعلان أسامة بن لادن عن الجهاد العالمي. وقصفه لأهم عواصم العالم لتطبيق رؤيته المثالية للعالم. قد يعترض البعض أن القوى العظمى هي التي صنعت ذلك، وهو اعتراض وجيه، ولا ننفي تلك الفرضية، بل هي من صميم كل صراع سياسي. ولكن نجيب أصحاب هذا الاعتراض أنه إن كانت القوى العظمى هندست ذلك فإن المادة الأولية التي وظفتها سيكون من الحمق والعته أن ننسبها ل " الأمريكان ". قد تكون الاستخبارات الأمريكية خططت لذلك، لكنها قطعا لم تصنع الأحاديث ولا الآيات الداعية إلى القتل والجهاد ولم تجند ابن تيمية ولا ابن حنبل ليكتبوا ما كتبوه. زيادة على ذلك قد نتفق على أن القوى العظمى اليوم توظف الأوراق الرابحة – التي تصب في مصلحتها- لكن حروب الردة وصراع الخلفاء على السلطة وانقسام المسلمين إلى شيعة وسنة وخوارج، وجهاد المسلمين خارج الجزيرة العربية وأنهار الدم التي سالت في تلك الصراعات. هل نقول وفقا لهذه النظرة الوسواسية والمؤامراتية للعالم بأن أمريكا والماسونية هي من صنعتها. إن هذا الاعتراض باسم المؤامرة هو من صميم فكرتنا في هذه الورقة، وهي أن المسلمين لا يضعون الواقع أمامهم ويحسبون حسابات الربح والخسارة، بل ينطلقون دائما من حسابات الأخلاق والمثالية.

أخيرا بعد أن حللنا النزعات المزمنة في الاسلام، لابد من الإشارة إلى أنها كلها تصب في المشكلة العامة التي تكون صميم الإسلام عقيدة وشريعة وخلافة وثقافة. وهو انصهار الزمني في الإلهي وانصهار الأخلاقي في السياسي وانصهار الفردي في الجماعي وانصهار الايديولوجي في العقائدي. إن الحل اليوم هو التخلص من هذه النزعات الثلاثة ونزع الإيديولوجيا عن الإسلام. وهذا ليس معناه أننا لدينا الخيار لنختار فالواقع كما قلنا هو سيد الموقف هو المهندس العظيم، فالمسلمون منذ سقوط بغداد في القرن الثالث عشر الميلادي انتهوا كحضارة مهيمنة، وتحولوا إلى تابعين وانتهى أمرهم بشكل نهائي سنة 1924 بانتهاء الخلافة ودخلوا سردية كونية جديدة هي الحداثة والآن هم في سردية أخرى جديدة هي العولمة والحضارة الرقمية، فما دور التراث القديم في مسايرة هذا الجبروت الكوني. لاحظ لهم يا للأسف، إن لم يفهموا ما يجري أمامهم ويندمجوا في العصر للأسف إنهم في حاجة إلى ما قامت به أوروبا خلال القرن الخامس عشر. وهو إصلاح ديني وثورة فكرية تدك النظرة القديمة والعتيقة للعالم. والانخراط – رغم أننا بقوة الواقع منخرطون- لكن لابد أن نكف كما يقول المفكر المغربي عبد الله العروي «عن الرقص المسعور على الذات المفقودة فالرقص لن يحييها من رمادها".

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...