jeudi 18 novembre 2021

خرافة التعدد الثقافي في المغرب

 

سقف قصر الباهية بمراكش ذو الزخارف المغربية المميزة

التعدد الثقافي معناه تعدد الهويات والثقافات في وطن واحد. أو في داخل حضارة واحدة أو في العالم أجمع. وهو ميسم العالم بالفعل وتلك سنة كونية خلاقة لا جدال فيها ولا خصام! بل يجب حمايتها والدفع بها. وقد ترسخت هذه الفكرة في المغرب في دستور   2011 خاصة في الدباجة حيث يقرر بان " المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية- الإسلامية والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية، والأندلسية، و العبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء." وذلك كان بفصل نضالات الحركات الثقافية في المغرب التي سعت لتجاوز النظرة التي تؤسس عليها الدولة شرعيتها منذ إدريس الأول وهي ثنائية الإسلام والعروبة. لكن الحقيقة أن القول بالتعدد اللغوي في المغرب محض خرافة، لأن المغرب ليس بلد متعدد الثقافات رغم أن ذلك لا ينقص من قيمته شيئا، بل هو بلد متعدد الأصوات واللهجات، لأن الحياة الاجتماعية اليومية تختلط فيها لهجات المغاربة وأصواتهم. والقول بأن المغرب متعدد ثقافيا معناه أن هناك ثقافات مستقلة بنفسها، تشكل منظومة من الرموز، والأساطير، والفنون، والعادات. والتأكيد على التعدد هو نسف مبطن للوحدة. والصحيح أن المغرب متعدد لسانيا وليس متعدد ثقافيا، قد يعترض معترض قائلا: أليس هذا التعدد اللغوي مظهرا من مظاهر التعدد الثقافي، الجواب هو بالنفي لأن تعدد اللهجات في المغرب سببه الأساس، اختلاف الجغرافيا، بين سهل وهضبة وجبل. وصحراء. وكل منطقة جغرافية مخصوصة بخصائص متفردة، فأن يتكلم مواطن ما بلسان جبالة، أو بلسان الريف، أو بلسان سوس، أو لسان درعة. ليس معنى ذلك أنه حينما يعبر، يعبر عن أربع ثقافات. بل هو يعبر عن ثقافة واحدة بلسان مختلف. إذن ما هو محدد الثقافة المغربية؟ الجواب مباشر وبسيط: تمغرابيت  ! و  ما معنى تمغرابيت؟ معناها توليفة من العناصر الثقافية التي تشكلت في منطقة جغرافية، تعتبر منطقة عبور تاريخية، بين أوروبا شمالا وإفريقيا جنوب الصحراء جنوبا، وآسيا شرقا، ومادامت منطقة عبور فهذه وعاء حضاري لكل المزيج الثقافي الذي مر من المنطقة.  وهنا لابد من نسف خرافة أخرى، هي الخرافة التي يروجها أصحاب الأصالة الثقافية، سواء من يدعون الأصالة الوافدة أو دعاة الأصالة المحلية. وهو القول بماهية ثابتة للهوية والثقافة المغربية، ويبحث عن عنصر هو محور ذلك التعدد الظاهر الذي لا ينفونه كي يمنحوا ادعاءاتهم المصداقية المزيفة.  فلا وجود لتلك الماهية الثابتة، اللهم إن سلمنا بأن في المغرب ثقافة محلية أصلية وهذه مسألة لا ننكرها بتاتا، بل هي حقيقة تاريخية لم تستطع حملات الطمس المتواصلة منذ ألف ونصف الألف من السنوات، اقتلاعها، نعم استطاعت تهميش تلك الثقافة الأصلية، بشكل كبير، لكن أن تطمسها فلم يكن ذلك في المستطاع، لأن المغربي ولو أظهر احتقاره لثقافته المحلية واحتفل بثقافة الآخر الأجنبي، إلا أنه في قرارة نفسه المضمرة، يظل وفيا لها. حتى أنه لا يستطيع نفيها بالمرة، وهذا ما حدث للثقافة المحلية الأمازيغية بالخصوص، التي تصادمت مع موجات الاستعمار المتوالية على الشمال الافريقي منذ ما قبل التاريخ: الآشوريون والموستريون والعاتيريون والإيبروموريسيون مرورا بالعصر القديم، مع الفينيقيين والبونقيين والرومان، ثم الوندال، ثم القوط الغربيين فالروم البيزنطيين. وصولا للعصور الوسطى حيث وصل الغزو الإسلامي العربي، وتوالت السلالات التي اتخذت ثنائية العروبة والإسلام إيديولوجيا للحكم رغم أن كل السلالات كانت أمازيغية محلية، لكن مادام المغرب مرتبطا بالشرق فقد كانت الضرورة السياسية تقتضي الارتباط بالمشرق العربي، وهكذا تناوب على عرش المملكة، الأدارسة ثم المرابطون ثم الموحدون ثم المرينيين فالوطاسيين فالسعديين فالسملاليين فالعلويين.  ثم أخيرا الاستعمار البرتغالي ثم الإسباني ثم الفرنسي. لذلك ظلت تلك الثقافة المرجعية حاضرة في النفوس وهي الارتباط بالأرض والجغرافية، وهي كما قلنا سابقة ليس ماهية ثابتة، بل هي متحولة ومتداخلة، قادرة على إلحاق البشر بأصلهم الحقيقي وهو الطبيعة.

من خلال ما سبق يتبين لنا أن هذه الخرافة التي تم التأسيس لها، لا تنسجم مع واقع المجتمعات التي تشهد بالفعل ثقافات متعددة، لكن المغرب هو شعب وثقافة واحدة، نؤكد على وجود هوية محلية أصلية استوعبت العناصر الوافدة في نسيجها، لذلك فنحن نؤكد على أن الثقافة المغربية تتضمن كذلك العنصر الفرنسي والبرتغالي والاسباني في نسيجها، ومن يدعو لذلك، فالتهمة سترتد عليه لامحالة.

mercredi 27 octobre 2021

كيف نهض أردوغان بتركيا وكيف دمرها؟

 


تركيا الحديثة هي صنيعة كمال أتاتورك الذي تملأ صوره وتماثيله كل الساحات التركية، هو أب الأمة التركية الحديثة، أردوغان الاخواني يدرك في العمق هذه الحقيقة. لذلك لما بدأ نجمه يصعد في التسعينيات من القرن العشرين هو وجماعة نجم الدين أربكان لم يصطدموا مع العقيدة الأتاتوركية ولم تكن لهم الجرأة في ذلك، لأنهم تصرفوا كما يتصرف الإخوان دائما التقية والتلون والمراوغة. لأن مشروعم الحضاري مؤجل دائما، مادام لا يمكن تحقيقه على الطريقة التي يعلمها الجميع وهي حمل الرايات السوداء وجز الرؤوس ومصادرة الحرية، وهنا يكمن ذكاء الرؤية الأرداغونية. ثم عامل آخر مهم وهو دمج هذا الفكر الاخواني مع القومية التركية. بالتالي فلم يكن من اللائق سياسيا مواجهة الأتاتوركية مادام في الظاهر حليفا على المستوى النظري، لذلك تأجلت المعركة فيما بعد إلى مواجهة الأتاتوركية في عمقها الدولتي، وهو ما توفق فيه أردوغان بشكل كبير فيما سمي بمؤامرة الجيش سنة 2014. التسعينيات كانت بداية المشروع السياسي والحشد الجماهيري. منذ بداية الألفية الثالثة بدأت ثمار الرؤية الأرداغونية التي كانت تطمح إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية. خاصة لما أصبح أردوغان رئيسا للحكومة ولا ننسى نجاحاته في تسيير مدينة إسطنبول. لقد كان رجل سياسي ناجح. لكن هناك قول مأثور مؤداه من أجل معرفة حقيقة شخص ما، أعطه السلطة. أردوغان لما وصل للسلطة عبر عملية من التدرج البطيء، ظهر على حقيقته، ولا أدل على ذلك أن كل المحيطين به قد انفضوا من حوله، وهو ما مكنه من اكتساح الدولة التركية كجهاز، لأنه كما ذكرنا كعقيدة ليس لأردوغان اي بطولات يمكنه من خلالها منازعة المؤسس العظيم وأب الأمة التركية وتلك لعمري هي الغصة في حلق هذا الرجل. لا يمكن من باب الموضوعية أن ننفي النجاحات الاقتصادية لتركيا فقد استطاع حزب العدالة والتنمية أن ينجح في ذلك، ويجعل من تركيا دولة مزدهرة ومتطورة، بل في لحظة ما سعت تركيا بكل قوة الاندماج بالاتحاد الأوروبي. وترك لعنة الجغرافيا التي حشرتها حضاريا مع عرب مهزومين ومنهكين. لكن التحول الكبير حدث مع مجيء ما سمي بالربيع العربي، ووجد أردوغان الفرصة لتحقيق رؤيته بمحيطه وهو أن يتحول إلى قوة إقليمية تملأ الفراغ الاستراتيجي في الشرق الأوسط، آنذاك كل الاهتمام كله منصرفا إلى الخارج، بعد أن توهم أنه قد حقق واستنفد كل جهده في الداخل وكي يتقوى في الداخل عمل على تغيير النظام السياسي من النظام البرلماني حيث القوة في يد البرلمان إلى النظام الرئاسي، لأنه أراد أن يقوي موقعه ويؤبد حكمه على البلاد فكان ما كان. لقد سحق التجربة الديموقراطية وتحرش بالعلمانية، وخلق الأحادية السياسية أو أراد أن يخلقها لأنه مازال هناك قوى معارضة حقيقة يشكلها الأكراد والأتاتوركيين. فهو لم يستطع سحقهم، بل ساهم من حيث لايدري في تقويتهم وتصليب جبهتهم. في الأخير صرفت الملايير على الحروب الاقليمية، حيث اختار أردوغان أن يكون زعيما للأتراك والعرب، بل للمسلمين عامة! كذا. وحشر أنفه في سوريا حيث مركز صراع إقليمي ودولي كبير. وتدخل في المشاكل الداخلية للدول، دعم الإخوان المهزومين في مصر، وجعل أنقرة قبلة كل إخوانيي العالم. ثم قطع علاقاته مع مصر. ثم بعد ذلك حشر أنفه في الصراع الخليجي ودعم دويلة قطر ووضع يده فيها وصرف الملايير لتموينها جوا بعدما حوصرت برا وبحرا. وساءت علاقته بالدول الخليجية. واتخذ الإمارات كعدو. ثم في مسألة سوريا حشر أنفه من جديد فكان في البداية مع المحتجين ودعم كل الإرهابيين الذين يشكلون معارضة النظام البعثي وأصبحت تركيا المحطة الأولى التي يصل إليها كل قتلة العالم قبل دخول ساحة الوغى السورية وتحالف مع الدول الغربية واجه روسيا بل واصطدم معها بإسقاط مقاتلة روسية فاشتدت الأزمة بين البلدين وكادت تنشب الحرب بينهما، وتلقى عقوبات اقتصادية قاسية من يوتين، الذي أدبها بشدة. في لحظة ما تغيرت بوصلة التحالف فاتجهت نحو المعسكر الشرقي وأصبح بوتين وأروغان صديقين حميمين بعدما كانا عدوان لذودان. كما لم يترك أردوغان أي صراع جيوسياسي إلا وحشر أنفه فيه، لذلك تدخل في ليبيا ودعم إخوانها بالمال والسلاح والإعلام. كما دعم إخوان تونس. ثم فتح جبهة جديدة مع مصر واليونان لما أراد أن يرسم حدوده البحرية دون توافقات مع الجيران. المهم هذا الطموح الاقليمي لتركيا أردوغان كان عنوان لاندحار تجربة التنمية في تركيا لأنه في ظل طموحاته وخيالاته حول الزعامة الإقليمية فرط في الشأن الداخلي التركي وتسبب له ذلك في أزمة اقتصادية كبيرة، خاصة لما اقتحم عرين الوحش الجيواستراتيجي الأمريكي وأعلن الصدام معه فكان التأديب الاقتصادي له بالغ الضرر عليه كما ضيع شراكته مع الأوروبيين. لكن الملاحظ أن هناك فصاما نفسيا في شخص أردوغان فرغم هذه الصراعات مع الحلفاء يظل مشتتا، فهو حليف سياسي لروسيا ولكن في نفس الوقت هو عضو في تحالف شمال الأطلسي. ولا ننسى بطبيعة الحال الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في تركيا من اعتقالات الصحافيين والمعارضين بله الحلفاء على حد سواء. وفي ظل كل هذه التخبطات فنحن لا نستغرب حينما يعلن أن عشر سفراء أكبر الدول في العالم غير مرغوب فيهم، وما ذلك سوى تطاول تغذيه الخيالات الشخصية والتاريخية. ولا نستغرب ذلك لو وضعنا تجربة أردوغان في ضوء التاريخ. آنذاك ندرك أن لكل شيء بداية وازدهار وانحطاط. ما يقع في تركيا اليوم هو انحطاط لآخر إخواني يحكم دولة علمانية.

dimanche 10 octobre 2021

هل تنجح الحكومة الليبرالية فيما فشلت فيه الحكومة الإخوانية؟

 


انهزم الإخوان، انتخابيا، سياسيا كذلك، لكن هل انهزموا بالفعل إيديولوجيا ؟  لست متفائلا لأجيب بالإيجاب، مادام الوضع الاقتصادي للطبقات الاجتماعية، خاصة الطبقة الدنيا، والطبقة الوسطى، هو الشيء الذي يحدد مدى قدرة المجتمع بطبقاته الثلاث على تحقيق نوع من الاستقرار السياسي والاجتماعي، النخب التي أفرزتها انتخابات  8 شتنبر 2021، تنتمي في غالبها إلى الطبقة العليا على المستوى التنفيذي، كل الوزراء الذين استوزروا والمنتمين للأحرار هم نخب ذات تعليم فرنكفوني و أنجلسكسوني وهو الجديد في هذه التشكيلة الحكومة، لغة المصلحة والتنفيذ والتخطيط والعمل، تسبق لغة الإصلاح ومحاربة الاستبداد و "المبادئ والقيم"، التي كان الإخوان يحصنون بها رصيدهم الانتخابي، الطبقات السفلى والوسطى، كانت ساخطة في البداية لكن لوحظ شبه إجماع على أخنوش وحكومته، حتى القصر أكثر تفاهما مع هؤلاء خاصة في الرؤية السياسية، التي ترجح الاقتصادي على السياسي، فيما الإخوان يركزون على الإيديولوجي، لأن فاقد الشيء لا يعطي، ف"النخبة الاخوانية" منتمية اجتماعيا وطبقيا في الغالب إلى طبقة وسطى من القطاع العام، وليست لديها عقلية " استثمارية"  التي ستكون في حجم الرؤية الملكية، أخنوش هو نتاج عالم المال والأعمال، وما أكثر المنتقدين والمشيطنين لرجال الأعمال الذين يظهرون للعوام ك" مصاصي دماء متعطشين"، لكن ما يحسب للنخبة الاقتصادية هو قدرتها على العمل والتخطيط، وإعطاء الأولوية للواقعي والعملي، على السياسي الإيديولوجي، وهي نفس الملاحظة التي كان يوجهها خصوم أخنوش له باعتباره ليس " سياسيا حقيقيا"، فالسياسة عندهم هي اعتلاء المنابر والصراخ وتجييش العامة، تلك هي السياسة، ولا يدركون أن السياسة هي فن لتدبير الشأن العام، وهي كذلك قدرة على خلق الثروة ، دعك من توزيعها فتلك مسألة أخرى، إذن إشكالية حكومة أخنوش أنها عينت لتسيير شؤون مجتمع في قلب تحول استراتيجي كبير، الإخوان لم يكونوا في حجم ذلك التحول، اللهم أن أعظم ما تم تحقيقه في ولايتهم، تأكيد أن الدولة المغربية حققت خيارها المنطقي، لأنها سمحت لتيار إيديولوجي تقوى بفعل حركة الشارع في 2011 دون أن تكون له الإمكانيات اللازمة لممارسة الحكم، على التداول السلمي على السلطة سواء في المجاس المحلية أو الجهوية أو في البرلمان ثم في الحكومة، لمدة عشرة سنوات، كان المغاربة هم الضحية للقرارات التي اتخذوها، لكن رغم الخسائر، فأكبر  نجاح هو أن الإخوان صعدوا عبر الصناديق، جاءوا إلى الكراسي بصيحات النصر والتهليل، وبعد عُشْر قرن غادروا المسؤولية بصيحات الاستهجان والتحقير بل " البصق والشتم" كما حدث مع وزير الميزانية السابق " الأزمي". ما أعظمه من إنجاز، تلك رسالة المغرب للمنطقة وللعالم وقد حظي بإشادة الإعلام الدولي، لأن الإخوان لم يغادروا بالدبابات كما حدث في مصر التي لحقتها الاعتقالات والسجون والتصفيات الجسدية، لم يغادروا كذلك بالانقلابات الدستورية كما حدث في تونس، لقد غادروا بالصناديق وبالديموقراطية، كما جاؤوا بالصناديق والديموقراطية، دعونا إذن نحتفل بهذا الإنجاز في ظل طموحات أكبر للمغرب كدولة وحكومة وشعب. الحكومة الجديدة هي إفراز طبيعي لما يحدث في عمق المجتمع فرغم أن الشأن العام المحلي تولته بعض النخب المحلية التي صعدت بالوجاهة القبلية والمناطقية، لكن مستوى تدبير الشأن الوطني على المستوى الحكومي، أفرزت حكومة كفاءات من ثلاث أحزاب، وتم تجاوز الحكومات التي كانت تتألف من عدد لا حصر له من الأحزاب التي تبلقن القرار الحكومي، وتضعف الأداء التنفيذي. وفي ظل هذا التفاؤل نتساءل: هل ينجح الليبراليون الاقتصاديون  فيما فشل فيه الإسلاميون الإخوان ؟

jeudi 16 septembre 2021

!عطش الإسلاميين الذي لم يرتَوِ

 


عشر سنوات! عمر بكامله وهم في مركز القرار التنفيذي والتشريعي للدولة المغربية. يمارسون كافة الصلاحيات يدبرون الميزانيات، يعينون، ويمارسون الحكم بشكل كامل! دعك من المظالم التي مافتؤوا يصرخون بها لإسكات أفواه من صوت ومن لم يصوت عليهم ! دعك من التحكم والعفاريت والتماسيح!  لقد كانوا يمارسون السلطة الحقيقية. ورغم أنهم بقوا على كراسي الحكم عشر سنوات دون احتساب دخولهم البرلمان منذ سنة 1997 وكذا المجالس المحلية والجهوية. لكن رغم كل ما غنموه فإن عطشهم الشديد للسلطة لم يرتو رغم كل ذلك. لأنهم لم يقبلوا ان يتقاسموا هذه الأخيرة مع أي كان. سواء كان القصر كما يدعون أو الأحزاب السياسية الأخرى. إن القوة التي اكتسحوا بها السلطة هي قوة الايديولوجيا التي نظر لها حسن البنا وسيد قطب وأبو الأعلى المودودي.إن الإسلاميين ملة واحدة رغم إختلاف سبلهم فإن الغاية واحدة وهي تأسيس "دولة الخلافة" أولا وفي المنتهى " أستاذية العالم " بالتعيير الظريف للشيخ المؤسس. لذلك فالمغرب بتاريخه وعاداته وتقاليده لا يتسع لطموحهم. لذلك غيروا التكتيكات لما اصطدموا بالدولة في السبعينات. في الثمانينات انقسموا شيعا، منهم  من بحث عن السلطة لاقناعها بأنهم يرغبون في المشاركة رفضتهم الأحزاب الوطنية فارتموا في حضن حزب صغير هو حزب الخطيب: هو له التنظيم وهم لهم الإيديولوجيا وبدأوا يستفيدون من هامش التحول الديموقراطي الذي فتح في نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة. لكن الإستراتيجية ظلت هي هي ، لكن التنظير شيء والواقع شيء آخر، لما بدأوا يمارسون السلطة على الكراسي الوثيرة والمكاتب المكيفة والسيارات الفارهة والفيلات الفسيحة والسفريات الطويلة والماركات الغالية وملذات الدنيا الفانية. زاد عطشهم للسلطة كمن يشرب ماء البحر اللجاج! لما وجدوا أمامهم دولة حصينة هم يسمونها جورا " عميقة" لكن هي كذلك بالفعل فكل دولة بالطبع عميقة وإلا لم تكن كذلك. فأعتى الديموقراطيات فيها جانب عميق لا يتغير وهو المؤسسات، كذلك الأمر مع المغرب. لما وجدوا أن التنظير لا يستو مع الواقع لم يستسلموا، لقد حاولوا المواجهة مرحلة بنكيران كانت كلها مواجهة لكن لم تنجح. نهاية تلك المرحلة كانت كلها بكاء وعويل لأنه عملة رائجة في سوق الديماغوجية. مرحلة العثماني. انفصلت القواعد الملتزمة في البداية عن القيادة، هذه الأخيرة التي أدركت أن الأجل قريب فبدأوا يرفلون في نعيم السلطة قبل أن يغادر وها. ولم ينتبهوا مطلقا إلى الوعود التي أطلقوها والمبادئ التي رفعوها انهزموا. انهزموا في معركة تعريب التعليم العلمي. لأن العروبة كانت من بين أسس الأدلوجة الإخوانية. انهزموا في معركة التطبيع مع دولة إسرائيل. لأن البكاء على فلسطين عمود ثان في تلك الأدلوجة. كما إنهزموا أمام قانون تقنين القنب الهندي، لأنه كان بعبعا يلصقونه بحزب الأصالة والمعاصرة فيما مضى  انهزموا أخيرا أمام الأحزاب الوطنية لأن وطن الإخوان من البحر إلى البحر! لما انتهت عهدتا الإخوان، وجاء يوم 8 شتنبر 2021 حُسم الأمر لكن المفاجأة أن الهزيمة كانت كاسحة للتنظيم بطبيعة الحال أما الإيدلوجية الإخوانية فهي خالدة لا تموت. انهزم الحزب لكن بعد حين سيأتي حزب جديد تحت مسمى جديد لكن أهدافه ستظل هي نفس أهداف الإخوان وهي تأسيس دولة دينية تجمع المسلمين وتقود العالمين.

 

vendredi 10 septembre 2021

تحولات الإخوان في المشهد السياسي المغربي بين 2011 و2021: قراءة في انتخابات 8 شتنبر 2021

 


منذ 20 فبراير 2011 إلى غاية 8 شتنبر 2021، مرت عشر سنوات شهد فيها العالم ومنطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط عموما، والمملكة المغربية على وجه الخصوص تحولات عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية ثقافية. سنركز في هذه المقالة على تحولات المشهد السياسي بالخصوص، الذي يترجم بالضرورة التحولات الأخرى التي تؤثر في السياسي. في 2011 انطلقت مظاهرات في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، كانت ذات طابع سياسي محض طالب بإسقاط الأنظمة السياسية، وتحقيق مطالب ذات طابع اجتماعي. هذه الدول كانت محكومة في الغالب من طرف أنظمة سلطوية إما عسكرية، أو قومية، أو ملكيات مطلقة. في المغرب مرت حوالي عقدين على آخر دستور وضعه الحسن الثاني قبل وفاته، وتميزت كذلك بحكومة تناوب توافقي شارك فيها الاشتراكيون بعد سنين في المعارضة. لكن 2002 تم الانحراف عن " المنهجية الديموقراطية" بتعيين تكنوقراطي على رأس الحكومة. 2007 ترأس حزب الاستقلال الحكومة. في ظل الصعود التدريجي لحزب العدالة والتنمية الاخواني، كان صعوده مطردا ومكتسحا وذا طابع إيديولوجي قوي مكنه من رفع شعبيته لدى الجماهير الواسعة من المجتمع التي تسعى إلى تغيير أحوالها الاجتماعية، وقد حاولت الدولة كبح جماح الحزب الإسلامي ولم تستطع، فجاء الربيع الديموقراطي سنة 2011 ووقع خلاف في الحزب حول خيارات سياسية عدة.

الإخوان والمشهد السياسي المغربي بين 2011 و2016

 الذي وقع أن الإخوان استفادوا من حركة الشارع رغم معارضتها في البداية وتوظيفها لاحقا في ابتزاز الملكية، وفي ظل دستور جديد استطاعوا ترأس حكومة 2012. بتحالفهم مع أحزاب إدارية ووطنية، لكن خروج الاستقلال من الحكومة فرض عليهم التحالف مع حزب الأحرار الذي رموه بالفساد في السابق، استمرت تجربة الحكومة خمس سنوات لم يستطع فيها الحزب تحقيق أي مكتسب حقيقي من الوعود التي رفعوها وانصرفت قيادتهم  و بالخصوص رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران إلى أسلوب الصدام والبلطجة السياسية زيادة على عدم تعودهم على قيادة دواليب الدولة ثم الحماس الزائد الذي تركه عندهم الخزان الانتخابي الذي ساندهم في البداية، ومع مرور الوقت بدأت الحكومة الإخوانية بتدبير ملفات اجتماعية حارقة لم تستطع الحكومات السابقة تدبيرها، وذلك في شكل تحد ومواجهة القواعد الشعبية من جهة ومن جهة أخرى الدولة العميقة التي سخرت كل آلتها لمواجهتهم، لأن السبب ليس عدم الرغبة في نجاحهم، ولكن الرغبة في تحدي المؤسسة الملكية وضرب قواعد اللعبة السياسية، التي آمن بها عبد الإله بنكيران عضو الشبيبة الإسلامية حينما قاد رفاقه المتعصبين أصحاب الخيار المسلح للبحث عن المشاركة من داخل المؤسسات، لكن لما وصلوا إلى الحكم نسوا الالتزامات التي دخلوا بها إلى اللعبة وبدأت مناوراتهم، ومن هنا وجاهة الملاحظة القائلة بأن تيارات الإسلام السياسي كلها مجتمعة على هدف وحيد أوحد هو الوصول إلى الدولة الدينية، لكن أخطر  هذه التيارات هي التيار الإخواني الذي يمارس التقية السياسية إذ يسلم بالديموقراطية كتقنيات ويرفضها كعمق وفلسفة ونظرية في السياسية وقيم في نهاية المطاف، وبالتالي وصولهم لترأس الحكومة لم يرو تعطشهم الشديد للسيطرة السياسية، وهذه الملاحظة تنطبق عليهم في كل التجارب التي شاركوا فيها خاصة في مصر وتونس، مصر لما بدأوا في محاولة تطبيق هذه المناورة تم اقتلاعهم بالحديد والنار ، تونس وجدوا تجدر للفكر المدني في مواجهتهم، في المغرب استطاعت الملكية أو ما يسمى في المغرب بالمخزن باستيعابهم، وبالتالي لم تتجه الدولة المغربية لاقتلاعهم بالحديد والنار و لكن تركت لهم المجال لفضحهم وتبيان فشل مشروعهم السياسي. وهكذا بدأوا في نهج سياسية الاقتراض وبالتالي رفع الدين العام واثقال كاهل الميزانية، ثم رفع سن التقاعد والاقتطاعات، ثم الرفع من ثمن المحروقات، ثم ضرب الوظيفة العمومية وسن التعاقد في أسلاك التعليم. ثم تصفية شركات الدولة، لما انتهت الشعارات وخفت الحماس بدأت الصورة الحقيقية للإخوان تنكشف، بطبيعة الحال للقواعد الشعبية وبالأخص الطبقات الوسطى في المدن، زيادة على كل ذلك تراجع الصورة الطهرانية التي نجحوا في تسويقها وهي " نظافة اليد" و " الأخلاق" و " المرجعية الإسلامية" و " الإصلاح" و " محاربة الفساد" وفي لحظة معينة انهارت هذه الشعارات وانكشفت الخديعة واكتملت هذه الحفلة التنكرية في الفضائح الأخلاقية والجنسية التي وقعوا فيها. زيادة على عامل آخر هو أسلوب قيادتهم وبالأخص الآمين العام بنكيران، الذي صرف الكثير من الجهد في مواجهة الطواحين الهوائية فكان بصدق دونكيشوت المشهد السياسي ما بين 2012 و2016. انتهت ولاية بنكيران واهتزت صورة الحزب لدى الجماهير الواسعة من المجتمع المغربي، لكن المفاجأة أن قواعدهم ملتزمة معهم تنظيميا، بالإضافة إلى المساندة في الخفاء لجماعة العدل والإحسان المتطرفة لهم. زيادة على عدم وجود بديل حقيقي لهم في الساحة، فتم تفسير صراع حزب الأصالة والمعاصرة معهم على أنه بالفعل محاصرة لنفسهم الإصلاحي ومما زاد الطن بلة المشاكل التنظيمية التي سقطت فيها الأحزاب السياسية التقليدية.  المفاجأة أن الحزب استطاع أن يحصل على المرتبة الأولى وبالتالي أن يقود الحكومة، لولاية ثانية طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور المغربي الذي ينص على أن يكون رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات.

الإخوان والعدو الأبدي

في لا وعي الجماعات الدينية دائما هناك عدو أبدي قوي مختف يتآمر عليهم ويترصدهم ويريد القضاء عليهم، عبر التاريخ. هذا الوسواس لم يختف لوصولهم للسلطة لأنه لو كان هناك هذ العدو المفترض لما وضعوا أصلا أرجلهم حتى في جمعية في أفقر حي في مدينة هامشية، لكن وصولهم إلى الدولة وتسيير دواليبها، كأن جسما ما دخيلا لا ينسجم مع هذا الجهاز ، بالتالي لم يستطيعوا الاندماج و استيعاب الدولة بمفهومها الهيجلي، لأنهم أصلا لا يؤمنون بها، يكفي الرجوع إلى الأدبيات التي يستقون منها نظرتهم لفهم نمط تفكيرهم، لكن رغم ذلك استغلوا أبشع استغلال السلطة التي حصلوا عليها، وأغرقوا الدواوين الوزارية والإدارات المركزية ورئاسات الجامعات و عمادات الكليات، و المجالس المحلية المنتخبة وكل المنافذ التي استطاعوا الوصول إليها بأتباعهم، من جهة أخرى نشروا خطاب المظلومية في كل الاتجاهات ولم يتوانوا لحظة في الاستمتاع بما توفره المناصب من امتيازات من تتبع الصحافة لهم، وسفاريتهم إلى الخارج و المبيت في أرقى الفنادق واستقبال الشخصيات المهمة، وركوب السيارات وتغيير أوضاعهم الاجتماعية، لأن غالبية نخبهم منحدرة من أوساط فقيرة ومتوسطة، لما وصلوا للحكم تغيروا جذريا، وهو ما جعل القواعد الشعبية المحرومة التي صوتت عليهم تكشف هذه الحقيقة. هذه المظلومية كان النصيب الأكبر لحزب الأصالة والمعاصرة الذي اتهموه بأبشع النعوت ولا تمر مناسبة إلا وقياداتهم تكيل التهم والسب والقذف في مسؤولي الأصالة والمعاصرة.

الإخوان والمشهد السياسي المغربي بين 2016 و2021

لما انتهت الولاية الأولى، عاد بنكيران من جديد في كامل الثقة هذه المرة، واكتسحوا من جديد عموديات المدن الكبرى والبرلمان 125 ب مقعدا، وبدؤوا في تشكيل الحكومة، الأصالة والمعاصرة رفض المشاركة معهم، ففتحوا مفاوضات مع باقي الأحزاب كان من الممكن أن يحظى بنكيران بولاية أخرى لكن تعنته ورفضة لمشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة حال دون ذلك وعطل الزمن السياسي المغربي ستة أشهر، حتى أعاد الملك تعيين أضعف قيادي منهم في منصب رئيس الحكومة وهو سعد الدين العثماني، شخصية العثماني نقيض تماما لبنكيران قبل العثماني شروط الأحرار وتشكلت الحكومة وانقسموا بذلك تنظيميا بين أتباع بنكيران المتطرفين وأتباع الاستوزار. وتم التخلص في النهاية من بنكيران في مؤتمر الحزب وبدأت المواجهات الداخلية بينهم كالعقارب، وهكذا كانت ولايتهم الثانية ثقيلة عليهم خاصة في ضعف رئيس الحكومة وزيادة فضائحهم. لكن نسبيا تم التخلص من الازعاج الذي كان يحدثه بنكيران رغم أنه من الحين والآخر يقوم بخرجات للتشويش على الحكومة.

8 شتنبر 2021 ليلة السكاكين الطويلة

وصلت الانتخابات وبدأت الحملة، حملة العدالة والتنمية تتضمن نقطة فريدة ووحيدة هي مهاجمة عزيز أخنوش، الذي قاد حملة احترافية وسطر برنامجا واضحا، وتميز بأسلوب قيادي متميز، وهيكل الحزب ولم يسلم من شن حملات الكترونية على كتائب الاخوان الالكترونية لمقاطعة شركاته، لكن لم يستسلم وواصل العمل. حملة الإخوان بينت حجم السخط الشعبي عليهم، وصلت إلى الاعتداءات اللفظية على بعض قياداتهم، وتبين أن الأحرار هو صاحب المرتبة الأولى حتى قبل الاقتراع. وهو ما حدث لكن المفاجأة أن الإخوان حصلوا على 12 مقعدا فقط، مقابل 125 سنة 2016، واكتسحت موجة من الارتياح المجتمع، ورغم عودة الأحرار الذين رشحوا الأعيان وأصحاب النفوذ رغم ذلك حدث ارتياح بمغادرة الإخوان للأبد للمشهد السياسي المغربي، ولولا القاسم الانتخابي وهو تغيير تقني في الاقتراع لما حصلوا على أي مقعد، وهو الأمر الذي رفضوه جملا وتفصيلا في البداية.

المشهد السياسي ما بعد الإخوان: موت التنظيم وخلود الفكرة الإخوانية

حكم الإخوان في المغرب كانت له عدة سلبيات أهمها استنزاف عقد من الزمن السياسي المغربي وتعطيل المسار الديموقراطي، لكن من جهة وصول الإخوان إلى السلطة مكن من كشف حقيقتهم لمن لا يعرفها، ثم بين فشل الخطاب الدعوي الديماغوجي في عالم يغلي بالمنافسة على أعلى المستويات، ومن جهة أخرى تجاوز المغرب تمرينا ديموقراطيا حقيقيا لأنه مكن هذا التيار الذي يترجم جيدا آمال قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى والفقيرة في المغرب، مكنه من المشاركة في محك التدبير الواقعي لسير الشأن العام، فبين كما هو الشأن في كل الدول التي وصل فيها إلى السلطة على عدم قدرته خطابه الإيديولوجي على الانسجام مع الواقع الكوني. الإخوان انتهوا في شمال افريقيا والشرق الأوسط وانتهت معهم الإيديولوجيا التي نظروا لها في نهاية العشرينيات،  في مصر  اقتلعوا بالقوة في تونس كذلك، في المغرب، وصلوا بالصناديق إلى السلطة وغادوها بالصناديق وهذا أحسن ما في الديموقراطية رغم بعض عيوبها، لأن الديموقراطية أوصلت للسلطة من لا يؤمن بها أصلا.

لكن رغم كل ذلك فإن الفكرة الإخوانية ولتي تتقاسمها كل التيارات مازالت قائمة ونقصد الرغبة في " نظام إسلامي يوحد الأمة العربية الإسلامية". هذه الحنين الرومانسي للماضي متجذر في اللاوعي الجمعي للمسلمين أينما وجدوا، وليس من السهل تجاوزه، فكم من حركة دينية بدأت وانتهت بهذا الشكل، لكن لا تكاد تمر فترة حتى تعود الفكة الخلاصية من جديد، الوهابية مثلا والحركة الموحدية والمرابطية   في المغرب وتيارات الشيعة والأحزاب الدينية وغيرها. طوبى الدولة الدينية هوس يسكن النص الديني المؤسس، والعقل الإسلامي مسجون في هذا الإطار. لذلك نؤكد من جديد أن الثقافي يتجاوز السياسي. في ظل سقوط الإخوان في المغرب وصعود حزب جل أعضائه من عالم المال والنفوذ ربما يغير المعادلة، وذلك من خلال تنزيل الرؤية الملكية المتمثلة في فتح الاستثمار وتشجيع المبادرة والدفع بالمغرب نحو التنافس على المستوى القاري والإقليمي والدولي. أظن أن الوعود التي حملها برنامج الأحرار وهي كلها ذات طابع اجتماع مستنزف للميزانية لا تنسجم مع الرؤية الليبرالية.


jeudi 15 juillet 2021

قراءة في كتاب و أصبحت مشيل أوباما

 



الولايات المتحدة الأمريكية بلد الحرية والنجاح والفرص العظيمة، لكن ليس الأمر كذلك كما تصوره لنا هوليود، بل ما وراء هذه الصورة الوردية تختفي غابة من التناقضات استطاع المخرج الأمريكي سام منديس سنة 1999 تصويرها في تحفته الفنية " جمال أمريكي" american beauty. يكفي فقط أن تكون أسود اللون او ذو أصل لا تيني أو امرأة أو ذو هوية جنسية مغايرة أو من الأمرنديين لتتحول سردية الآباء المؤسسين إلى نقيضها تماما. كتاب مشيل أوباما المغنون ب " وأصبحت مشيل أوباما" يصور كيف استطاعت فتاة سوداء من الجانب الجنوبي لمدينة شيكاغو كبرى مدن ولاية إلينوي، أن تتسلق السلم الاجتماعي الأمريكي وتصبح سيدة أمريكا الأولى بين 2009 و 2016 بعد أن أصبح زوجها باراك أوباما أول رئيس أمريكي أسود في تاريخها، أصبحت لم تكن تتصور تلك المكانة، لأنها في مسيرة صعود زوجها الاجتماعي اعتبرت طموحاته غير واقعية وكاد ذلك يؤدي إلى انفصالهما كما تروي ذلك بالتفصيل. الكتاب الذي يقع فيأكثر من 300 صفحة، عرض لقصة النجاح الفردي لهذه الفتاة السوداء، وهو التقليد المتجذر في الثقافة الأمريكية، التي تؤمن بالبطولات الفردية، لكن كما قلنا سابقا البطولة الفردية تكون مستحقة بشكل مضاعف في حالة كون المرء من خلفية عرقية سوداء، وهو المشكل الذي عانت منه الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها ولم تستطع التخلص منه إلى اليوم، في الكثير من الصفحات تتحدث مشيل أوباما عن هذا الموضوع، رغم أننا نجد تركيزا كبيرا على مسارها الدراسي الذي بدأ في جنوب شيكاغو ومرة بجامعة برنستون في بوسطن واختتم في هارفارد في ماساشوستس، ثم حديث عن مسارها المهني الذي انطلق من شركة المحاماة sidly حيث ستلتقي بزوجها المستقبلي الذي احتضنته كمتدرب في الشركة. ثم مرورا باشتغالها في بلدية المدينة ثم التحاقها بقسم المسؤولية في المستشفى الجامعي التابع لجامعة برنستون، ثم تجربتها في ميدان العمل الجمعوي وأخيرا دخولها إلى الأبيض كأول سيدة أولى سوداء اللون. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أقسام القسم الأول خصص لمرحلة الطفولة والتكوين بعنوان أصبحت مشيل أوباما، القسم الثاني خصص للقائها بأوباما وتكوينها لأسرة بعنوان وأصبحتا نحن والقسم الأخير خصص، لتجربتها السياسية مع باراك وعنون ب «وأصبحنا أكبر".

مؤاخذات نقذية:

الكتاب يشبه صاحبته، فيه كثير من التحفظ، والقارئ، لا يحس بعد نهاية الكتاب كأن هناك الكثير من التساؤلات المعلقة. لا ندري هل السبب هو تحفظ الكاتبة خاصة أنه لم يمر وقت طويل على ترك البيت الأبيض وبالتالي الحفاظ على التحفظ الذي يرافق تولي المسؤولية، أو السبب راجع إلى الطبيعة النفسية للكاتبة التي تختلف عن باراك الذي سبق له أن كتب كتابا بعنوان أحلام من أبي حقق نجاحا كبيرا وتميز أسلوبه بالكثير من السلالة والتفاصيل، وهو المهارة الأدبية العالية لكاتبه مقارنة مع كتاب مشيل الموسوم ببروده الواضح وافتقاره إلى السلالة والمتعة، وكان القارئ يقرأ تقريرا صحفيا أكثر منه كتاب أدبي اذن فهو ينتمي إلى كتب السيرة الذاتية على الطريقة الصحفية وهو ما جعله ضعيف أدبيا مقارنة بسيرة باراك، كما يفتقر كذلك إلى مناطق الاسترخاء فالكاتبة ولا ندري هل هي التي تولت الكتابة أم شخص آخر، ركزت فقط على الإطار العام ولم تدخل في قلب التفاصيل العاطفية والاجتماعية لحياتها، وظلت مشدودة منذ البداية إلى المسار الذي قطعته وهو انعكاس لشخصيتها الصارمة والباردة التي سببت لها الكثير من المشاكل مع الجمهور الأمريكي خاصة لما صرحت أمام حشد من الناخبين بأنها أول مرة تفتخر بكونها أمريكية، فتم توظيف ذلك من طرف الإعلام الجمهوري لتوجيه الضربات لزوجها.

عموما الكتاب حققا نجاحا كبيرا، وفي قصة مختصرة عن مسار  حياة مشيل أوباما، ويمكن أن نخرج بخلاصة مفادها أن النجاح ممكن، رغم كل أنواع الإقصاء، وحينما يكون هذا النجاح رغم هذه العراقيل كحال آل أوباما فإنه يكون مستحقا مرتين، الأولى لأن الحياة لعبة علينا كسبها بالتضحية والكفاح وعدم الاستسلام، ثانيا لأن هذا النجاح جاء ضد الأسطورة العنصرية التي أقصت السود لمدة طويلة من النجاح في قلب دولة تدعي الحرية وعدم التمييز.

mardi 13 juillet 2021

ما هو سبب فشل الأحزاب السياسية في المغرب ؟

 


هناك شبه إجماع في المغرب على أن الأحزاب المغربية، لم تعد تلعب أي دور، أو بالأحرى القول بأنها فقدت مصداقيتها لدى الجماهير العريضة من المجتمع. لكن هناك مغالطة حول هذا التشخيص سنحاول الكشف عنها، وهو الصيغة التي يروج بها هذا التشخيص أي القول أنها لم تعد، فالصحيح أن المغرب لم يشهد في  تاريخه السياسي أي دور للأحزاب السياسية، بعد الاستقلال وقبله كانت هناك أحزاب كحزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، لكن هذه الأحزاب كانت عبارة عن حركة سياسية أكثر منها مؤسسات حزبية بالمعنى الحديث للكلمة، والدليل الدور الكبير الذي لعبته هذه الأحزاب في دائرة المعارضة، لكن كلما شارك حزب قوي في التسيير فإنه يفقد شعبيته وجماهيريته ويتحول إلى مجرد إطار للانتهازية والاسترزاق السياسي ومحاولة كسب منصب سياسي، أو حقيبة وزارية أو وظيفة في الدواوين أو وظيفة في القطاع العام أو تزكية انتخابية.  كأن الأمر شبيه بمحاولة مصارعة خصم قوي لا يقهر كلما صعد أحد المصارعين إلى الحلبة يكون مصيره معروفا منذ البداية لأنه لا يصعد إلى الحلبة، إلا  بنية الانهزام والاستسلام، أمام الخصم القوي، الخصم هنا بطبيعة الحال، هو المخزن، كي لا نقول الفاعل الملكي، لأن المؤسسة الملكية رغم مركزيتها في النظام السياسي المغربي، لكنها ليست الفاعل الوحيد في ما يسمى بالمخزن، ويمكن تعريف هذا الأخير بأنه البنية الحقيقية للسلطة السياسية في المغرب وتتكون في الغالب من فاعلين يظلون خارج الضوء لكن كل المشهد السياسي هم الذين يحركونه من خلف الكواليس، ونقصد بالخصوص، القصر  ، أي الملك وأعضاء ديوانه أي مستشاريه، ثم ثانيا النخبة الاقتصادية القوية ثم العائلات النافذة، ثم الشخصيات القوية في النظام كبعض جنرالات الجيش و  الشخصيات السامية. الأحزاب السياسية لما تصل إلى الحكومة هي مجرد كومبارس لا تدرك من يحرك الخيوط، لكن تكون مجبرة على اللعب وفق القواعد المرسومة والتي ليست أصلا مسجلة في الدستور ولا في القوانين التي يفترض بها أن تكون الإطار الواضح للممارسة السياسية، لكن تجد نفسها في دوامة السياسة بمعناها الميكيافيلي وليس بمعناها الليبرالي الحديث. فحتى بعد إعادة صياغة الدستور المغربي سنة 2011 لم يتغير شيء ذا بال، نعم لقد حدث تحول ما في المشهد، لكن الواقع الحقيقي ليس هو الواقع الموجود في الورق، مثلا تم تقوية رئاسة الحكومة دستوريا، لكن على مستوى الممارسة لم تترجم الأحزاب التي تولت مهمة قيادة الحكومة المنطوق الدستوري، فاستمرت الأمور كأن شيئا لم يقع، لأن هناك هوامش ونقط مبهمة في ممارسة السلطة في المغرب، بقدر ما هناك بنية تقليدية خارج النصوص القانونية التي تظل القوة الفاعلة الحقيقية في الحقل السياسي المغربي. وذلك تحصيل حاصل بطبيعة الحال، لأن النظام السياسي ترجمة للنظام الاجتماعي السائد، فلو تم مثلا تقوية الأحزاب وأخذت بزمام المبادرة كاملة فسيقع لا محالة خلل كبير في بنية النظام السياسي وستختل موازين القوى داخله وبالتالي المصير غير المعروف في مثل هكذا حالات. إذن السؤال الضمني الذي لا يطرحه المحللون هو : هل نحن أصلا في حاجة إلى أحزاب في المغرب ؟ وهل خيار التعددية الأحزاب أصلا مفيد بالمعنى السياسي في نظام اجتماعي وسياسي واقتصادي مثل الموجود في المغرب أو دول العالم الثالث؟

أكيد أن تحليلا علميا موضوعيا سيخرج بنتائج لن ترضي " أدعياء الديموقراطية " كما لن ترضي " أدعياء الاستبداد السياسي". فنحن في السياسة نتحدث عن الفعالية أكثر من مشاعرنا الرومانسية. لذلك فبدون تشقيق الكلام خيار التعدد الحزبي غير صالح بالمعنى السياسي في واقع السياسة المغربية، لعدة اعتبارات أساسية.

أولا لأنه يبلقن المشهد السياسي ويشتت الأحزاب والتيارات في إطار أطياف متعددة ومتصارعة، المثال ما يقع داخل الأحزاب السياسية من صراعات حول الزعامة والمصالح الشخصية.

ثانيا عدم فعالية الأحزاب لأنها متشابهة وليس هناك ما يميز بعضها عن الآخر وبالتالي نفور الجماهير من الانخراط في العمليات الانتخابية لأنها تعتبر أن كل الأحزاب متشابهة.

ثالثا عدم وجود حزب سياسي بالمعنى الفلسفي للكلمة ونقصد تيار سياسي وإيديولوجي صاحب رؤية تاريخية سياسية اقتصادية اجتماعية للمجتمع قادر على طرح مشروع سياسي ذو أهاف استراتيجية قريبة وبعيدة المدى، دولة ومجتمعا وحضارة.

أخيرا اللاشعور السياسي للمجتمع المغربي لا تناسبه الحزبية بمعناها الحالي لأنه تربى لقرون على نمط قائم على القهر والاكراه وبالتالي لن يستطيع أن ينسجم بين عشية وضحاها في لعبة ديموقراطية قائمة على الصراع والمنافسة، التي هي مهمة في النظام الديموقراطي، لكنها معيبة في الأنظمة السياسية الهجينة أو السائرة في طريق التحول الديموقراطي، لأنها تنهك النخب والمجتمعات والمؤسسات في خصم صراعات سياسية في غياب تام للفعالية، النموذج تونس حاليا.

ومن خلال هذه النقطة الـأخيرة فالمخزن في المغرب يفهم جيدا هذا المعطى، وبالتالي هو في ورطة مزدوجة، من جهة لابد أن يعمل على إنهاك الأحزاب والتحكم في الخريطة الحزبية، لأن كل تقوية لها هو تهديد له وتهديد لاستقرار النظام بشكل عام. ومن جهة أخرى ليس من صالحه قتل الأحزاب السياسية لأن قتل السياسة هو فتح لباب العدمية، الحاصل أنه في إطار مسلسل للإنهاك طويل الأمد، وحينما يستمر هذا المسلسل فإن ما يتقوى هو قيم الاسترزاق السياسي و الترحال والمصالح الشخصية.

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...