vendredi 23 octobre 2020

مازاغان:الرافد البرتغالي في هويتنا الوطنية

 


مدينة الجديدة كما لقبت بعد تحريرها من طرف الأمير محمد بن عبد الله بعد أن أطلق عليها البرتغال، اسم "مازاغان "،مدينة مغربية مطلة على المحيط الأطلسي، تلقي برجليها في زرقة الأطلسي مزهوة بحليها التي تعبق برائحة التاريخ، تاريخ متعدد، بتعدد الهوية المغربية،  بالأمس بناها البرتغاليون كمحطة لهم بعد أن اصبحوا سادة البحار خلال القرن 16، بعدها ستتلاقح فيها مكونات الهوية المغربية، من دكالة، وهم قبائل أمازيغية تم تعريبها اللكنة الدكالية حاضرة في كل مكان، حينما تمر من أزقة الحي البرتغالي تختلط عليك الأصوات واللهجات خرجت من الفندق الذي نزلت فيه ، هذا الفندق ذو الزخارف المغربية البهية ،خطوط مرسومة على أبواب العرعار الصلبة، ونقوش الفسيفساء متعددة الألوان والأشكال، التي تزين الحائط و الجبص الملون الذي يزين السقوف، وسكون قاتل يعم المكان، سكون يمنحني الفرصة اللازمة للتفكير، للغرق في سوداويتي في تذوق الضجر، كتابي السوداويين سيكونون بنكهة خاصة في هذا المكان،سيوران وكافكا، وحتى نيتشه. غادرت غرفتي ونزلت إلى الشارع لأقوم بجولة في المدينة القديمة لأن المدينة القديمة هي المركز الذي تلتف حوله الأمكنة المستجدة، دخلت إلى أحد المحلات التي تبيع المأكولات الخفيفة، جلست أنتظر طلبيتي، فإذا برجل سبعيني يدخل الى المحل، وينطق ببعض الكلمات العبرية، فاتحا نقاشا مع أحد الجالسين، حيث تجادلا مليا حول اليهود، فالسبعيني يدافع بقوة عن اليهود، ويقول إنه يحبهم لأنه أكل طعامهم وجلس في مجالسهم واستمع الى أحاديثهم فهم شعب طيب، بل إنه الملك محمد الخامس حينما طلبت منه حكومة فيشي مده بقائمة اليهود المتواجدين في المغرب، قصد إعدامهم، أجابهم محمد الخامس، بأن في المغرب ليس هناك يهود، بل مغاربة. صاحب المحل  دو الأصول الجنوبية الأمازيغية بدوره دلى بدلوه في النقاش خاصة حينما أثيرت مسألة الأمازيغية واستفزه أحد الجالسين، حينما قال بأن الأمازيغ أو « الشلوح »كما سماهم قد استعمروا هذا الدرب، فدافع عن موقف قائل بأن الهوية المغربية أمازيغية، دفعوني إلى الحديث فقلت لهم، إن الهوية المغربية ليست واحدية، إنها هوية متعددة ضاربة بجدورها في التاريخ وكل من قال بالعكس فهو منغلق إقصائي، تركت المحل واخترقت الزقاق الضيق، أصوات ممتزجة، سباب، ضحكة، صياح، نغمة،…لا أميز بينها لأن أذني تستقبل تلك الأصوات، فتتلذذ بها، دون أن تحاول التمييز فيما بينها، بينما حتى الروائح تختلط، كل واحد منغمس في نشاطه اختلاط عجيب، هذا الذي يميز المدن المغربية، أسير وأتأمل المارة دخلت من إحدى البوابات إلى الحي البرتغالي وبدأت أتأمل البنيان الأوروبي المهيب، الذي يحمل جانبا من روح الحضارة الأوروبية، الناس هنا يبسطون ويضحكون. جلست على في أحد المقاهي المطلة على الزقاق، مقهى تقليدي، ينتصب بقرب السقالة التي بناها البرتغاليين. وجلست أتأمل العابرين، بشر من كل الأعراق والألوان يكتشفون المكان.

 

 

 

 

 

 

طوماس هوبز والثورة السورية

 


شكل القرن 17م نقطة تحول في تاريخ أوروبا وفي تاريخ الإنسانية عموما حيث تم الانتقال بالتدريج من قرون الظلام الوسطوية إلى عصور الحداثة هذه الأخيرة التي تظافرت مجموعة من العوامل في بلورتها وكشف جوهرها، أهمها: الاكتشافات الجغرافية والتقدم العلمي والاصلاحات الدينية. إنها بالتالي ملامح النهضة الأوروبية التي سيتم السير عليها. والتي لم تأت بطبيعة الحال في آن واحد لأنها كانت. عملية تاريخية تبلورت عناصرها وملامحها الكبرى شيئا فشيئا. وفي هذا السياق بالضبط شهدت المجتمعات الأوروبية تحولات جوهرية في المجال السياسي، وظهرت مجموعة من الاضطرابات السياسية والتحولات الجوهرية جعلت يراع الفلاسفة والمفكرين ينبض من أجل القبض على روح العصر وترجمة فلسفة توافق الآمال الشعبية وترسم الخطوط العريضة للحداثة الشاملة، خاصة السياسية منها. وفي هذا الإطار ظهرت النظريات السياسية التي تطورت في مجال الفكر السياسي،لتقترح بلورة تأسيس ميتافزيقي إن صح القول للدولة بمفهومها الحديث، كصيغة مثلى تعبر عن الاجتماع البشري. وقد بدأ الفلاسفة في بلورة تصورات تقترح النظام السياسي الملائم للشعوب، تتجاوز من خلاله أشكال المشروعية السياسية التي كانت تنهض عليها الدول،خاصة المشروعية الدينية التي كان الملوك يؤسسون عليها سلطاتهم باعتبارهم ظلال الآلهة على الأرض وحقهم المقدس في ممارسة السيادة على شعوبهم. لكن التحولات التاريخية التي ظلت مستمرة فرضت بلورة تصورات سياسية جديدة تؤسس للاجتماع البشري على أسس تتجاوز الأشكال القروسطوية القديمة وتعبر عن الراهنية التاريخية التي أصبحت شيئا فشيئا تتخلص من الحضور الإلهي، والعناية الإلهية حيث بدأت روح الحداثة تعطي للإنسان المركزية مقابل عالم الألوهية الذي أصبح مفارقا ومنفصلا عن العالم. وهذا ماظهر في فلسفة ديكارت باعتباره أب الحداثة بامتياز،حيث فصل الذات الإنسانية عن التأسيس الميتافزيقي اللاهوتي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، وبوأته بالمقابل الصدارة والمركز باعتباره ذاتا مفكرة وبالتالي انكشاف عنيف للأنا مقابل تواري الآلهة وصعودها إلى السماء أو استقرارها في المجالات الخاصة، أي في قلوب المؤمنين بها. وهو مافرض على التفكير الفلسفي النظر إلى المجتمع على أساس جديد، عليه تتأسس السيادة ومشروعية السلطة. وفي هذا الإطار بالذات بدأت الفلسفة ترسم الوجه الجديد للمدنية الحديثة خاصة مع الثورات المتتالية، والصراعات الدينية الدموية، وظهور القوميات الأوروبية التي ستفرز "الدولة-الأمة " كمفهوم جديد داخله تتبلور الحياة الاجتماعية للشعوب، وبالتالي انهيار الإمبراطوريات القديمة وتشكل أوروبا الحديثة. إن الاجتماع السياسي باعتباره ضرورة وجودية، لا يتأسس إلا على تنظيم عقلاني محكم يستمد المشروعية من داخله لا من خارجه، هنا المحايثة باعتبارها المنطق الذي يسود، سواء في العلم أو الدين أو الفلسفة وحتى في المجال السياسي. وعليه فقد أصبح «العقد الاجتماعي» النظرية الأساس التي يجب أن تتأسس عليها مشروعية الدولة، وهي من مفرزات العقلنة والتحديث التي انخرطت فيها أروبا، لكن الوصول إلى تعاقد اجتماعي مكتمل كما نراه اليوم في الدول الديموقراطية،لم يكن ليتأسس دفعة واحدة،لكن جاء بالتدريج. لهذا نجد العقد الاجتماعي باعتباره أساس قيام الدولة الوطنية في أوروبا، كان في البداية يستوجب قيام سلطة الدولة على عقد واتفاق بين الحاكم والأفراد، مقابل توفير "الأمن والسلم ". لأنه في الأدبيات السياسية لا يمكن تدشين التقدم المجتمعي في ظل عدم الاستقرار وفي ظل انتشار العنف والاقتتال. تقوم الدولة لتوفر الأمن والسلم، عقد ذو بند وحيد، التنازل عن الحرية الطبيعية، التي تترجم القتل مقابل توفير السلم والأمن. وهو الطرح الفلسفي الذي بلوره الفيلسوف الانجليزي طوماس هوبز في كتابه الشهير "الليفيتان "، مؤسسا بذلك لأول تنظير في المجال السياسي ومدشنا لنظرية العقد الاجتماعي التي ستتطور بعد ذلك مع فلاسفة آخرين خاصة اسبينوزا وجون لوك وجون جاك روسو. إن حديثنا هنا سينصب على طوماس هوبز، نظرا لراهنية أطروحته فيما يتعلق بالظروف التاريخية التي يمر منها العالم الاسلامي اليوم،خاصة دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا على وجه التخصيص، التي تشهد ولادة تاريخ جديد. وبالنظر إلى بعض الدول التي تشهد دمارا شاملا وتشكل بؤرة تحول جيوبولوتيكي، اتضحت خيوطه الكاملة، بعدما خرج الفاعلون الذين كانوا يدبرون في الخفاء إلى العلن، لزعزعة الأوضاع في المنطقة باسم «الديموقراطية » و »حقوق الانسان » و "التغيير" الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط تفترض من الشعوب التي تعيش هذه المأساة أن تؤسس لرؤية ثاقبة تستقرأ وضعها التاريخي من أجل أن تبني أوطانها بإرادتها الحرة وتصنع قدرها التاريخي بكل وعي ومسؤولية إن ما تشهده سوريا اليوم يؤكد بالملموس أن الفرضية التي وضعناها في البداية صحيحة بشكل كبير، والتي ترى أن الفاعلين الحقيقيين وراء الحراك الشعبي السوري، وظفوا معاناة السوريين وغضبهم من أجل تخريب الدولة السورية، سعيا وراء مصالحهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، لاحبا في سواد عيون السوريين و لابد هنا من التمييز بين النظام السياسي الحاكم، والذي نتفق جميعا على تسلطه و دكتاتوريته، وبين الدولة، كشكل من أشكال التنظيم العقلاني للمجتمع، لهذا فإننا إذ نؤكد على وجوب تحقيق الديموقراطية في سوريا،ديموقراطية حقيقية تتجاوز الشعارات التي جيش بها أعداء سوريا، السوريين على الدولة، نؤكد بالمقابل أنه لا يجب تخريب الدولة باعتبارها تجسيد مطلق لفكرة أخلاقية، كما قال بذلك فردريك هيجل إن أفضل حل لما يجري في سوريا من اقتتال، هو خلق تعاقد اجتماعي بين الدولة والشعب السوري. فمطلب السوريين هو عودة الأمن الى شوارعهم وأحياءهم، وعودة العائلات إلى بيوتها من أجل الحصول على قليل من الدفء، وتوقف حمام الدم الذي استمر لسنوات، كذلك توقف لعلعة الرصاص، ودوي الانفجارات المتتالية، وخروج جماعات الدم العابرة للحدود من تربة الشام الطاهرة. لهذا وجب التفكير بواقعية، والواقعية في نظري تقترض التنازل من كلا الطرفين، لعودة السلم، لهذا وجب على السوريين عقد مصالحة وطنية شاملة، وتطهير البلاد من جحافل الارهابيين، وضرورة التمييز بين الدولة كمؤسسات وبين النظام السياسي الحاكم. لهذا نتمنى أن تتبلور تصورات سياسية واضحة تستفيد من التاريخ وتتجاوز منطق الولاء والطائفية، وتستحضر الواقعية باعتبارها الجوهر الأساس في السياسة. لأن تعنت الأطراف لن يؤدي إلا إلى زيادة تأزيم الأوضاع والقضاء على ما تبقى من الدولة. إن السوريين شعب حباه الله بالغنى الحضاري والثقافي، وبلاد الشام هي مهد الحضارة الإنسانية، لكن تعنت النظام السياسي من جهة، وتكالب الدول العربية والقوى الدولية، جعل هذه الأرض الطيبة تسقى بالدماء لمدة تزيد عن ست سنوات، فمتى تنتهي المأساة، ويعود الاستقرار؟ لكن أكيد أن هذه التجربة التاريخية سيستفيد منها الشعب السوري وستنهض سوريا من جديد دولة ديموقراطية قوية.

المقال منشور بموقع رأي اليوم

 

 

 

 

 

 

 

الفرسان الثلاثة

 


العالم اليوم يعيش لحظة تاريخية صعبة، يكفي فقط قراءة التاريخ بعين الفيلسوف واستحضار منطقه، الذي يفجر الأحداث، وتلك الانفجارات التاريخية إن كانت أسبابها متعددة ومختلفة فإن من يكون السبب في تفجيرها في الغالب هو جنون العظمة.خلال هذه الألفية تقوت الرأسمالية فأصبحت وحشا يهدد وحدة العالم، بل إن الاقتصاد أصبح العصب الذي يحرك التاريخ الراهن. لذلك فإن السعي المحموم نحو السيطرة والنفوذ والهيمنة والتنافس غالبا ما يؤدي إلى اصطدام الإرادات التي تكون في الغالب قومية مجتمعية وثقافية أيضا. لكن لا يمكن رغم ذلك أن ننفي إرادة الأفراد الذاتية وهو ما يؤدي كما يقول هيجل بصناعة التاريخ ولكن وفق الشروط التي يريد هو. إنه مكر التاريخ!هذا المكر الهيجلي هو الذي يدفع الأشخاص نحو صناعة التاريخ. واليوم هناك ثلاثة فرسان، سيفجرون اللحظة الزمنية ويرفعون من وتيرة الأحداث. ليأخذ العالم شكلا جديدا أو ربما اختفاءه من الوجود، وبالتالي اختفاء هذه الإنسانية التي ما فتأت تدعي لنفسها الذكاء والتفوق بكل استعلاء وخيلاء. هؤلاء هم زعماء ثلاثة دول نووية ولابد من التسطير على كلمة نووية لأن ذلك هو ما سيعطي لكل انفجار للأوضاع بعدا أبوكالبتيكيا مهولا ما فتأ الفن والأدب يعلن عنه منذ مدة.الزعيم الأول هو زعيم أقوى بلد في العالم وقد جاء ليعيد ل «أمريكا عظمتها» وبالتالي فشعاره هو « أمريكا أولا » وهي دعوة قومية وطنية متطرفة تذكرنا بالدكتاتور الذي فجر عالم القرن 20 وهو أدولف هتلر. دونالد ترامب رجل الأعمال الذي دفعت به اللوبيات الرأسمالية، إلى اعتلاء عرش الولايات المتحدة الامريكية أقوى بلد في العالم. شكل فوزه صدمة لدى الكثيرين، لما تتميز به شخصيته من غطرسة وجنون عظمة وجشع، حيث شعاره المال والربح ولو كلف ذلك الأمن الدولي والأممي، إنه بتعبير مشيل أونفراي » رمز الرأسمالية المترهلة » ووجهها الأكثر تعبيرا عنها. وقد كان منذ حملته الانتخابية محط جدل دائم، خاصة أنه ضغط على وتر العنصرية، واستثار المشاعر القديمة لدى البيض ودافع بقوة عن المصالح التجارية لأصحاب الرساميل، ولم يكن قط وليد إيديولوجية واضحة المعالم، خاصة في زمن أعلن فيه البعض "موت الإيديولوجيا "، اللهم إيديولوجيا السوق الرأسمالية المتوحشة العابرة للقارات. وتعتبر سمة جنون العظمة أهم سمة تجعل منه فارسا قادرا على الدفع بالعالم نحو الكارثة.الزعيم الثاني هو وجه رأسمالي آخر، لكنه رجل سياسة بامتياز، لأنه ابن الاتحاد السوفياتي ووريث سرها وكعيد امجادها، والباحث عن عودة عظيمة للإمبراطورية البائدة. والتي في نظره لم تضع كما يتصور البعض. وبالتالي فلابد من إعادة تقسيم العالم ونزع السطوة والهيمنة ممن سطوا على الوجاهة والزعامة العالمية، وهو نفسه شخص مجنون ولكنه ذكي ومخادع وماكر في الآن نفسه. ربما لأنه ابن أخطر مخابرات العالم الكاجي بي. كما انه قادر على الدفع بالعالم نحو نهايته إن اقتضى المنطق القوة لنزع الاعتراف.المجنون الثالث هو أيضا وريث جمهورية ستالينية في آسيا، هذه الجمهورية التي عاشت مائة عام من العزلة، لذلك فقد وصلت بها الظروف إلى لحظة هذيان أو انفجار لأنها لا تحتمل المزيد من تلك العزلة القاتلة، لاسيما وأن جارتها في الجنوب التي اتجهت نحو المعسكر الغربي منذ البداية، تحقق تحت قدميها انجازات عظيمة وتحولت إلى قوة اقتصادية عالمية في ظرف وجيز، وهو ما شكل لها عقدة. لأنها ورغم افتخارها بأن القلعة المنيعة عن الرأسمالية، فإن ظروف العالم لم تعد تناسبها، لذلك فإنها قد تفجر هذا العالم وتفجر الأخضر واليابس، مادامت لا تستفيد من شيء وتريد أن تفرض نفسها على الساحة الدولية ولو برؤوس نووية عابرة للقارات ترسلها إلى البحر من حين لآخر، ليتحدث عنها العالم، ولتظهر له انها موجودة وتزهو بجنونها. ويقودها «زعيم خالد وملهم وقائد الشعب العظيم» وهو الشعار الذي يلقن لساكنيها في المدارس ومن لم يكرره يموت على الفور !وما يميز هذا الزعيم هو أنه ينتمي إلى طائفة المجانين وهو الفارس الثالث من فرسان العالم الثلاثة. آن هؤلاء الثلاثة هم أخطر ثلاثة مجانين اليوم، لأنهم يقودون دولا د واحدة في امريكا والأخرى في آسيا والاخيرة في أوروبا.هذه مجرد تأملات في وضعنا الراهن. والتاريخ وحده هو الحامل للجواب.هل نستمر أم نفنى؟

 

صدام الحضارات وأزمة العالم الإسلامي

 


خلال القرن19م، اتجه العالم الغربي أو الحضارة الغربية إلى التمدد والتوسع على حساب الثقافات الأخرى، وذلك راجع إلى حتمية هذا التوسع مادام أن فلسفة التاريخ تعلمنا، أن كل حضارة تحس بالقوة، إلا وتكون تبعات ذلك رغبة هذه الأخيرة في التمدد. وهو نفس المنطق الذي يحكم قوانين الفيزياء. وقد ظهرت على إثر ذلك النزعة الاستعمارية الغربية، وبدا العالم الغربي الأوروبي، الذي دشن الحداثة وأصبح راعيها بدأ في فرض قوته وإعلان نفسه كمحور، واعتبر باقي الثقافات هوامش وأطرافا. وقد انصاعت بعض الثقافات لهذه الهيمنة الغربية، بينما أخرى واجهت الاستعمار ورفضت الحداثة التي ظلت مرتبطة به، لأنها تمثل في نظرها تهديدا لكيان الثقافة، وأنا أستعمل هنا كلمة الثقافة بالمعنى الشاسع للكلمة والذي يمثل كل العناصر التي تدخل في تنظيم جماعة من الأفراد داخل تصور هوياتي معين وتفاديت استعمال كلمة حضارة، لأن هذا المفهوم يدل على مجال أوسع هو المجال الإنساني وبهذا المعنى فليست هناك سوى حضارة وحيدة هي الحضارة الإنسانية، في إطار تعدد الثقافات. وربما هذا هو الهاجس الذي وجه هذه الورقة منذ البداية. إن الدول التي كانت محط أطماع الغرب خضعت بالفعل للاستعمار، إما بدعوى رغبة هذه الدول في تحديث و نقل الحداثة الى الاخر  » المتخلف » و »البدائي »، أو بدعوى استغلال الخيرات التي تتوفر عليها هذه الدول، رغم أن هذا الهدف الأخير لم يتم الترويج له صراحة، بقدر الأول، وهو ما حدث بالفعل مع الحضارات القديمة، كحضارة الشرق الأوسط وشمال افريقيا،وآسيا حيث دخل المسلمون في مواجهة مباشرة مع الغرب، انطلاقا من رغبتهم في فرض ذواتهم ومواجهة الثقافة التي تهددهم،أما الثقافة الآسيوية فقد استوعبت الدرس منذ البداية ، وذلك من خلال انخراطها في الحداثة واستلهام جانبها التقني والعلمي، وبالموازاة الحفاظ على كيانها الثقافي والهووي،كما حدث مثلا مع اليابان التي دشنت، ثورة الميجي بداية النهضة الحقيقية فيها، اما الصين بدورها فلم تسلم من اختراق الحداثة لها، لكن في النهاية ستستوعب الدرس بدورها فتدخل في المنطق الكوني للحداثة في إطار الاحتفاظ بخصوصياتها الثقافية.لكن الحضارة الاسلامية لن تستوعب الدرس للآسف، لأنها انطلاقا من النظرة التي كونتها عن نفسها، لم تستطع الانسلاخ من التمركز حول الذات الذي استمر منذ الثورة المحمدية وظهور الإسلام، فرغم واقع التخلف الذي استمر منذ القرن 13 م. إلا أن المسلمين لم يستطيعوا استيعاب الدرس فظلوا يواجهون الثقافة الغربية، بدعوى الحفاظ على هويتهم، وإعادة الزعامة إليهم، لأن الله »اختارهم » أن يكونوا أسياد العالم، ولم يدخلوا بذلك في منطق الحداثة وآلياتها كما فعل غيرهم من الروس والصينيين واليابانيين، وهو الدرس الذي بدأت بعض الدول الاسلامية في شرق آسيا تستوعبه،كأندونيسيا وماليزيا وسنغفورة مثلا التي تشكل نموذجا للدول الإسلامية الرائدة.لكن مقابل ذلك فإن أوضاع مسلمي الشرق الأوسط وشمال افريقيا تنذر بمزيد من التخلف والتأزم. فهؤلاء لا يريدون أن يفهموا منطق التاريخ، وينخرطوا في الحداثة الكونية، فأصبحوا بذلك أشبه مايكون بدونكيشوته في صراعه مع الطواحين الهوائية، فهم يصارعون طواحين التاريخ والحداثة بسيوفهم الخشبية! لهذا نجد أن التأخر في فهم التاريخ والانتماء إلى العالم يحكم على مسلمي الشرق الأوسط وشمال افريقيا بمزيد من الانعزال والتأخر، تنتج عنه أزمات لعل أهمها الحروب والصراعات الطائفية والارهاب. لدى فقد حان الوقت للانخراط في الحداثة الكونية، لأنها قدر وليس اختيارا. والخروج من العزلة الكونية التي تزداد حدتها مع الوقت وتظهرنا للعالم كأننا مصاصو دماء وقتلة وارهابيين بدون استثناء، وأصبحت كلمة مسلم تترجم في مخيال سكان الأرض بالارهابي الدموي.

في مديح العزلة

إن الرجال الأقوياء هم الأكثر عزلة، هكذا قال الشاعر الأمريكي العظيم شارل بوكوفسكي، وهو قول فيه الكثير من الحكمة وتتفق حوله الكثير من العقول الجبارة. ولا أدل على ذلك من أن كل عظماء التاريخ إلا وكانوا أشخاص منعزلين، وليس المقصود هنا بالعزلة، العيش وحيدا في جزيرة وسط البحر كما فعل الحي بن يقظان، ولكن المقصود منها أن الذات يجب عليها ألا تنصهر كلية في الجماعة، وتذوب أصالتها فيها، فتصبح هي الكل ولا أحد. فالعزلة تعني تحقيق الذات لوجودها الأصيل، كما يقول هيدجر،أي وقوف الذات أمام مصيرها، وعدم نسيانها له، وبالتالي نسيانها للحظة الموت، إن العزلة تعلمنا أن نبقى في حضور دائم أمام مصيرنا وأمام سؤال الموت، إنها تعلمنا أن نتذكر باستمرار الأسئلة المصيرية والمحيرة. لهذا كل لحظة ابداع أصيل، لابد لها من لحظة عزلة عن العالم والأشخاص. والعودة إلى الذات واستكشافها والتأمل فيها، للحصول على الحقيقة الباطنية التي لا يمكنها أن تنكشف في الضجيج، ووسط الجماهير المغفلة، التي في كثير من الأحيان تنحاز كلية الى عقيدة القطيع، وتركن الى المشترك بين الجميع الجماهير لا تفكر،إنها تفضل العادي والبسيط.لهذا تعتبر العزلة طريقا نحو اكتشاف حقيقة الذات والعالم، فالمفكرين العظام و الفنانين،إلا وانعزلوا لحظة كتابتهم وابداعهم، فحينما أراد ديكارت ان يؤسس لميتافيزيقاه انعزل في الريف الألماني، ومارتن هيدجر كان له كوخ في توتنانوبرج ينعزل فيه، ونيتشه بدوره. وحتى الأنبياء قبل أن ينشروا رسالاتهم إلا وانعزلوا لمدة حتى تبينت لهم أهم الخيوط لأفكارهم ورؤاهم، فمحمد مثلا عاش عزلته الوجودية في غار حراء مدة من الزمان، فكان يبتعد عن جماعة قريش ليتأمل في الكون وفي الهواجس التي تعتمل في نفسه، إنه عاش أزمة وجودية، مرتبطة برفضه لعقائد البدو ورغبته في تجديد الفلسفة التي كانت سائدة في المجتمع، بعد ذلك سيؤسس محمد لإيديولوجيا التغيير التي توصل إليها بعد انعزاله هذا. كما أنه على مر التاريخ نجد تجارب كثيرة لنساك وزهاد ومتصوفين وملهمين كبار اتخذوا من فترات العزلة الطويلة أو القصيرة ملاذا لهم لصياغة تصوراتهم وفلسفاتهم، بل أحيانا انعزلوا كلية عن الآخرين، وهناك بعض التجارب الأخرى التي قام بها البعض من أجل الهروب من المجتمع المعاصر والمعقد، كما فعل مثلا الفيلسوف الأمريكي هنري ثورو الذي اعتزل المدينة وعاش في الغابة لمدة طويلة بدون مظاهر الحضارة المعاصرة وقد كتب بعدها كتابا حول تجربته هذه.وهناك من الأشخاص من يجدون راحتهم في الابتعاد عن الآخرين، ويبدعون أكثر وهم لوحدهم. وفي نظري ان الانعزال هو لحظة لتحقيق اصالة الذات، ولكن لا يجب فهم العزلة بمفهومهما المرضي، حيث لا يستطيع الفرد تحقيق مشاركة مع الآخرين والتواصل معهم، لكن العزلة المقصودة هنا هي العزلة بمفهومها الايجابي حيث يتم الاستقلال النسبي عن الجماعة، ويتحقق الفرد بشكل ميتافزيقي، لأن الفرد هو الأساس الذي تبنى عليه الحداثة بكل تجلياتها، السياسية، حيث يتم تأسيس المجتمع السياسي على أساس التعاقد بين الحاكم والمحكومين، والتعاقد في حاجة الى الارادة الفردية ليأسس، وكذلك المجتمعية، حيث تنتشر فكرة الحرية داخل المجتمع ويتمتع فيه الفرد بقدر كبير من استقلالية قرارته، وتجاوز منطق القبلية والأبوية والوصايا الدينية كما أن المجال الديني يصبح مجالا معلمنا، تتأسس فيه العلاقة بين الفرد الحر مع معتقده، وبذلك يتأسس الدين بمفهومه الفردي، ويتم تجاوز الدين الذي يمتد إلى حرية الفرد ويقوضها نحو دين فردي ومنفتح وكوني.


نحو إصلاح ديني للإسلام

 


إن إصلاح المجتمعات العربية لن يتأتى دون إصلاحات مهيكلة مرتبطة بمجموعة من القطاعات، ولعل أهم مجال لابد له من الإصلاح هو المجال الديني، فأشكال التدين الموجودة اليوم داخل هذه المجتمعات ليست شكلا ناجزا ومطلقا من التدين، بل هو رؤية أو مجموعة تصورات فقهية تبلورت في سياقات تاريخية واجتماعية معينة. لهذا نجد أن هناك اتجاهات وفرق وجماعات واتجاهات وفلسفات دينية. إن كل تغيير حقيقي، لا يأخد في عين الاعتبار هذا المعطى، لا يمكنه أن يحقق كبير نتائج، لأن الحل المناسب لتجاوز الانسداد التاريخي الذي تعانيه الحضارة العربية، التي انهارت منذ الزحف المغولي على بغداد وتدمير مكتباتها، وتبلور فكر فقهي متزمت بعد ذلك، والذي ترتكز عليه جماعات الإسلام السياسي، والجماعات الارهابية التي تضرب بقوة في جهات العالم الأربع. فالتغيير لن يتأتى مطلقا، باستلهام قيم الماضي المتخلفة، بل إنه مرتبط دوما بالسير والتقدم نحو الأمام،لهذا شاهدنا أن أروبا لم تكن لتحقق تقدمها، لولا الإصلاح الكبير الذي قام به الراهب الألماني مارتن لوثر، الذي جاء في فترة شهدت فيها الكنيسة الكاثوليكية في روما أزمة كبيرة وتوحشا بلغ حد بيع صكوك الغفران للأوروبيين البسطاء،و تأسيس محاكم التفتيش الجهنمية، التي كانت تتفنن في تعذيب وقتل كل فكر حر وجديد، لا يطابق التعاليم المتكلسة للرهبان والقساوسة ورجال الكنيسة، حيث أصبح الدين الذي ظهر مع المسيح كدين محبة ولطف، دينا عنيفا يقتل ويعنف، لأنه اختلط بما هو سياسي ودنيوي، فانصرف رجال الدين عن الغايات الكبرى والسامية للدين وهي تحرير الإنسان وإعطاء المعنى الوجودي، انصرفوا إلى كسب المال ومحاربة كل تجديد وتفكير، فكان الإصلاح بذلك في أعظم ثورة ستشهدها الكنيسة،حيث سينقسم المسيحيون إلى كاثوليك وبروتستانت.إن الإصلاح الديني إذن، لحظة أساسية يجب أخذها بعين الاعتبار في عملية بناء المجتمع والدولة الحديثة في مجتمعاتنا،لأن كل إصلاح لابد له أن يرتبط بإصلاح العقل أولا، والعقل الاسلامي، دخل مرحلة أزمة عميقة، أصابت مقولاته الأساسية التي لم تعد تناسب الظرفية التاريخية التي يمر منها العالم. والنتيجة هي ظهور الجماعات التكفيرية الارهابية مثل طالبان والقاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها من جماعات الدم الجهنمية، التي تستند في أيديولوجيتها السوداء المتطرفة، إلى تراث عتيق من المقولات الفقهية التي صيغت خلال القرون الماضية، فتم البناء عليها، وتبنتها هذه الجماعات كذا جماعات الاسلام السياسي، وأرادت اسقاطها بشكل ميكانيكي على واقع المجتمعات العربية الاسلامية الحالي، دون تجديد ولا عصرنة ولا اجتهاد. فنجد أن ابن تيمية وابن حنبل أهم عندنا من ديكارت وروسو. حتى أن بعض الأنظمة السياسية تأسست على هذا الفقه، مثل السعودية التي اتخذت من أشد أنواع الايديولوجيات الدينية، عقيدتها وأساسها،لدى نجد الوهابية السلفية، هي عقيدة آل سعود، حيث تطبق فقه ابن حنبل وابن تيمية، من سرق في السعودية، تقطع يده، من زنى يجلد أو يرجم، من نظم قصيدة هجاء في أولي الأمر، أي عائلة آل سعود يقطع رأيه، وغيرها من مختلف انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارس في حق المواطنين.ونفس الطرح نجده عند القطب الآخر من الفقه الاسلامي، في ايران،التي تستلهم التراث الاسلامي الشيعي. ونقطة الاختلاف الوحيدة بين كلا النظامين، الوهابي والشيعي أن الأخير جاء إثر ثورة دينية قام بها رجال الدين بقيادة الخميني على نظام الشاه الذي قام بإصلاحات جدرية لإيران، فبنيت ايران الشيعية، على تلك الاصلاحات، لتصبح بذلك قوة اقليمية، تبحث لها عن مجال لفرض قوتها، لكن مساعيها ستصطدم مع الدولة الوهابية التي تأسست بناء على فقه وهابي وفي تزكية من الولايات المتحدة، وما يحدث في إيران والعراق وسوريا ليس سوى الساحة التي يتجلى فيها هذا الصراع، الذي سينتهي حتما باصطدام أعنف سيكشفه لنا التاريخ في المستقبل.إن هذا الصراع الديني، نجد له امتدادا في التاريخ، ويعبر عن أزمة عقيمة يمر منها المسلمون، وهي أزمة دينية بالأساس، قبل أن تكون سياسية أو اجتماعية، لأن الدين مازال يشكل عنصرا مهما في الثقافة الاسلامية، والحل الجذري لهذه الأزمة هو الثورة على الفهم القديم للإسلام، وذلك من خلال إخضاع هذا الأخير للإصلاح. لأن الاصلاح الديني مقدمة أساسية لكل اصلاح، مادام الدين يحجب فردية الانسان وحريته، فكل اصلاح سياسي لا يرتبط بفكرة الحرية ليس بالإصلاح الحقيقي، ولا أدل على ذلك ما شهده العالم العربي، فيما يعرف ب »ثورات الربيع الديموقراطي »،التي انطلقت من المساجد، فنجحت في اسقاط الأنظمة، لكنها لم تنجح في اسقاط العقليات المتخلفة، والسبب في ذلك هو غياب إطار مرجعي يؤطر هذا الاصلاح، فلا تغيير حقيقي دون إصلاح ثقافي عميق وجذري لهذا كان لزاما اصلاح ديني، يتجاوز الفقه الاسلامي،سواء الشيعي أو السني المتكلس، من أجل تجاوز الانسداد التاريخي، وابراز فاعلية الإنسان وحريته. وبالتالي تأسيس مجتمع مدني تسوده الحرية والقوانين، والخروج من ابستمي القرون الوسطى بدون رجعة حيث نتجاوز سيادة الله، من أجل سيادة الإنسان، ونتجاوز حكم الحاكم باسم الإله، إلى حكم مدني تعاقدي ديموقراطي.

الموسيقى روح العالم

 

Portrait de Giuseppe Verdi
à l'écharpe blanche et haut-de-forme

لا يمكن للإنسان بمفهومه النتشوي، اي الانسان الذي يتجاوز انسانيته، أن يعيش ككائن بيولوجي فقط يلبي حاجاته العضوية بدون أن يلتفت إلى تكوين جوهره باعتباره كائنا يسمو بوجوده إلى مستوى آخر يتحقق كذات. لهذا صدق القول « ليس بالخبز فقط يعيش الانسان » فروح الفرد لابد أن تتغدى كما يتغدى جسده، وغداء الروح في نظري هو الفن، فالفن فيه يتحقق المطلق، وتنجلي العبقرية، كما يصف ذلك شوبنهاور في كتابه « العالم ارادة وتمثلا » فإرادة الحياة لا يمكن تجاوزها والتغلب عليها في نظر شوبنهور إلا عن طريق، مجالات تتنصل من قبضة إرادة الحياة العمياء، ومن بين هذه المجالات الموسيقى، فهي روح العالم، وهي لحظة تنصهر فيها الذات الانسانية لتسمو بروحها إلى مراتب المطلق بمفهومه الفلسفي ويعتبر العزف واللحن مظهرا من تمظهرات العبقرية والفنون كلها تحقق هذه الغاية. لكن تظل الموسيقى، لغة العالم التي توحد، لأن فيها عنصرا يمكنه أن يخترق أي نفس بشرية مرهفة، فكل البشر أينما وجدوا، يحسون ويشعرون، ويتوفرون على عاطفة ولغة العاطفة الأكثر نفادا الى جوهرها هي الموسيقى، وليس هنا الموسيقى بمفهومها الشعبي، بل العبقرية الموسيقية، كما برزت مع العمالقة الكبار، أمثال بيتهوفن وموزارت وتشايكوفسكي وفردي وفاجنر وفيفالدي …وغيرهم ممن أبدعوا معزوفات ستظل خالدة. لأن فيها عنصرا أصيلا لا يمكن للتاريخ أن يتجاوزه، فهذه المعزوفات التي تنتمي الى القرن 18 والقرن 19م مازالت تأسر قلوب المستمعين، لأن فيها من الأصالة والعظمة ما يجعلها متجددة باستمرار ، ولابد للمتلقي هنا أن يتوفر على قدر معين من فن الاصغاء، وأن يمتلك روحا تحسن الإصغاء لا روحا تألف السفاسف من الأمور، الروح الملوثة بالعبث وثقافة الرعاع الوضيعة والضعيفة لا يمكن أن تكتشف عبقرية الموسيقى العالمية، فكم من جاهل قد يعتبر موسيقى فيردي، مملة ومزمجرة لا تحسسه بشيء، لكن صاحب الروح المرهفة والإحساس الراقي سينظر إلى هذه الموسيقى على أنها قطعة من العالم، ونفسا من أنفاس الآلهة، لكن المجتمعات المتخلفة ومن بينها المجتمعات العربية الاسلامية، تعاني من صعوبة كبيرة في تقبل الموسيقى خصوصا والفنون عموما، فهي مازالت تستند الى نظرة الفقهاء الذين حرموا الموسيقى، واعتبروها »مزمارا من مزامير الشيطان » لأن العقل الديني المتزمت، دائما، ما ينظر إلى كل ما هو جميل على أنه تعبير عن أمور محرمة، لأن الفكر الذي يقدس ثقافة الموت، ويقدس ما بعد القبور، كيف له في نظري،أن ينظر نظرة استحسان الى كل ما هو جميل؟ لهذا السبب كثيرا ما نجد بعض التأويلات الرجعية الظلامية، التي تعتبر النغمة، واللون، والطرب…لهوا ولغوا وانصياعا للشيطان. ويكفينا هنا أن نتأمل في تراثنا لنجد أن أهم فترة في تاريخ الحضارة العربية الاسلامية، كانت خلال العصر العباسي، ومعلوم أن العباسيين شجعوا الفنون والفلسفة والعلوم والآداب، فظهور الفن في حضارة معينة، تعبير جلي عن ازدهارها وتطورها، وغياب الفن والفكر والآداب دليل على الأزمة والتخلف. فمجالس الخلفاء العباسيين كانت مجالس خمر ورقص وشعر وموسيقى، لأنهم لم يولوا مسائل العقيدة المتحجرة اهتماما كبيرا، بل بالعكس قد حاربوا هذه النظرة، ولا أدل على ذلك تبنيهم للفقه المعتزلي، الذي يعتبر العقل جوهرا أساسيا في فكرهم،و قمعهم للفكر الحنبلي المتزمت والتكفيري الذي سيسود بعدهم حينما ستنهار حضارتهم في بغداد.إن النهضة الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، كان من أهم تمظهراتها ظهور الفنون من رسم وموسيقى وهندسة وقد كان في البداية مرتبطا بالكنيسة التي قامت بتوظيفه فيما هو طقوسي، فقد دخل الفنانون العظام إلى الكنيسة ورسموا فيها الأجساد العارية للقديسين والآلهة والأنبياء، كلوحة خلق آدم التي رسمها رافاييل في كنيسة سيكستين،كما دخلت الموسيقى كذلك في طقوس العبادة إذ أصبحت القداسات تقام، على إيقاعات موسيقية، كما هناك بعض الموسيقيين الكبار اشتغلوا في الكنيسة كفيفالدي مثلا.إن الفن لم يدخل في صراع مع الدين، بل إنه تسلل إلى مقولاته، فقوض الديانة الظلامية، وخلق دينا تنويريا يؤمن بالفن، فمن خلال الفنون التشكيلية، تصالحت أوروبا مع الجسد، الذي لم يعد مرعبا ومخيفا، بل إن الجسد أصبح أول من تحرر. في موازاة مع تحرر الفكر بطبيعة الحال. كما أن الموسيقى، منحت الروح استقلاليتها، ولم تعد الفنون، تجليا للشيطان، بل شهد الدين وفق هذه التحولات، انقلابا ناعما فمثلا حينما انتهى رافاييل من لوحة خلق آدم، عرضها على البابا، وحينما رآها البابا، صفع رافاييل، وصفعة البابا، شكلت اندهاشه ورهبته في آن واحد. وهو فعلا ما وقع مع توالي الأحداث، حيث جاء الاصلاح الديني مع مارتن لوثر وتم بعدها إعادة النظر في مجموعة من المقولات الدينية التقليدية، وانطلق التنوير الذي سينتصر في الأخير على الظلامية، وسينفصل الدين في نهاية المطاف بعد صراع طويل بينه وبين الفكر والفنون.وبعودتنا إلى سياق الحضارة العربية الاسلامية، نجد أننا مازلنا نعيش زمانيا في القرون الوسطى، فمعابدنا يحرم الرسم فيها، ومازلنا لم نتحرر بعد من رهاب الجسد، ومازال الكثير ينظر الى الفن نظرة التحريم ويعتبره فسقا وفجورا، لذلك اعتبرت دائما أن مواجهة الظلامية لا يتحقق بالفكر وحده، بل إن الفنان والرسام والموسيقي والمسرحي والأديب لابد أن يشكلوا جبهة موحدة ضد الثقافة الظلامية، ولازم كل اللزوم أن نؤسس لدولة الحرية، ووسيلتنا في ذلك، الكلمة والنغمة واللحن وضربة الفرشاة يجب لهذه الغاية أن تنتشر الفنون خاصة الموسيقى وتعزف في الشوارع، ولابد أن تشيد المنحوتات والتماثيل في شوارعنا، ولابد أن ترسم اللوحات في مساجدنا وأن تتطور طقوس العبادة، لم لاندخل الموسيقى الى المساجد ، ونرسم على جدرانها، ونقضي بدون رجعة على الظلام الذي يسود عالمنا؟ ونؤسس للمجتمع الذي نحلم به جميعا وهو مجتمع الحرية والكرامة وسيادة الانسان.فيا أيها الفنانون أبدعوا، وارسموا، وخططوا، وانحتوا…لأن التغيير بيدكم.

 

 

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...