vendredi 4 juin 2021

المسار السياسي لنخب العالم الثالث: نموذج منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا

 

رئيسي حكومة المغرب السابقين: عبد الرحمان اليوسفي وعبد الإله بنكيران

في العالم الثالث تسلك النخب السياسية بالخصوص مسار واضحا للتحول من النقيض إلى النقيض، وسنأخذ على سبيل المثال الماركسيين والاسلاميين. وسنأخذ كنموذج المغرب وهو دولة من منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، كان المغرب قبل استعماره من طرف فرنسا واسبانيا بلدا تقليديا خالصا، لان التقليد كان ميسم العالم القديم الذي عاشت فيه هذه المناطق قبل ولادة العالم الجديد ونزع السحر عن العالم، بفضل الحداثة. لكن مع دخول الاستعمار الذي رفضته هذه النخب من ناحية الإيديولوجية التي شرعن بها تدخله وهي الليبرالية، التي كانت النخب متوجسة منها ولو نادى بها البعض، لكن هذه النخب استفادت من تلك الحداثة التي وطنها الغرب وغير بها النسيج الاجتماعي لهذه البلدان. لا غرو إذن أن يكون العالم القديم الذي سبق الاستعمار ذو طابع تقليدي فحتى نخب تلك المرحلة كانت تقليدية في الغالب ذات منحى يركز على الدين والجماعة والشريعة. لذلك فكل تحول اجتماعي تكون نخبه مناسبة لعصره، بعد الاستعمار كان الماركسيون هم حملة المشروع الوطني الوحدوي العربي الاشتراكي، الذي سيقود التغيير ويقضي على "النظام الكومبرادوري "ويوطن الاشتراكية ويختفي استغلال الإنسان للإنسان، فكان هؤلاء يلقبون أنفسهم بالطليعة أي القادة الحاملين لمشعل " الثورة" والمؤطرين للجماهير. دخلت هذه النخب في صراع مرير ودموي مع النظام الملكي الذي يقوده الحسن الثاني آنذاك، في استنادهم إلى الوضع الاستراتيجي للعالم وحضور الاتحاد السوفياتي الذي شكل قوة دعمهم وسند لهم، ماذا سيحدث: فشل هذا المشروع الذريع، قبل حتى أن يسقط الاتحاد السوفياتي. إما النفي، أو اللجوء، أو القتل أحيانا. لكن مع سقوط جدار برلين أدركت هذه النخب أن مصلحتها هي أن تستفيد من حقها في الريع السياسي، لأن "الممانعة " ومحاولة البقاء في المعارضة والرغبة في الحفاظ على صفائها الايديولوجي، هو مقامرة ولن يعود عليها ذلك بأي مصلحة تذكر، فتم بذلك المصالحة مع العدو القديم ودخلت النخبة الماركسية في اللعبة السياسية في إطار ما سمي بمرحلة التناوب، لما شارك هؤلاء في الحكم – نقول مشاركة لأنهم لم يحصلوا على السلطة الفعلية التي بقيت بالفعل في أيدي القصر- فهمت هذه النخب أن تسيير الدولة يختلف جذريا عن طوبى الحصول عليها. فبدأت المخططات، وهنا بقدرة قادر ستتغير البوصلة السياسية لهذه النخب من النقيض إلى النقيض، ولا أدل على ذلك السياسات الليبرالية والنيو ليبرالية التي باشرتها وتطبيقها الحرفي لإملاءات البنك الدولي وخوصصة الكثير من القطاعات الحيوية. وبذلك بدأت هذه النخب من خلال احتكاكها بالمسؤولية والواقع، تتخلى تدريجيا عن خطابها الدعوي الايديولوجي وتفهم الواقع من موقع مختلف، لكن مكر التاريخ! فهذه النخب باشتغالها بهذا المنطق سقطت في تناقض رهيب مع خطابها القديم وبالتالي فقدت ثقة قواعدها وانتهت بالمعنى السياسي للكلمة. أما النخب الإسلامية فهذه شأنها أكثر سريالية، فهي بدورها تريد الحصول على السلطة لكن ليس بمنطق " التحليل الملموس للواقع الملموس" بل بمنطق" الحكم بما انزل الله" وهي طوبى أكثر تطرفا من الأولى، وبالتالي وظفت الكثير من رأسمالها النضالي في الطهرانية الأخلاقوية وغاب عنها المعطى الاقتصادي نهائيا. الذي حدث هو ان هذه الإيديولوجية كانت بالفعل قد صوبت الكثير من الخطاب الديني التقليدي الذي حمله السلفيون وظلوا أوفياء له ولم يتخلوا عن العنف الذي يعتبر جزءا مهما من الخطاب الديني، وحاولو بدورهم أن يحوزا على السلطة لكن بالعنف. التيار الاخواني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحين هذا التيار الفرصة حتى جاءت انتفاضات 2011 وكانوا هم أصحاب المشروع السياسي الذي استغل الظرفية وقفزوا مباشرة إلى قمرة القيادة دون أن تكون لهم أدنى فكرة عن الحكم وأمور الدولة انطلقوا من المساجد والنوادي الدينية رأسا نحو سدة الحكم، ما الذي وقع ؟ هنا تختلف الحالات ففي بعض الدول التي حصلوا فيها على السلطة التنفيذية بشكل شبه كلي حاولوا تغيير قواعد اللعبة منذ اليوم الأول، فأدوا ثمن تهورهم غاليا في مصر بالخصوص. في تونس وجدوا أمامهم تيارا مدنيا جد قوي، قبلوا باللعبة لأنهم أدركوا قواعدها بالإضافة إلى حصول نوع من التوازن بينهم وبين التيار المدني الذي استثمر فيه بورقيبة منذ الخمسينيات. في المغرب الذي يهمنا لم يستطيعوا اختراق ما يسمى في المغرب "المخزن "وهو الدولة العميقة التي تتكون من الملك ومحيطه والنخبة الاقتصادية القوية. ما الذي؟ وقع دخلوا بالفعل بتهور لكن البنية كانت عصية على الاختراق رغم كل المحاولات، فبدأت هذه النخب تستوعب الدروس ومع مرور الأيام تحولت من واقع طوباوي إلى إدراك الواقع الموضوعي. ما القاسم بين هاتين النخبتين؟ القاسم هو أن كلاهما صاحب إيديولوجيا انقلابية لم تنجح حاولوا تغيير البنى لم يهيمنوا على السلطة " تلبرلو Ils se libéralisaient " أي أصبحوا شيئا فشيئا يطبقون أجندات المؤسسات الدولية ويطبقون سياسات ليبرالية كالخوصصة وتشجيع الاستثمار والتخلي عن الوظيفة العمومية  والقبول أكثر بالحريات ، رغم أن ذلك كان من جملة هفواتهم السياسية حيث تورطوا في أكثر من قضية أخلاقية وانهارت صورتهم الطهرانية أمام قواعدهم.المستفاد من هذا الجرد هو المسار نحو الليبرالية كيف ترفضها النخب كطوبى وتتهافت عليها كممارسة كيف ناصبتها العداء لما كانت في المعارضة وكيف طبقتها بحذافيرها لما وصلت إلى سدة الحكم. تلكم إذن جزء من تحولات المشهد السياسي في العالم الثالث خلال نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الأولى.


تأملات شتوية

l'hiver ou Fagottage, de Jean-Baptiste Oudry,1749

من أشد فصول السنة قربا إلى نفسي، فصل الشتاء حيث السماء الملبدة بالغيوم وأفضل تلك السوداء منها المحملة بالأمطار الكثيفة ولما يضرب البرق محدثا شررا عائلتك يخترق لب السماء، يليه هزيم رعد يحرك الارجاء. ثم تبدأ الأمطار بالهطول رويدا رويدا وتبدد الغبار وتمسك وجه الارض الكئيبة. إنها سمفونية عظيمة تقوم بها الطبيعة ليس بجنون تغضب كما يخيل لذوي الأفهام المحدودة، ولكن كل شيء بالنظام والثبات إن فهمت هذا المنطق ملكت الكون والنفس والعالم. متى تضطرب النفوس لما لا تكون على انتظام ولا على نظام أنذاك تختلف النظرة فنبحث عن التوازن من جديد. حتى الكلمات التي أدبجها الآن ليست إلا وليدة تفاعلات جنة هي التي تمنحني القدرة على التعبير. مشاهد الشتاء دواء النفوس الكئيبة وراء الأراضي اليابسة الجرداء وتبديد للغَبش من على وجوه التعساء. لذلك أحب أجواء وانتظر ما سيلينا كما يقول المثل الفرنسي " بعد المطر يأتي الوقت الجميل" وهو يَقينا فصل الربيع حيث تينع البراري وتزدهر وتحدثنا الطبيعة بخيلاء عظيم عن نفسها. لذلك نحن البشر ما وانا في الطريق الصعب لنفهم الطبيعة قوانينها و نُظُمها، لكننا بالفعل قطعنا أشواطا عظيمة. من أولئك الذين أحَبوا الحرية وعشقوا المغامرة وفكروا بذكاء. أما بعض المحسوبين على الإنسانية فهم عالة على جسد العالم ليس إلا. وأنا أتحدث عن مشاهد المطر أتذكر أجدادي البدائيين وكيف كانوا ينبهرون امام الطبيعة ويجثون طالبين الرحمة من الآلهة. لأنهم لا يرون في المشهد غير البشاعة ولا يتوقعون غير الأسوء. فكانوا في هلع عظيم صنعوا به الرعب وجعلوا العالم رعبا وهلعا. في حين أنه جميل وفاتن. في أوقات الشتاء أحب الأركان المنزوية من البيت. وإن كانت المدفئة مشتعلة تطلق شررها فذلك عظيم وما أعظمه. وأنا أنصت لأنني الناي كما كنت أفعل في الصباح أو أشاهد فيلما في التلفاز أو أقرأ كتابا أو أنشغل بعمل ما. أو في كل الحالات أتأمل حالات نفسي وأسبح بذهني في الأفق الكوني. أنذاك أحس بكينونتي. أو أطلق العنان للحياة كي تدب في أوصال جسدي.

 

mardi 12 janvier 2021

الصحراء المغربية: الصورة الكاملة

 



نضع الطرف الأول من الجملة كالتالي، الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، ثم بعدها نقول: مقابل استئنافه للعلاقات الدبلوماسية المعلقة منذ 23 أكتوبر 2000، حينما أغلق المغرب مكتب الاتصال في الرباط ونفس الأمر في تل أبيب احتجاجا على القمع الذي تعرضت له الانتفاضة الفلسطينية الثانية. إذن دعونا نحلل المسألة بكل تعقل لأن التناول المتشنج والعاطفي رافق الحدث. لذلك فالمغرب تعامل مع هذه القضية بمنطق رابح رابح، وهو أول درس لمن يريد الخوض في السياسة. ثم إن العلاقات كانت قائمة بالفعل بين المغرب وإسرائيل كما هو الأمر بين إسرائيل وكل الدول العربية الأخرى وبالدرجة الأولى تلك التي تدفع بالمشروع الإخواني الفاشل، ونقصد تركيا وقطر، الدولة الوحيدة التي تعلن العداء لإسرائيل هي إيران، واللافت أنه رغم العداء الظاهري إلا أن هناك تعاونا استخباراتيا وتعاونا في بعض القضايا أحيانا. هذا من جهة ومن جهة أخرى فالمغرب مادام يتصرف بمنطق المصلحة التي تميز القرار السياسي للدول وليس بمنطق العاطفة، إذن فلا أحد له الحق في لوم المملكة على قراراتها، ثم إن الشعب المغربي قد قبل الأمر ولم يعترض على ذلك، حتى القيادات الإخوانية التي كانت تشحذ الشارع بقضية فلسطين التزمت الصمت بل بدأت في تحضير المراسيم والإجراءات القانونية التي ستواكب هذا القرار السيادي ما داموا في موقع المسؤولية في الحكومة وفي البرلمان، اليسار  غير موجود ومشتت ومبعثر، خرجت مجموعة منهم للاحتجاج فتم تفريقهم في أقل من عشرة دقائق، العدل والإحسان صاحب الطوباوية الخمينية في المغرب اكتفت بإصدار بلاغ يتيم، أما الجمعيات ذات الخلفية اليسارية فبدورها أصدرت بضعة بيانات  لا ترقى إلى حجم وقوة الحدث التاريخي.  لكن هذه الأحداث الجزئية لما رافق هذا القرار، ومجرد الاكتفاء بتتبع الأخبار والتعليقات الصحفية المتناثرة لا يعطي الصورة الكاملة لما يحدث.

المغرب والاتجاه العام للتاريخ:

إسرائيل استطاعت أن تفرض نفسها بعد 72 سنة من الوجود على جميع الأصعدة والمستويات وكل دول العالم تعترف بها، ولها معها علاقات ديبلوماسية عادية، العرب في وقت ما من تاريخهم جعلوا القضية الفلسطينية قضيتهم، باسم العروبة تارة وباسم الإسلام تارة أخرى، فتجندوا لاقتلاعهما ورميها في البحر، كذا !  لكن مع الوقت فرضت هذه الدولة الفتية نفسها وهزمت العرب في 1967 هزيمة نكراء ساهمت في تشتتهم أكثر  كما انهزموا سنة 1973 كذلك وقدموا تنازلات ودفعتهم إسرائيل للتفاوض، لذلك لم ينجح هؤلاء القوميون المتعصبون في اقتلاع إسرائيل كما كانوا يحلمون، لقد انتهت الأيديولوجية العروبية الاشتراكية التي كانوا يتقاتلون من أجلها، والصراع كله كان مؤطرا بهذا الجو العام، أما محاربة إسرائيل باسم الدين فهو كذلك مصيبة أخرى تنضاف للإيديولوجية القومجية التي باءت بالفشل رغم أن الأيديولوجية الإسلاموية بشقيه السلفي والإخواني لم يكن لها نفس قوة الإيديولوجيا العروبية الاشتراكية. المغرب أنذاك في ذلك  الجو كان يغرد خارج سرب هذه الإيديولوجيات الطوباوية باختياره الحوار مع إسرائيل خاصة بفتحه لعلاقات مع إسرائيل واستدعائه لشيمون بيريز 1985 لزيارة المغرب، لكن ذلك القرار لم يعجب العساكر القومجيين فتوحدوا للقضاء عليه لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل، إذن المغرب ليس في موقف إحراج من إرجاع علاقته مع دولة ديموقراطية هي إسرائيل مادام لم يكن يمني النفس في رمي إسرائيل في البحر، ولا بتأسيس جمهورية قومية عروبية اشتراكية في المغرب، الحسن الثاني كانت له رؤية سواء للمغرب أو للعالم العربي، وهو نفس الأمر للملك الحالي محمد السادس، إذن الحركة العامة للتاريخ كلها تذهب في اتجاه المشروع الغربي بقيادة أمريكا التي انتصرت بالفعل وتم القضاء على الإرهاب السوفياتي بسقوط جدار برلين، لكن بعض بقايا اليسار الستاليني لم تفهم ما حدث، الجزائر مثلا اليوم مازالت أحقاد الحرب الباردة تضرب بغشاوتها على عيون الجنرالات الذين يحكمونها، لهذا عدائهم وحقدهم على المغرب، ودعمهم لجماعة انفصالية تحمل نفس الطوباوية بإقامة دويلة عروبية اشتراكية على أرض أمازيغية.

الأهم كذلك في مسألة اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة المغرب على صحرائه هو أن القرار أخذ الوقت الكافي لينضج، وبالتالي تهاوي الإيديولوجية الانفصالية وتهافتها. وليس قرارا متسرعا اتخذ على عجل كما هو الأمر مع الكثير من القرارات التي كانت متهورة وغير ناضجة وهي الاستراتيجية التي تشتغل بها الدبلوماسية المغربية منذ أمد بعيد، فحتى استرجاع الأراضي الصحراوية أخذ وقتا وتم استفتاء الأمم المتحدة حول المسألة ولما أثبتت أنه كانت هناك روابط بيعة بين الصحراء و"الإمبراطورية الشريفة" عبر التاريخ، سارع الملك الحسن الثاني لتنظيم المسيرة الخضراء التي تخلصت من الاستعمار الاسباني لتلك الأراضي وبالتالي بداية الاعمار الحقيقي لهذه الجغرافيا.

في أصول نزاع الصحراء:

هذا النزاع المفتعل مازال قائما وشد الحبل هو بين المغرب من جهة والجزائر من جهة ثانية، فالمغرب بحكم الجغرافيا تعتبر الصحراء الأطلسية امتدادا طبيعيا له. عكس مثلا الأراضي الشائعة في الجارة الشرقية، التي كانت فرنسا وبحكم إيمانها بأنها صنعت دولة فرنسية في افريقيا، اقتطعت آلاف الهكتارات من المغرب غربا وتونس شرقيا ومالي جنوبا. أراضي شاسعة جدا. وقد فقد المغرب مثلا الكثير من أراضيه لأنه ناصر في البداية مقاومة المستعمر الفرنسي ورحب بالمجاهدين الجزائريين وعلى رأسهم الأمير عبد القادر، الذي لولا إصرار المغرب على مناصرته والترحيب به نصرة القضايا " المسلمين" ضد "الاستعمار الغاشم" لما تجرأت فرنسا على التحرش بالمغرب واقتطاف أجزاء واسعة من أراضيه في معاهدة لالا مغنية ثم استعماره فيما بعد وفتح شهية المستعمرين الآخرين لاحتلاله هي نتيجة القرار المغربي لمناصرة إخوته. ومن تلك الأراضي الصحراء الشرقية التي ترامت عليها فرنسا. ولما خرجت فرنسا من الجزائر وتغنت جبهة التحرير بانتصارها على الاستعمار لم تقم بالرجوع إلى حدودها الأصلية الموجودة قبل الاستعمار، لأنها في الظاهر تسب ملة الاستعمار وفي نفس الوقت ترفل في غِلته. هذا إن سلمنا جدلا بوجود دولة تسمى الجزائر قبل دخول فرنسا. لأنه والتاريخ هو من يؤكد ذلك لم تكن هناك دولة بهذا الاسم الاستعمار الفرنسي، لم يحتل الجزائر بل احتل أراضي الإمبراطورية العثمانية التي نصبت باياتها في الجزائر وتونس وليبيا. ولم تستطع تجاوز حدود الإمبراطورية المغربية. وهذه من الأزمات التاريخية المزمنة التي يعاني منها جنرالات جبهة التحرير الذين فقدوا كل المبررات لوجودهم في السلطة. لذلك بمنطق هؤلاء الذين يعتبرون قضية الصحراء المغربية "تصفية استعمار". لابد من إرجاع الأراضي التي اقتطفت من تونس ومالي والمغرب إلى أصحابها أولا قبل أن تتشدق بأسطوانة تصفية الاستعمار. وأن يتم إعادة رسم الخرائط من جديد. هذا من جهة ومن أخرى ومن خلال تحليل نفسي للاشعور السياسي لجنرالات الجزائر نجد هذه الأزمات النفسية تستوطن حيزا ضخما من لا وعيهم. وهو الأمر الذي يفسر سعارهم الشديد تجاه المغرب. وحول التاريخ دائما فإن الجزائر جنرالات وشعبا تحس بنوع من الحنين الرومانسي للملكية. بل إن هناك من يعتبر أن ملك المغرب يحكم رمزيا كلا البلدين ولا أدل على ذلك أن الكثير من السلالات الملكية التي حكمت المغرب. كان المغرب الأوسط وهو الاسم التاريخي للجزائر. تحت قيادتها مثل الأدارسة والمرابطين والموحدين. وكانت تلمسان مثلا مدينة تحت نفوذ الإمبراطورية المغربية.

إذن هذا القرار ليس إلا خطوة صغيرة من النظرة التي تسير بها الدولة المغربية نحو مستقبلها، ومستقبل المنطقة ومستقبل العالم. وذلك كله راجع بالأساس إلى عوامل أهمها موت الإيديولوجيا التي قامت عليها الدولة الجزائرية الحديثة، ثم انتصار منطق المصالح الاقتصادية والتكتلات الإقليمية على منطق الحروب والصراعات والتفرقة التي هي ديدن المتسلطين على رقاب الجزائر، وأخيرا التاريخ يقول كلمته ولا ينتصر إلا المنطق السليم والواقعي، أما السعار والغضب والأحقاد فتذهب جفاء.

vendredi 8 janvier 2021

ماذا بعد اقتحام مقر الكونغرس الأمريكي ؟

 


ما وقع يوم 7 يناير 2021 ليس بالأمر غير المتوقع. منذ أن صعد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة، كان الأمر بمثابة كابوس للأوساط الأمريكية المتشبعة بالقيم الأمريكية. وقد تابعت سنة 2017 باهتمام بالغ خطاب الوداع الذي ألقاه باراك أوباما في شيكاغو، وكان منصبا بالأساس على مستقبل الديموقراطية في أمريكا. وهو الرئيس المثقف والذي يعرف جيدا معنى السياسة، وذلك راجع إلى امتلاكه للحس التاريخي. " المعتوه" ترامب، لا يملك تلك الخصائص، يقدم نفسه على أنه رجل ناجح وثري وذكي، لكن الحقيقة أنه على النقيض من كل ذلك، فمن عالم العقارات والتلفزيون، إلى دفة قيادة العالم. لقد كان المشهد سرياليا بكل معنى الكلمة، وهو يشبه صعود الفاشية في أوروبا خلال بداية القرن الماضي، من كان يتبع ما حصل في ألمانيا لما صعد هتلر عبر الصناديق، سيدرك الشبه الكبير بين الحدثين، الخصائص الشخصية للرجل البرتقالي تشبه تماما خصائص الفاشيين الذين أشعلوا الحرب العظمى. هتلر وصل إلى السلطة عبر الصناديق، نفس الأمر مع ترامب. وهذه الظاهرة مثيرة للاهتمام لأنها من أشد عيوب الديموقراطية، كنظام للحكم. حيث أن الديموقراطية تعطي الفرصة للمعتوهين والحمقى والمتطرفين ليقرروا في مصير الأذكياء. الجمهور الأمريكي أعجب بالشو   SHOWالذي كان يصنعه ترمب منذ الثمانينات. ولما حان دوره غاب العقل عن الجماهير فصوتوا لصالحه. ثم إن نظام المجمع الانتخابي، أسقط كل الأصوات التي منحت الأغلبية الديموقراطية لهيلاري كلنتون، وتم ضربت في صميم الديموقراطية انتخاب شخص غير مسؤول. فكان الضرر عظيما جدا على أمريكا نظاما وقيما ومجتمعا وبالأخص رمزا للحرية وسيادة القانون. ورغم فشل ترمب في كل المهمات التي وضع يده عليها لكن نجاحه الأبرز هو ضرب الديموقراطية في صميمها، وتقسيم المجتمع الأمريكي. وزعزعة صورة أمريكا في العالم التي ساهمت كل الحكومات الجمهورية في تلطيخ صورتها. فكان الديموقراطيون ينتخبون لإصلاح ما أفسده الجمهوريين. أوباما جاء ليخرج أمريكا من أزمة مالية عالمية ويرتب خريطة التدخلات الخارجية لأمريكا حارسة الديموقراطية. نجح في المهمة وكان على قدر كبير من الكياسة والمسؤولية. رغم الأخطاء التي ارتكبها. لكن صاحب التسريحة البرتقالية والمواقف المثيرة للضحك والاشمئزاز. قام بضجة هائلة كطفل هائج. وكل تاريخه الشخصي المليء بالفضائح والعنف. كان من بين الأسباب النفسية والسلوكية التي كانت توجه نظرته لنفسه وللعالم. وللنظر إلى ما أنجزه منذ أن أخذ دفة الحكم النتيجة صفر. انسحاب من العالم وترك الاعداء المتربصين يسجلون النقاط ويتمددون في الفراغ الاستراتيجي الذي تركه هذا الانسحاب، كأن هذا الشخص لم يقرأ ولو ورقة عن المفاهيم الاستراتيجية التي تحرك الدولة الأمريكية، نشر العنصرية وبث الكراهية عبر ربوع العالم وفي الداخل الأمريكي بالخصوص، التخلي عن المعاهدات الدولية، وعن الحلفاء الاستراتيجيين، محاولة صناعة شو سياسي من خلال القيام ببعض المبادرات كالتودد الوضيع لدكتاتور كوريا الشمالية الذي لا يخفي ترمب إعجابه به، إذلال أمريكا عبر التودد لبوتين. على مستوى تدبير أزمة كورونا كانت النتائج كارثية بكل معنى الكلمة. تصرفات بهلوانية في كل القمم التي حضرها. لكن الأتباع المتشددين لا يزدادون إلا هتافات باسم زعيمهم كأتباع متعطشين لمزيد من الحماقات. لكن الدراما التاريخية هي تلك التي حاول هذا الشخص جر أمريكا إليها وهي التشكيك في نتائج الانتخابات الرئاسية، المماطلة المضحكة لإثبات عكس ما يقوله الواقع. وفي النهاية الفوضوية والعدمية وضرب الديموقراطية في الصميم. فكان العنوان هو إما تُلبوا طلبات الطفل الجامع أو أحرق أمريكا كما فعل نيرون لروما. هذا ما فعله هذا الشخص. هل أمريكيا مأزومة ؟ لماذا نجح واحد بهذه المواصفات؟ أهو مكر التاريخ ؟ في أوقات الأزمات يظهر مثل هؤلاء في مسرح التاريخ ليصبوا الزيت في النار ويشعلوا النيران ويبثوا الاضطراب والانقسام ؟ لأن التاريخ  كما يقول هيجل ؟ لا يتحول إلا في أوقات الحروب والأزمات؟ فمن يشعل تلك الحروب ويثيرها ؟ الحكماء ؟ بالطبع لا! القادة المحنكون! أبدا لا! من إذن؟ المجانين بجنون العظمة! المرضى والمضطربون سلوكيا ! هذا الرجل البرتقالي يمتلك كل تلك الخصائص. نعم لقد نجح بالفعل في بث الانقسام في الدولة والمجتمع. وفتح الجراح القديمة التي كادت تندمل. لقد قسم أمريكا ؟ وضرب صورة أمريكا في مقتل. هل تستعيد أمريكا عظمتها كما كان يدعي؟ شعاره يحمل حقيقته. فالقول بأن أمريكا ليست عظيمة ولابد أن تسترجع عظمتها، هو غباء سياسي.أمريكا قوية بالفعل بل من الأولى أن تبقى عظيمة. ولكن ما قام به هو جعل أمريكا مضطربة من جديد. لقد خلق أجواء الحرب الأهلية بكل تفاصيلها. هل يستطيع بايدن ترميم ما خربه العجوز الأحمق. لا أظن ذلك لأن الخسائر هائلة. لكن نتمنى أن تعود الأمور إلى عهدها لأننا نؤمن بأمريكا كَقيم. ولابد أن تستمر تلك القيم .

vendredi 23 octobre 2020

مازاغان:الرافد البرتغالي في هويتنا الوطنية

 


مدينة الجديدة كما لقبت بعد تحريرها من طرف الأمير محمد بن عبد الله بعد أن أطلق عليها البرتغال، اسم "مازاغان "،مدينة مغربية مطلة على المحيط الأطلسي، تلقي برجليها في زرقة الأطلسي مزهوة بحليها التي تعبق برائحة التاريخ، تاريخ متعدد، بتعدد الهوية المغربية،  بالأمس بناها البرتغاليون كمحطة لهم بعد أن اصبحوا سادة البحار خلال القرن 16، بعدها ستتلاقح فيها مكونات الهوية المغربية، من دكالة، وهم قبائل أمازيغية تم تعريبها اللكنة الدكالية حاضرة في كل مكان، حينما تمر من أزقة الحي البرتغالي تختلط عليك الأصوات واللهجات خرجت من الفندق الذي نزلت فيه ، هذا الفندق ذو الزخارف المغربية البهية ،خطوط مرسومة على أبواب العرعار الصلبة، ونقوش الفسيفساء متعددة الألوان والأشكال، التي تزين الحائط و الجبص الملون الذي يزين السقوف، وسكون قاتل يعم المكان، سكون يمنحني الفرصة اللازمة للتفكير، للغرق في سوداويتي في تذوق الضجر، كتابي السوداويين سيكونون بنكهة خاصة في هذا المكان،سيوران وكافكا، وحتى نيتشه. غادرت غرفتي ونزلت إلى الشارع لأقوم بجولة في المدينة القديمة لأن المدينة القديمة هي المركز الذي تلتف حوله الأمكنة المستجدة، دخلت إلى أحد المحلات التي تبيع المأكولات الخفيفة، جلست أنتظر طلبيتي، فإذا برجل سبعيني يدخل الى المحل، وينطق ببعض الكلمات العبرية، فاتحا نقاشا مع أحد الجالسين، حيث تجادلا مليا حول اليهود، فالسبعيني يدافع بقوة عن اليهود، ويقول إنه يحبهم لأنه أكل طعامهم وجلس في مجالسهم واستمع الى أحاديثهم فهم شعب طيب، بل إنه الملك محمد الخامس حينما طلبت منه حكومة فيشي مده بقائمة اليهود المتواجدين في المغرب، قصد إعدامهم، أجابهم محمد الخامس، بأن في المغرب ليس هناك يهود، بل مغاربة. صاحب المحل  دو الأصول الجنوبية الأمازيغية بدوره دلى بدلوه في النقاش خاصة حينما أثيرت مسألة الأمازيغية واستفزه أحد الجالسين، حينما قال بأن الأمازيغ أو « الشلوح »كما سماهم قد استعمروا هذا الدرب، فدافع عن موقف قائل بأن الهوية المغربية أمازيغية، دفعوني إلى الحديث فقلت لهم، إن الهوية المغربية ليست واحدية، إنها هوية متعددة ضاربة بجدورها في التاريخ وكل من قال بالعكس فهو منغلق إقصائي، تركت المحل واخترقت الزقاق الضيق، أصوات ممتزجة، سباب، ضحكة، صياح، نغمة،…لا أميز بينها لأن أذني تستقبل تلك الأصوات، فتتلذذ بها، دون أن تحاول التمييز فيما بينها، بينما حتى الروائح تختلط، كل واحد منغمس في نشاطه اختلاط عجيب، هذا الذي يميز المدن المغربية، أسير وأتأمل المارة دخلت من إحدى البوابات إلى الحي البرتغالي وبدأت أتأمل البنيان الأوروبي المهيب، الذي يحمل جانبا من روح الحضارة الأوروبية، الناس هنا يبسطون ويضحكون. جلست على في أحد المقاهي المطلة على الزقاق، مقهى تقليدي، ينتصب بقرب السقالة التي بناها البرتغاليين. وجلست أتأمل العابرين، بشر من كل الأعراق والألوان يكتشفون المكان.

 

 

 

 

 

 

طوماس هوبز والثورة السورية

 


شكل القرن 17م نقطة تحول في تاريخ أوروبا وفي تاريخ الإنسانية عموما حيث تم الانتقال بالتدريج من قرون الظلام الوسطوية إلى عصور الحداثة هذه الأخيرة التي تظافرت مجموعة من العوامل في بلورتها وكشف جوهرها، أهمها: الاكتشافات الجغرافية والتقدم العلمي والاصلاحات الدينية. إنها بالتالي ملامح النهضة الأوروبية التي سيتم السير عليها. والتي لم تأت بطبيعة الحال في آن واحد لأنها كانت. عملية تاريخية تبلورت عناصرها وملامحها الكبرى شيئا فشيئا. وفي هذا السياق بالضبط شهدت المجتمعات الأوروبية تحولات جوهرية في المجال السياسي، وظهرت مجموعة من الاضطرابات السياسية والتحولات الجوهرية جعلت يراع الفلاسفة والمفكرين ينبض من أجل القبض على روح العصر وترجمة فلسفة توافق الآمال الشعبية وترسم الخطوط العريضة للحداثة الشاملة، خاصة السياسية منها. وفي هذا الإطار ظهرت النظريات السياسية التي تطورت في مجال الفكر السياسي،لتقترح بلورة تأسيس ميتافزيقي إن صح القول للدولة بمفهومها الحديث، كصيغة مثلى تعبر عن الاجتماع البشري. وقد بدأ الفلاسفة في بلورة تصورات تقترح النظام السياسي الملائم للشعوب، تتجاوز من خلاله أشكال المشروعية السياسية التي كانت تنهض عليها الدول،خاصة المشروعية الدينية التي كان الملوك يؤسسون عليها سلطاتهم باعتبارهم ظلال الآلهة على الأرض وحقهم المقدس في ممارسة السيادة على شعوبهم. لكن التحولات التاريخية التي ظلت مستمرة فرضت بلورة تصورات سياسية جديدة تؤسس للاجتماع البشري على أسس تتجاوز الأشكال القروسطوية القديمة وتعبر عن الراهنية التاريخية التي أصبحت شيئا فشيئا تتخلص من الحضور الإلهي، والعناية الإلهية حيث بدأت روح الحداثة تعطي للإنسان المركزية مقابل عالم الألوهية الذي أصبح مفارقا ومنفصلا عن العالم. وهذا ماظهر في فلسفة ديكارت باعتباره أب الحداثة بامتياز،حيث فصل الذات الإنسانية عن التأسيس الميتافزيقي اللاهوتي الذي كان سائدا في القرون الوسطى، وبوأته بالمقابل الصدارة والمركز باعتباره ذاتا مفكرة وبالتالي انكشاف عنيف للأنا مقابل تواري الآلهة وصعودها إلى السماء أو استقرارها في المجالات الخاصة، أي في قلوب المؤمنين بها. وهو مافرض على التفكير الفلسفي النظر إلى المجتمع على أساس جديد، عليه تتأسس السيادة ومشروعية السلطة. وفي هذا الإطار بالذات بدأت الفلسفة ترسم الوجه الجديد للمدنية الحديثة خاصة مع الثورات المتتالية، والصراعات الدينية الدموية، وظهور القوميات الأوروبية التي ستفرز "الدولة-الأمة " كمفهوم جديد داخله تتبلور الحياة الاجتماعية للشعوب، وبالتالي انهيار الإمبراطوريات القديمة وتشكل أوروبا الحديثة. إن الاجتماع السياسي باعتباره ضرورة وجودية، لا يتأسس إلا على تنظيم عقلاني محكم يستمد المشروعية من داخله لا من خارجه، هنا المحايثة باعتبارها المنطق الذي يسود، سواء في العلم أو الدين أو الفلسفة وحتى في المجال السياسي. وعليه فقد أصبح «العقد الاجتماعي» النظرية الأساس التي يجب أن تتأسس عليها مشروعية الدولة، وهي من مفرزات العقلنة والتحديث التي انخرطت فيها أروبا، لكن الوصول إلى تعاقد اجتماعي مكتمل كما نراه اليوم في الدول الديموقراطية،لم يكن ليتأسس دفعة واحدة،لكن جاء بالتدريج. لهذا نجد العقد الاجتماعي باعتباره أساس قيام الدولة الوطنية في أوروبا، كان في البداية يستوجب قيام سلطة الدولة على عقد واتفاق بين الحاكم والأفراد، مقابل توفير "الأمن والسلم ". لأنه في الأدبيات السياسية لا يمكن تدشين التقدم المجتمعي في ظل عدم الاستقرار وفي ظل انتشار العنف والاقتتال. تقوم الدولة لتوفر الأمن والسلم، عقد ذو بند وحيد، التنازل عن الحرية الطبيعية، التي تترجم القتل مقابل توفير السلم والأمن. وهو الطرح الفلسفي الذي بلوره الفيلسوف الانجليزي طوماس هوبز في كتابه الشهير "الليفيتان "، مؤسسا بذلك لأول تنظير في المجال السياسي ومدشنا لنظرية العقد الاجتماعي التي ستتطور بعد ذلك مع فلاسفة آخرين خاصة اسبينوزا وجون لوك وجون جاك روسو. إن حديثنا هنا سينصب على طوماس هوبز، نظرا لراهنية أطروحته فيما يتعلق بالظروف التاريخية التي يمر منها العالم الاسلامي اليوم،خاصة دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا على وجه التخصيص، التي تشهد ولادة تاريخ جديد. وبالنظر إلى بعض الدول التي تشهد دمارا شاملا وتشكل بؤرة تحول جيوبولوتيكي، اتضحت خيوطه الكاملة، بعدما خرج الفاعلون الذين كانوا يدبرون في الخفاء إلى العلن، لزعزعة الأوضاع في المنطقة باسم «الديموقراطية » و »حقوق الانسان » و "التغيير" الأوضاع السياسية في منطقة الشرق الأوسط تفترض من الشعوب التي تعيش هذه المأساة أن تؤسس لرؤية ثاقبة تستقرأ وضعها التاريخي من أجل أن تبني أوطانها بإرادتها الحرة وتصنع قدرها التاريخي بكل وعي ومسؤولية إن ما تشهده سوريا اليوم يؤكد بالملموس أن الفرضية التي وضعناها في البداية صحيحة بشكل كبير، والتي ترى أن الفاعلين الحقيقيين وراء الحراك الشعبي السوري، وظفوا معاناة السوريين وغضبهم من أجل تخريب الدولة السورية، سعيا وراء مصالحهم الاقتصادية والسياسية والأمنية، لاحبا في سواد عيون السوريين و لابد هنا من التمييز بين النظام السياسي الحاكم، والذي نتفق جميعا على تسلطه و دكتاتوريته، وبين الدولة، كشكل من أشكال التنظيم العقلاني للمجتمع، لهذا فإننا إذ نؤكد على وجوب تحقيق الديموقراطية في سوريا،ديموقراطية حقيقية تتجاوز الشعارات التي جيش بها أعداء سوريا، السوريين على الدولة، نؤكد بالمقابل أنه لا يجب تخريب الدولة باعتبارها تجسيد مطلق لفكرة أخلاقية، كما قال بذلك فردريك هيجل إن أفضل حل لما يجري في سوريا من اقتتال، هو خلق تعاقد اجتماعي بين الدولة والشعب السوري. فمطلب السوريين هو عودة الأمن الى شوارعهم وأحياءهم، وعودة العائلات إلى بيوتها من أجل الحصول على قليل من الدفء، وتوقف حمام الدم الذي استمر لسنوات، كذلك توقف لعلعة الرصاص، ودوي الانفجارات المتتالية، وخروج جماعات الدم العابرة للحدود من تربة الشام الطاهرة. لهذا وجب التفكير بواقعية، والواقعية في نظري تقترض التنازل من كلا الطرفين، لعودة السلم، لهذا وجب على السوريين عقد مصالحة وطنية شاملة، وتطهير البلاد من جحافل الارهابيين، وضرورة التمييز بين الدولة كمؤسسات وبين النظام السياسي الحاكم. لهذا نتمنى أن تتبلور تصورات سياسية واضحة تستفيد من التاريخ وتتجاوز منطق الولاء والطائفية، وتستحضر الواقعية باعتبارها الجوهر الأساس في السياسة. لأن تعنت الأطراف لن يؤدي إلا إلى زيادة تأزيم الأوضاع والقضاء على ما تبقى من الدولة. إن السوريين شعب حباه الله بالغنى الحضاري والثقافي، وبلاد الشام هي مهد الحضارة الإنسانية، لكن تعنت النظام السياسي من جهة، وتكالب الدول العربية والقوى الدولية، جعل هذه الأرض الطيبة تسقى بالدماء لمدة تزيد عن ست سنوات، فمتى تنتهي المأساة، ويعود الاستقرار؟ لكن أكيد أن هذه التجربة التاريخية سيستفيد منها الشعب السوري وستنهض سوريا من جديد دولة ديموقراطية قوية.

المقال منشور بموقع رأي اليوم

 

 

 

 

 

 

 

الفرسان الثلاثة

 


العالم اليوم يعيش لحظة تاريخية صعبة، يكفي فقط قراءة التاريخ بعين الفيلسوف واستحضار منطقه، الذي يفجر الأحداث، وتلك الانفجارات التاريخية إن كانت أسبابها متعددة ومختلفة فإن من يكون السبب في تفجيرها في الغالب هو جنون العظمة.خلال هذه الألفية تقوت الرأسمالية فأصبحت وحشا يهدد وحدة العالم، بل إن الاقتصاد أصبح العصب الذي يحرك التاريخ الراهن. لذلك فإن السعي المحموم نحو السيطرة والنفوذ والهيمنة والتنافس غالبا ما يؤدي إلى اصطدام الإرادات التي تكون في الغالب قومية مجتمعية وثقافية أيضا. لكن لا يمكن رغم ذلك أن ننفي إرادة الأفراد الذاتية وهو ما يؤدي كما يقول هيجل بصناعة التاريخ ولكن وفق الشروط التي يريد هو. إنه مكر التاريخ!هذا المكر الهيجلي هو الذي يدفع الأشخاص نحو صناعة التاريخ. واليوم هناك ثلاثة فرسان، سيفجرون اللحظة الزمنية ويرفعون من وتيرة الأحداث. ليأخذ العالم شكلا جديدا أو ربما اختفاءه من الوجود، وبالتالي اختفاء هذه الإنسانية التي ما فتأت تدعي لنفسها الذكاء والتفوق بكل استعلاء وخيلاء. هؤلاء هم زعماء ثلاثة دول نووية ولابد من التسطير على كلمة نووية لأن ذلك هو ما سيعطي لكل انفجار للأوضاع بعدا أبوكالبتيكيا مهولا ما فتأ الفن والأدب يعلن عنه منذ مدة.الزعيم الأول هو زعيم أقوى بلد في العالم وقد جاء ليعيد ل «أمريكا عظمتها» وبالتالي فشعاره هو « أمريكا أولا » وهي دعوة قومية وطنية متطرفة تذكرنا بالدكتاتور الذي فجر عالم القرن 20 وهو أدولف هتلر. دونالد ترامب رجل الأعمال الذي دفعت به اللوبيات الرأسمالية، إلى اعتلاء عرش الولايات المتحدة الامريكية أقوى بلد في العالم. شكل فوزه صدمة لدى الكثيرين، لما تتميز به شخصيته من غطرسة وجنون عظمة وجشع، حيث شعاره المال والربح ولو كلف ذلك الأمن الدولي والأممي، إنه بتعبير مشيل أونفراي » رمز الرأسمالية المترهلة » ووجهها الأكثر تعبيرا عنها. وقد كان منذ حملته الانتخابية محط جدل دائم، خاصة أنه ضغط على وتر العنصرية، واستثار المشاعر القديمة لدى البيض ودافع بقوة عن المصالح التجارية لأصحاب الرساميل، ولم يكن قط وليد إيديولوجية واضحة المعالم، خاصة في زمن أعلن فيه البعض "موت الإيديولوجيا "، اللهم إيديولوجيا السوق الرأسمالية المتوحشة العابرة للقارات. وتعتبر سمة جنون العظمة أهم سمة تجعل منه فارسا قادرا على الدفع بالعالم نحو الكارثة.الزعيم الثاني هو وجه رأسمالي آخر، لكنه رجل سياسة بامتياز، لأنه ابن الاتحاد السوفياتي ووريث سرها وكعيد امجادها، والباحث عن عودة عظيمة للإمبراطورية البائدة. والتي في نظره لم تضع كما يتصور البعض. وبالتالي فلابد من إعادة تقسيم العالم ونزع السطوة والهيمنة ممن سطوا على الوجاهة والزعامة العالمية، وهو نفسه شخص مجنون ولكنه ذكي ومخادع وماكر في الآن نفسه. ربما لأنه ابن أخطر مخابرات العالم الكاجي بي. كما انه قادر على الدفع بالعالم نحو نهايته إن اقتضى المنطق القوة لنزع الاعتراف.المجنون الثالث هو أيضا وريث جمهورية ستالينية في آسيا، هذه الجمهورية التي عاشت مائة عام من العزلة، لذلك فقد وصلت بها الظروف إلى لحظة هذيان أو انفجار لأنها لا تحتمل المزيد من تلك العزلة القاتلة، لاسيما وأن جارتها في الجنوب التي اتجهت نحو المعسكر الغربي منذ البداية، تحقق تحت قدميها انجازات عظيمة وتحولت إلى قوة اقتصادية عالمية في ظرف وجيز، وهو ما شكل لها عقدة. لأنها ورغم افتخارها بأن القلعة المنيعة عن الرأسمالية، فإن ظروف العالم لم تعد تناسبها، لذلك فإنها قد تفجر هذا العالم وتفجر الأخضر واليابس، مادامت لا تستفيد من شيء وتريد أن تفرض نفسها على الساحة الدولية ولو برؤوس نووية عابرة للقارات ترسلها إلى البحر من حين لآخر، ليتحدث عنها العالم، ولتظهر له انها موجودة وتزهو بجنونها. ويقودها «زعيم خالد وملهم وقائد الشعب العظيم» وهو الشعار الذي يلقن لساكنيها في المدارس ومن لم يكرره يموت على الفور !وما يميز هذا الزعيم هو أنه ينتمي إلى طائفة المجانين وهو الفارس الثالث من فرسان العالم الثلاثة. آن هؤلاء الثلاثة هم أخطر ثلاثة مجانين اليوم، لأنهم يقودون دولا د واحدة في امريكا والأخرى في آسيا والاخيرة في أوروبا.هذه مجرد تأملات في وضعنا الراهن. والتاريخ وحده هو الحامل للجواب.هل نستمر أم نفنى؟

 

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...