jeudi 28 avril 2022

المثقف العروبي أو عقدة اسمها الأمازيغية

 





كثيرون هم أعداء الثقافة الأمازيغية، على الخصوص اتجاهان إيديولوجيان، الاتجاه الإسلاموي، الذي يرفض الأمازيغية هوية وثقافة ولغة، لأنها تزاحم العربية والعروبة التي أرادو لها أن تكون ركنا سادسا من أركان الإسلام، وكذلك لأنها ثقافة تتضمن موروثا ورؤية للعالم تختلف أو تناقض ما جاء به الإسلام، كذا! نازعين بذلك صفة " الكوني" عن الإسلام. الاتجاه الثاني، هو الاتجاه القومي العروبي، التي يرفض الثقافة الأمازيغية، لأن أتباع هذا التيار يرون أن النهوض بالأمازيغية هو تهديد للعربية التي هي عماد القومية العربية. كلا هذين التيارين استئصاليين، لأنهما يرفضان الأمازيغية، والنهوض بها، وبالتالي تهميشها أو تواريها في الظل في أفق زوالها وبالتالي بناء دولة العروبة في خيال القوميين، أو أمة الإسلام في مخيال الإسلاميين. وبذلك العودة إلى الأزمنة الغابرة في الماضي السحيق، لأن الانخراط في العصر غير ممكن فمستقبل هؤلاء في ماض متخيل غابر. لذلك فكل دعوة للنهوض والتفكير في المستقبل تثير نوازعهم وأحقادهم. الكثير من هؤلاء ماتوا لأن الخطاب الذي ينادون به انقضى إلى الأبد في ظل انتصار قيم الديموقراطية والحداثة، التي تجعل من التنوع الثقافي عبر العالم، ركيزة أساسية في البناء الديموقراطي لكل دولة، لكن مازال هناك بعض الوجوه التي غزتها التجاعيد، والرؤوس التي بيضها الشيب والتي تفشل الصبغات في تغطيتها، واحد من هؤلاء، وفي ظل تقاعده السمين من تدبير لقطاع وزاري كانت حصيلته فيه صفرا، اختار أن يمارس هواية تدبيج مقالات صحافية ينفث فيها سمومه وأحقاده على هوية البلاد واختيارات قيادته، التي كان ينحني لها خضوعا وتذللا. هذه المقالات تدور حول فكرة واحدة وهي العداء للخطاب الأمازيغي وللثقافة الأمازيغية. في السابق اعتقدنا أن صاحبنا ربما أراد أن يدلو برأيه في قضية تشغل الرأي العام ومسلسل دمقرطة وتحديث المغرب، لكن مع الوقت تبين أن صاحبنا مصاب بمتلازمة اسمها " الأمازيغوفوبيا"، ربما لأن القضية جدلية لذلك أراد ربما أن يثير حولها الجدل، لكن للأسف ذلك لم ينجح لأن ما يقوم به يمر دو ن أن يلتف إليه أحد. هذه الحالة تعبر عن مأساة المثقف في منطقة شمال افريقيا والشرق الأوسط، التي أصبح فيها الوضع الثقافي مزمنا فعوض أن ينشغل " مثقفونا" بالقضايا الرئيسية في البلد، ومنها الانتقال الديموقراطي، والوحدة الديموقراطية، والتحول الرقمي، والقضايا الاستراتيجية، ها هم يؤججون الأحقاد ويردون على اختيارات الدولة، فإن كانت الأمازيغية إذن بهذا السوء، فلماذا وجه صاحبنا كلامه للمثقفين والنشطاء الأمازيغ، ولا يوجهه بالمقابل إلى القائمين الفعليين على السياسة الاستراتيجية في البلد، ونحن نعلم أن النهوض بالأمازيغية، كان قرارا ملكيا في إطار الاختيار الحداثي للمغرب، وربما هي المسألة التي يعيها جيدا صاحبنا، فكما يقول القول المأثور " وحدها الأشجار المثمرة ترمى بالحجر"، فلماذا لم نجد صاحبنا يخصص أي مقال في السابق وهو الذي عاش تلك الخمسينيات والستينيات، لأنه رجل طاعن في السن، لماذا لم يكتب حول الأمازيغية، إلا في هذا التوقيت بالضبط، السبب واضح لأن هناك عملا عظيما أنجر فيما يتعلق بالأمازيغية في المغرب، وهو نضال منسجم مع الخطاب الحداثي والديموقراطي الذي يشهده المغرب، وهو ما يشكل عقدة نقص رهيبة لصاحبنا. خلاصة الأمر أن الخطاب الذي يدعو له صاحبنا خطاب موبوء وقد اصطدم بالحائط، سواء الخطاب الإسلاموي أو الخطاب القومي العربي. الخطاب السائد اليوم هو خطاب أساسه الدولة وليس الأمة، إن كانت هناك أمة أصلا فهي الأمة المغربية. ولكل أمة تاريخ وحضارة، المغاربة في السابق كانت تحكمهم إيديولوجية آتية من المشرق، ثم استعمرتهم إيديولوجية آتية من الغرب. اليوم المغاربة يؤسسون لهويتهم، والمحدد الأساسي لتلك الهوية هي الأرض التي تتأسس عليها حضارة البلد، على صاحبنا أن يقوم بجولة عبر المغرب من شماله إلى جنوبه، من شرقه إلى غربه، ليرى سكانه كما هم في واقعهم، وليسمع أصواتهم ولغاتهم وهويتهم، ويشاهد توبونوميته  Toponomie البلد، أنذاك سيدرك أن هوية المغرب هي هوية واحدة في إطار التعدد، وهو الأمر المنصوص في دستور المملكة، وليدرك أن الأمازيغية هي هوية أصيلة غير مستوردة من الخارج. لكن للأسف صاحبنا يعيش في عالم منته وهو سجين خيالات منفصلة عن الواقع، وعليه أن يستيقظ ليدرك هذه الحقيقة.

mardi 26 avril 2022

العداء للفـــــــــــــــــن





كل مرة يخرج وجوه من التيار السلفي المتطرف في دول شمال افريقيا والشرق الأوسط، لنفث سموم الحقد والعداء لكل ما يعبر عن مظاهر الحياة والاحتفال، آخر الخرجات هي الضجة التي افتعلها " شيخ " سلفي مغربي معروف في  مواقع التواصل الاجتماعي بفيديوهاته التي تتناول القضايا الاجتماعية والتي ينفث من خلالها مقولات خطاب الكراهية المتزمت، ولأن الدولة المغربية قد قطعت أشواطا كبيرة في تحصين المجال الديني وتقنينه منذ التفجيرات الإرهابية  في الدار البيضاء سنة 2003، ومع أفول هذا الخطاب ونهايته، خاصة مع العنف الكبير الذي مارسوه وحاولوا من خلاله نشر الفوضى عبر العالم، فإن تكتيكات السلفيين اقتضت أن تغير ظاهر الخطاب، كي يظهر على شاكلة أنه خطاب يتوخى التربية الأخلاقية والدينية للمجتمع، لكن وراء هذا الظاهر تتوارى منظومة من الكراهية السوداء للحياة ومظاهر الاحتفال وللثقافة واللغات والانفتاح على قيم الحداثة والديموقراطية وكل ما هو منتم للعصر الحديث. وكثيرة هي المقاطع التي رجع إليها رواد مواقع التواصل الاجتماعي في معمعة الجدل، لإظهار الدعوات إلى القتل والعنف التي كان يدعو إليها الشيخ.

 هذا السلفي وجه انتقادات حادة لمسلسل مغربي رمضاني ناجح، حقق نسب مشاهدة قياسية،  يتحدث حول " الشيخة"، وهي فن من الفنون المغربية الضاربة في جذور التاريخ المغربي الموري، والتي حاول الشخص المذكور، إلحاقه باللاأخلاق والرذيلة، غير مدرك أن الأصالة التي يتجذر بها في خطابه، تتجاوزها أصالة هذا الفن العريق، ولكن عداء هؤلاء لكل ما هو محلي ووطني وأصيل أعمت بصيرة المتدخل، مقابل الاحتفال بإيديولوجية سوداء عابرة للقارات، لكن الكثير من المغاربة دافعوا عن هذا الفن وواجهوا صاحب الدعوة المتطرفة بالدليل والبرهان على أن الفنون الشعبية جزء أصيل من ثقافة المغرب وحضارته، ولا يمكن لأصوات نشار أن تغير من واقع الأمر شيئا، والأخطر في الأمر أن هؤلاء الذين يخرجون في كل مناسبة لإطلاق سمومهم، مع ما منحته وسائل التواصل الاجتماعي من حرية، يحاولون احتكار الحديث باسم الإسلام كأنهم وحدهم المسلمون، وما دونهم من المجتمع "كفار" و" عصاة"، وهو الخطاب المتعالي والفوقي الذي يوجهونه للطبقات المسحوقة من المجتمع التي تصفق لهم في كل مناسبة، غير مدركة أن وراء الكلام المعسول وتقنيات الجدل تخفي وراءها، خطاب متجذرا في مياه الكراهية. وهو الأمر الذي يجب أن تنتبه له السلطات المغربية، لأن مثل هؤلاء يسعون لاجتثاث ثقافة المجتمع واحلال محلها ثقافة " داعش" و"طالبان"، وهو الأمر غير الممكن من الناحية التاريخية والواقعية.

في الأخير نؤكد أن المغرب دولة ضاربة في التاريخ، وما الفنون الشعبية والعادات واللغات والتنوع الحاضر في المغرب، إلا صورة عما يتجذر في صميم هويتنا كمغاربة، منفتحين على العالم، ومتأصلين في صميم أرض إفريقيا، ومنفتحين على أوروبا وحضارتها ومولين وجوهنا نحو حضارات البحر الأبيض المتوسط، مصرية وعربية وفينيقية وأمازيغية، وغيرها من فسيفساء تاريخ الإنسانية العظيم وتاريخ المنطقة التي حبانا الله بها، ولن يستطيع صوت ناشر أن يغير من هذا الواقع المتجذر قيد أنملة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا يجب اعتبار كلام " الشيخ" هو التعبير عن الإسلام لأن الإسلام ليس مجالا محفوظا للإيديولوجية السلفية الوهابية، بل هو مجال متعدد المذاهب والملل، والمغرب يقوده أمير المؤمنين، وهو الساهر على العقيدة التي ارتضاها الكثير من المغاربة، باعتبارهم أشاعرة على مذهب المالكية والتصوف الجنيدي. كما أن المغرب قطع أشواطا في تحديث وعصرنة ترسانته القانونية، التي تفتح الباب أمام تنوع العقائد وتلتزم بحرية المعتقد. وهو الأمر العظيم الذي يقض مضجع السلفيين، الذين يرون أن الواقع الذي يحلمون به، وواقع المجتمعات التي يعيشون فيها غير منسجم، ولا ننسى في النهاية أن " شيوخ الميديا" في نهاية المطاف، أنهم أحيانا يسعون لإثارة الجدل حولهم، كي يحضوا بالكثير من المشاهدات وبالتالي تنتفخ أرصدتهم البنكية، وهو ما وفرته لهم التكنولوجيا، التي هي ثمار الحداثة والعقل والعلم، وهو الخطاب الذي يشنون كل قوتهم لمواجهته، لكن للأسف ذلك غير ممكن عقلا وواقعا.


mardi 22 mars 2022

سرطان الاستبداد الشرقي الذي لم تقض عليه للهزائم


 

اليوم زعيم شرقي مستبد يغزو دولة ذات سيادة مخترقا بذلك المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة. التي تنص على سيادة الدول منظمة عصبة الأمم لم تستطع منع الحرب العالمية الثانية، التاريخ اليوم يكرر نفسه، الأمم المتحدة التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية، سيسجل التاريخ أنها لم تستطع منع بوتين من غزو أوكرانيا. أو غزو دول أخرى منذ مجيئه للحكم مستخدما أساليبه الدموية ومعليا شعار القوة لفرض الإرادة. بوتين ومجموعة أخرى من الدول يشكلون حلفا هو حلف الاستبداد الشرقي، روسيا هي رأس حربته السياسية فيما الصين تشكل رأس حربَته الاقتصادية. والتابعين الصغار يشكلون رؤية مختلفة للعالم. هؤلاء هم: إضافة إلى الدولتين صاحبتا الفيتو، إيران وكوريا الشمالية! كلها دول عدوانية قائمة على إيديولوجيات دينية وشيوعية متطرفة بعضها يمتلك السلاح النووي بعضها يسعى بجنون لذلك. هؤلاء كلهم هم الوبال على مستقبل العالم اليوم. هذا الاستبداد الشرقي انهزم في جبهة الأفكار و الاستراتيجيا، مرات عدة أهمها بعد سقوط جدار برلين. لكن رغم ذلك مازال الاستبداد قائما وكأنه أمر طبيعي وكوني أن يظل النقيض حيا، كي يستمر الجدل التاريخي وتتحرك عجلة التاريخ، أي كلما انهزم الاستبداد، عاد في شكل جديد وكأن جدلية هيجل لا تنتهي، وكأن أطروحة فوكو ياما حول نهاية التاريخ غير صحيحة. اليوم ما يقع ليس عودة الاستبداد، بل هو تحول هذا الاستبداد الى حلف جهنمي يسعى بكل قوة لقلب النظام الكوني وتأسيس نظام جديد. لكن سيحدث الكثير من القتل الممنهج ليموت الاستبداد وتموت بذلك أطروحته. تناقضات ما بعد الحرب الباردة، تحتاج التسوية، الغرب كما يسميه الروس ويقصدون بذلك النظام الدولي كله، يسعى نحو أممية ليبرالية، تؤسس لعالم متكامل ومندمج ومزدهر، الروس استفادوا بدورهم من الأممية الرأسمالية، التي هي جزء من هذه الأممية على المستوى الاقتصادي، لكن على المستوى السياسي والثقافي يرفضون الليبرالية جملة وتفصيلا، ويفضلون الاستبداد الشرقي، القائم على القوة والهيمنة، لأن الديموقراطية تضعف هذه الأنظمة وتجعلها غير قادرة على الوقوف ندا للديموقراطيات العريقة، حتى أن النخب الشرقية، تعطي الأولوية للتنمية الاقتصادية على التحول السياسي والثقافي، كل دول ما كان يسمى ب " عدم الانحياز" زيادة على الصين وروسيا، وبعض " الأنظمة المارقة". تنتمي لفلك الاستبداد. بوتين اليوم، يفعل هذه الرؤية على المستوى العسكري، ويحاول زعزعة النظام الدولي. هذه ه غاياته البعيدة ولو إدعى أنه يريد فقطط تصويب الموقف الأوكراني ومنعها من الانضمام للناتو.

mardi 15 février 2022

المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية يحتفل بحرف تيفناغ

 


احتفل المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط يوم العاشر من فبراير، بمناسبة الذكرى التاسعة عشر لموافقة الملك محمد السادس بعد التحكيم الذي اقترحه عليه المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. على حرف تيفناغ لكتابة اللغة الأمازيغية.  تحت شعار" يفيناغ، الحرف الرسمي لكتابة الأمازيغية: الحصيلة والآفاق."  وقد انطلق الاحتفال بعد استقبال الحاضرين، بكلمة افتتاحية حول أهمية الثقافة الأمازيغية كمكون أساس الهوية المغربية، ثم استعرضت رئيسة مركز التوثيق والنشر بالمعهد على التقدم الذي شهدته توثيق التراث الأمازيغي منذ تأسيسه سنة 2002، ودور الحرف الأمازيغي الذي استمر عبر سواء التراث المادي الذي استمر عبر الحلي والنقوش والزرابي وغيرها، ثم عرجت على بعض الاحصائيات المتعلقة بالأمازيغية والتي تتعدى  30000اصدار منها 263 متعلقة فقط بحرف التيفناغ، بعد ذلك تم عرض مداخلات مصورة لعدد من المتدخلين : الحسين مجاهد الكاتب العام للمعهد والباحث خالد أفا وختم الباحث بمداخلة حول تمثلات خط تيفناغ.


mercredi 9 février 2022

الطفل ريان أو في وحدة الوجدان الإنساني

 


بغض النظر عن الأعراض الجانبية القبيحة التي رافقت حدث سقوط طفل في بئر عميقة في قرية تمروت بشفشاون، ومنها مثلا الاسترزاق ومحاولة بعض المؤدلجين تفسير الحدث بمقياسيهم وغيرها. كل ذلك لم يحجب المعنى العظيم للحدث وهو تأثيره على العاطفة الكونية للإنسانية ومما زاد من ملحمية هذا الحدث الصغير الذي تحول إلى إنجاز عظيم هو الرغبة الشديدة والتسابق من أجل إنقاذ حياة طفل صغير، حتى في الطبيعة الحيوانية يقع نفس الأمر خاصة حينما يتوحد القطيع الحيواني من أجل انقاد عضو ما في محنة. لكن في المجتمع الانساني يأخذ ذلك صورة أعمق وأجل. وإن كان ذلك يعبر على شيء فإنما يعبر على قوة الحياة وقدسيتها باعتبارها أسمى ما يوحد البشر. فرغم الشتات الثقافي والتباعد الجغرافي والسياسي، إلا أن الكل تعاطف مع تلك الحياة البشرية التي كانت في حالة خطر بين الحياة والموت. وكان الرجاء هو أن يتم إنقاذ الطفل، رغم أن ذلك لم يتحقق يا للأسف في النهاية. ومما زاد من وهج اللحظة الزمنية هو انتشار الخبر بفضل وسائل الإعلام خاصة الإلكترونية التي نقلت الحدث بالصوت والصورة فتابعه الملايين عبر ربوع العالم لحظة بلحظة، والكثير من المتابعين ربطوا الليل بالنهار متابعين تطورات عملية الإنقاذ، وكلما تأخر الأمر إلا وارتفعت الرغبة المحمومة في الوصول إلى جسم هذا الإنسان الصغير، حتى أن تخيل ريان الصغير ساقطا من على 32 متر، مجروحا ومحتضرا، في مكان مظلم وضيق وبارد جائعا وعطشانا ومقاوما الموت، كل ذلك حقق اللمسة الدرامية للحدث فتحول إلى بطولة. ولا ننسى بطبيعة الحال المتدخلين في عملية الإنقاذ، الأم والأب المصدومين واللذين ينتظران الفرج، ثم سائقو الجرافات الذين يحفرون الخندق المؤدي لأسفل الحفرة و" عمي الصحراوي" الذي حفر الأجزاء المتبقية من النفق. وأفراد الوقاية المدنية بزيهم ورجال الأمن والجماهير الغفيرة التي تجمعت حول مكان الواقعة. كل هذه العناصر وغيرها كَثفت اللحظة الزمنية ورفعت الطفل الصغير الى مرتبة أسمى من الإنساني ولعبت العاطفة دورا كبيرا في هذه العملية. في النهاية تم الوصول الطفل، ولكن يا للأسف توفي تم الإعلان عن الخبر عبر بلاغ من الديوان الملكي، واتصل الملك شخصيا بالوالدين وعزاهما. وتقاطرت رسائل التعزية للأمة المغربية وملكها ولوالدي الطفل من كل بقاع الدنيا. ومن أعلى سلاليم المسؤولية السياسية والرياضية والفنية وتحولت الشبكات الاجتماعية طيلة تلك الليلة وما والاها إلى لحظة عزاء جماعية خلفت التعاطف الكوني مع حياة بشرية بريئة في جبل منسي في بلد إفريقي.

ماذا نستفيد من هذه الواقعة؟ نستفيد أن المشاعر الإنسانية عظيمة ويمكنها أن تتحول إلى لحام للجسم الانساني ككل. الحياة مقدسة عند البشر خاصة لما تكون بريئة وفي لحظة ضعف وتطلب إنقاذها من خطر محذق.

البشر رغم اختلافاتهم وصراعاتهم تتنافى تلك الخلافات في اللحظات العصيبة وتختفي بذلك العواطف الحزينة وتحل محلها العواطف النبيلة.كل حدث يبدأ صغيرا ويتطور شيئا فشيئا وفق مبدأ تطور بطيء وكوني.

رغم صدق الكثير من المشاعر إلا أن مثل هذه الأحداث تبين كذلك النفوس الخبيثة وتجار الأزمات الذين ظهروا خلال هذا الحدث ومن جملتهم أصحاب الصفحات والنصابين والشحاذين والباحثين عن الشهرة والفضوليين.

وفي النهاية نقول صبرا جميلا لوفاة الطفل المسكين، لكن يا ليث الناس يتوحدون حول قضايا إنسانية مشتركة من هذا النوع وبهذا الحماس فمازال بيننا الكثير من أمثال رايان يعانون الفقر والهدر والجوع.

 


lundi 29 novembre 2021

الانتهاء من بناء نفق حسان في أربعين يوم: أي درس؟

 


تفاعل المغاربة مؤخرا مع حدث إكمال حفر نفق في مدينة الرباط، الشركة التي تولت المهمة كان عليها أن تضع أجَلا محددا لإنهاء الأشغال لأن هذه الأشغال نتج عنها عرقلة حركة السير خاصة حركة الترامواي وهي وسيلة نقل مهمة تربط ساكني العدوتين.  لما بدأت الأشغال حدث ارتباك في تنقل المسافرين عبر الترامواي سيما ضرورة تغيير القاطرة في محطة الحسن الثاني وقطع مسافة ليست بالقصيرة مشيا ثم الصعود على متن قاطرة جديدة في محطة 16 نونبر وهو ما خلف استياء كبيرا لدى مجموعة من المواطنين كما حدث ارتباك لدى أصحاب السيارات كذلك. لم تلتزم الشركة المعنية بالأشغال بالآجال المحددة فقط، بل انتهت قبل الأجل مسجلة بذلك رقما قياسيا في سجل تنفيذ المشاريع على المستوى الوطني. واستغرق الورش أربعين يوما فقط!

المستفاد من هذه الواقعة الصغيرة هو الدروس العظيمة التي يمكن استخلاصها، تمثل مثل هذه الوقائع نماذج فريدة في إطار صورة أعم تتميز كما يعلم الجميع، بالتماطل في تنفيذ المشاريع وكذلك عدم تنفيذها على الوجه المطلوب، سواء كانت هذه المشاريع متناهية في أهميتها كصباغة رصيف أو إصلاح عمود كهربائي أو تغيير مصباح إنارة عمومية. أو بناء مرحاض عمومي ... إلخ أو كانت من طبيعة المشاريع المتوسطة كإنجاز طريق وطنية، أو بناء سد، أو إنشاء مؤسسة، أو إصلاح خدمة النقل في مدينة من المدن أو تجاوزت كل ذلك وأصبحت من المشاريع الكبرى التي يتم في الغالب تدشينها وفق مخططات مهيكلة ومندمجة وتتميز بتعدد المتدخلين وتكون تكلفتها مرتفعة وتكون ذات بعد استراتيجي، مثل جل المخططات التي يدشنها الملك من حين لآخر مثل مشروع تهيئة المدن الكبرى كالرباط وتطوان، ومراكش، وأكادير، وغيرها. أو مشروع المغرب الأخضر والمخطط الأزرق ومشاريع منارة المتوسط وغيرها. لو تأملنا في كل هذه المشاريع مند انطلاقها بدءا من مكاتب الدراسات الأولية مرورا بالاتفاقيات المبرمة وصولا إلى الانطلاق الفعلي، نجد أن الغالية منها تشهد تعثرات، حتى ولو كانت في أحيان كثيرة " مشاريع ملكية" دشنها الملك شخصيا. والمفروض كما جرت العادة أن مثل هذه المشاريع تحظى بأولوية أكبر لأنها تحت إشراف الملك مباشرة. إذن نرى أن الكثير من التعثرات خاصة تلك المتعلقة بآجال التنفيذ والاستلام. دون الحديث عن جودة المشروع نفسه. هذه الصورة الكبيرة لا تعجب الكثير من المواطنين بطبيعة الحال، لكن من منطلق موضوعي فهناك في أسوا الظروف وأقبح السياقات بقع ضوء تحتاج منا اعتبارها كنماذج لما سماه جيل دولوز ثورات ميكروسكوبية. ويقصد بها بعض الظروف والمواقف التي يكون فيها المتدخلين من فصيلة الثوار والمغامرين ومن جملة أولئك الذين يحاولون تحدي البنية والظروف المحيطة التي يشهد الجميع على سلبيتها وعدم ارتقائها إلى المستوى المطلوب. وهو ما يجعل المغرب كما هو الشأن في كل بلدان العالم الثالث يصنف في مؤخر التصنيفات على مستوى التنمية البشرية. هذه الثورات بمعناها الجزئي تختلف عن تلك الثورات التي نظر لها المنظرون والفلاسفة أي ثورة تأتي من فوق فتغير كل شيء. إذن مثل هذه المبادرات ونقط الضوء يجب أن نحتفل بها ونشجعها ونسلط عليها الكثير من الأضواء لتكون نموذجا لكل مواطن مهما قلت مرتبته الاجتماعية أو عظمت، ولحسن الحظ فمع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي من حين لآخر نرى نماذج مثل هذه، والتي تتفاعل معها الجماهير بشكل كبير. إنجاز نفق حسان في ظرف 40 يوم قد يكون حدثا بسيطا في الواقع لكنه من حيث الدلالة هو عظيم وكبير. وماذا لو تصورنا مثلا أن كل الفاعلين سواء كانوا سياسيين، أو نخب اقتصادية، أو ثقافية، أو مسؤولين، أو موظفين صغار، أو أي شخص يعيش في تربة هذا لوطن. ماذا لو تحولت بلادنا إلى ورش من مثل هذه الإنجازات البسيطة. بتلك الطريقة سيكون لدينا كمجتمع وكدولة وكأمة حلم جماعي، يساهم كل واحد منا في إنجازه. وبتلك الطريقة قد نستطيع أن نشتغل كل في مكانه ومن موقعه بحماس وصدق وستعود الثقة الى المواطن وقد يصدق فينا قول غاندي : أن يكون كل واحد منا التغيير الذي ير يد أن يراه في العالم , وقد نكف كذلك عن لعن الظلام ونشعل شمعة من الأمل ! ربما!

jeudi 18 novembre 2021

خرافة التعدد الثقافي في المغرب

 

سقف قصر الباهية بمراكش ذو الزخارف المغربية المميزة

التعدد الثقافي معناه تعدد الهويات والثقافات في وطن واحد. أو في داخل حضارة واحدة أو في العالم أجمع. وهو ميسم العالم بالفعل وتلك سنة كونية خلاقة لا جدال فيها ولا خصام! بل يجب حمايتها والدفع بها. وقد ترسخت هذه الفكرة في المغرب في دستور   2011 خاصة في الدباجة حيث يقرر بان " المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية- الإسلامية والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية، والأندلسية، و العبرية والمتوسطية. كما أن الهوية المغربية تتميز بتبوء الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبت الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار، والتفاهم المتبادل بين الثقافات والحضارات الإنسانية جمعاء." وذلك كان بفصل نضالات الحركات الثقافية في المغرب التي سعت لتجاوز النظرة التي تؤسس عليها الدولة شرعيتها منذ إدريس الأول وهي ثنائية الإسلام والعروبة. لكن الحقيقة أن القول بالتعدد اللغوي في المغرب محض خرافة، لأن المغرب ليس بلد متعدد الثقافات رغم أن ذلك لا ينقص من قيمته شيئا، بل هو بلد متعدد الأصوات واللهجات، لأن الحياة الاجتماعية اليومية تختلط فيها لهجات المغاربة وأصواتهم. والقول بأن المغرب متعدد ثقافيا معناه أن هناك ثقافات مستقلة بنفسها، تشكل منظومة من الرموز، والأساطير، والفنون، والعادات. والتأكيد على التعدد هو نسف مبطن للوحدة. والصحيح أن المغرب متعدد لسانيا وليس متعدد ثقافيا، قد يعترض معترض قائلا: أليس هذا التعدد اللغوي مظهرا من مظاهر التعدد الثقافي، الجواب هو بالنفي لأن تعدد اللهجات في المغرب سببه الأساس، اختلاف الجغرافيا، بين سهل وهضبة وجبل. وصحراء. وكل منطقة جغرافية مخصوصة بخصائص متفردة، فأن يتكلم مواطن ما بلسان جبالة، أو بلسان الريف، أو بلسان سوس، أو لسان درعة. ليس معنى ذلك أنه حينما يعبر، يعبر عن أربع ثقافات. بل هو يعبر عن ثقافة واحدة بلسان مختلف. إذن ما هو محدد الثقافة المغربية؟ الجواب مباشر وبسيط: تمغرابيت  ! و  ما معنى تمغرابيت؟ معناها توليفة من العناصر الثقافية التي تشكلت في منطقة جغرافية، تعتبر منطقة عبور تاريخية، بين أوروبا شمالا وإفريقيا جنوب الصحراء جنوبا، وآسيا شرقا، ومادامت منطقة عبور فهذه وعاء حضاري لكل المزيج الثقافي الذي مر من المنطقة.  وهنا لابد من نسف خرافة أخرى، هي الخرافة التي يروجها أصحاب الأصالة الثقافية، سواء من يدعون الأصالة الوافدة أو دعاة الأصالة المحلية. وهو القول بماهية ثابتة للهوية والثقافة المغربية، ويبحث عن عنصر هو محور ذلك التعدد الظاهر الذي لا ينفونه كي يمنحوا ادعاءاتهم المصداقية المزيفة.  فلا وجود لتلك الماهية الثابتة، اللهم إن سلمنا بأن في المغرب ثقافة محلية أصلية وهذه مسألة لا ننكرها بتاتا، بل هي حقيقة تاريخية لم تستطع حملات الطمس المتواصلة منذ ألف ونصف الألف من السنوات، اقتلاعها، نعم استطاعت تهميش تلك الثقافة الأصلية، بشكل كبير، لكن أن تطمسها فلم يكن ذلك في المستطاع، لأن المغربي ولو أظهر احتقاره لثقافته المحلية واحتفل بثقافة الآخر الأجنبي، إلا أنه في قرارة نفسه المضمرة، يظل وفيا لها. حتى أنه لا يستطيع نفيها بالمرة، وهذا ما حدث للثقافة المحلية الأمازيغية بالخصوص، التي تصادمت مع موجات الاستعمار المتوالية على الشمال الافريقي منذ ما قبل التاريخ: الآشوريون والموستريون والعاتيريون والإيبروموريسيون مرورا بالعصر القديم، مع الفينيقيين والبونقيين والرومان، ثم الوندال، ثم القوط الغربيين فالروم البيزنطيين. وصولا للعصور الوسطى حيث وصل الغزو الإسلامي العربي، وتوالت السلالات التي اتخذت ثنائية العروبة والإسلام إيديولوجيا للحكم رغم أن كل السلالات كانت أمازيغية محلية، لكن مادام المغرب مرتبطا بالشرق فقد كانت الضرورة السياسية تقتضي الارتباط بالمشرق العربي، وهكذا تناوب على عرش المملكة، الأدارسة ثم المرابطون ثم الموحدون ثم المرينيين فالوطاسيين فالسعديين فالسملاليين فالعلويين.  ثم أخيرا الاستعمار البرتغالي ثم الإسباني ثم الفرنسي. لذلك ظلت تلك الثقافة المرجعية حاضرة في النفوس وهي الارتباط بالأرض والجغرافية، وهي كما قلنا سابقة ليس ماهية ثابتة، بل هي متحولة ومتداخلة، قادرة على إلحاق البشر بأصلهم الحقيقي وهو الطبيعة.

من خلال ما سبق يتبين لنا أن هذه الخرافة التي تم التأسيس لها، لا تنسجم مع واقع المجتمعات التي تشهد بالفعل ثقافات متعددة، لكن المغرب هو شعب وثقافة واحدة، نؤكد على وجود هوية محلية أصلية استوعبت العناصر الوافدة في نسيجها، لذلك فنحن نؤكد على أن الثقافة المغربية تتضمن كذلك العنصر الفرنسي والبرتغالي والاسباني في نسيجها، ومن يدعو لذلك، فالتهمة سترتد عليه لامحالة.

أي مخرج للحرب في غزة

  يقول اسبينوزا: "لا شيء يدعو للبكاء، لا شيء يدعو للضحك، كل شيء يدعو للفهم." بدأت الحكاية منذ البداية، من خلال استعمار كامل لما ...